كأنها درة زهراء أخرجها غواص دارين يخشى دونها الغرقا -----250 الغوص مهنة أهل الخليج الذين كانوا لا مهنة لهم سواه, يظنه البعض أنه مهنة بعض أعراب الجزيرة العربية الذين عن الحياة في أعماقه فوجدوا لؤلؤا فباعوه هكذا وانتهى الأمر وفي العقول قناعة زائفة بأن الغوص مهنة جديدة طارئة على العرب, والحقيقة غير ذلك, الحقيقة أن الغوص عند العرب مهنة قديمة قدم التاريخ ولا أدل على ذلك من ديوانهم الشعري الذي لم يكن لهم سجل سواه ذلك الذي سجل مآثرهم, فسجل مما سجل حتى حرفهم وأعمالهم وهو تسجيل شعري له سمات الشعر واغراضه وليس تسجيل الدواوين والحكومات, وتسجيل الشعر أصدق وأثبت في ذاكرة التاريخ والأمة لأنه تسجيل مرتبط بالعاطفة والمشاعر ولا يعلق التي هي نفث الارواح وبكل محبوب معاش مجرب معتاد لأنه يشكل التجربة التي يرتبط بها الشعور الذي تتدفق عنه القصائد. ورب ظان أن الغوص مهنة أهل الخليج منذ وقت قريب وحسب وهو وقت ما قبل ظهور النفط وسيادته على ساحة الاقتصاد والصناعة والتجارة العالمية. ورب ظان يظن ان العرب ما عرفوا الغوص الا بعد ضعف الدولة العربية في الجزيرة العربية وتمزقها بين الشرق والغرب والأمر في الحقيقة غير ذلك, فالغوص مهنة قديمة شواهدها يشهد بها الشعر العربي الخالد منذ ما يزيد على الخمسة عشر قرنا, ويكفيك من ذلك ما ورد في مطلع هذه الاسطر من قصيدة للاعشى ذلك الشاعر الجاهلي الذي شاء ان يستجيب لدواعي الشوق, وحين عاثت في روحه أحاسيس العاشق الساهر حين نام الخليون وبات هو يتوسد مرفقه يرعى النجوم عميدا مثبتا أرقا فقال: نام الخلي وبت الليل مرتفقا
أرعى النجوم عميدا مثبتا أرقا
أسهو لهمي ودائي فهي تسهرني
باتت بقلبي وأمسى عندها غلقا
لما كان هذا حاله وهو العاشق العميد لم يجد بعد أن أمعن يشبهها بالرئم واصفاً إياها ثغراً وجيدا لم يكن له بعد ذلك إلا أن يبحث عن أجمل من ذلك الوصف فلم يجد لها شبها الا اللؤلؤة تلك التي بذل لها الغواص نفسه حتى حد الغرق أو كاد وفي ذلك لا شك دلالة واضحة على أن الغوص مهنة قديمة عرفها العرب منذ القدم وليس منذ أواخر العصر الجاهلي وقبيل الإسلام بل لعله قبل ذلك بعقود من الزمان أو قرون, ودليل ذلك ورودها في أشعارهم التي منها ما تقدم, ومعلوم أن الشعراء ما هم وأشعارهم إلا نتاج تأثرهم ببيئاتهم ومحيط مجتمعاتهم, ولن يصل الى حد الاستعارة والتشبيه والتصوير في الشعر الا ما رسخ في حياتهم ومعيشتهم من الأعمال ومن ذلك كان الغوص على اللؤلؤ الذي لا شك أنه مهنة رسخت في حياة العرب وأضحت من معارفهم وعاداتهم وحياتهم اليومية حتى ظهرت آثارها في أشعارهم. ولنا في نص آخر من أشعارهم الجاهلية دليل آخر وهو لخال الأعشى وهو المسيب بن علس وهو شاعر نصراني من شعراء الجاهلية. القصيدة فريدة في نوعها وقع فيها الحديث طويلا في أولها في ثلاثة عشر بيتا عن الغوص واللؤلؤ التي يشبه بها ذلك الشاعر الجاهلي محبوبته حتى إذا انتهى ذلك الجاهلي الشاعر من وصف اللؤلؤ الجمانة وغواصها الذي عانى في سبيلها معاناة عظيمة التفت الشاعر إلينا وقال إن تلك الجمانة البحرية هي شبيهة محبوبته المالكية حين تطلع من خدرها وهي قصيدة قصيرة الأبيات إذ لا تزيد على الأربعة عشر بيتا ولكن في قصرها طول تجده في إفراد الشاعر لوصف الجمانة البحرية وغواصها ومعاناته في سبيلها كل أبيات القصيدة إلا بيتا واحدا جعله لوصف محبوبته وهذا أمر نادر في الشعر العربي فقلما تجد شاعراً ذكر طويلا الغواص واللؤلؤ والبحر والمعاناة التي يتجشمها الغواص في سبيل كل ذلك ولكنك إن شئت أيها القارىء أن تفهم الأمر فهما سطحيا قلت: إن هذا استخفاف من الشاعر بذكر محبوبته إذا كان فيها زاهداً لم يذكرها إلا في بيت واحد في آخر القصيدة ولو حققت النظر فهمت أن القصيدة كلها وصف للمحبوبة وإن لم يذكرها إلا في آخرها في بيت واحد ولعلمت أن القصيدة كلها بغير ذلك البيت الأخير لا معنى لها ولا لزوم لها ولا محل لها, فهي بأبياتها الثلاثة عشر معلقة على بيت واحد هو الأخير الرابع عشر فإنه لا معنى للقصيدة مهما طالت, تبدأ بقول شاعرها: كجمانة البحري جاء بها
غواصها من لجة البحر
ثم يثني ويبدأ في وصف غواصها وصلابته وفراسته وحنكته وإصراره بقول يصفه: صلب الفؤاد رئيس أربعة
متخالفي الألوان والنجر
ثم يصف سفينتهم التي راحت تهوي بهم إلى البحر يقول: وعلت بهم سجحاء خادمة
تهوي بهم في لجة البحر
أقول ما فائدة كل ذلك إلى آخر قصيدته تلك لو أنه ما قال ان كل ذلك العناد وان كل تلك الصور كانت في سبيل دانة لؤلؤة تشبه محبوبته المالكية. فتلك شبه المالكية إذا
طلعت ببهجتها من الخدر
وهذه من غرائب القصائد التي لم تتكرر كثيرا في الشعر الجاهلي وهي أنها تضم سمتين: الأولى ذكر مفصل للغوص ومعاناته وقيمة اللؤلؤ عند غواصي الخليج, والثانية إشارة إلى المحبوبة في بيت القصيدة تقوم عليها القصيدة أجمعها. الأمر الأهم من ذلك أن القصيدة وان كانت ضربا من قصائد الغزل الجاهلي المعتادة إلا أنها في الحقيقة تؤرخ لمهنة أثيرة عزيزة على قلوب الخليج وهي الغوص وهي تؤكد أمرين الأول هو: أن الغوص في الخليج مهنة قديمة قدم تاريخ العرب وليست مهنة طارئة اضطروا إليها لفترات متأخرة من تاريخهم لضعف دولتهم وانهيارها. والأمر الثاني: تفاصيل مهنة الغوص في الجاهلية تقريبا شبيهة بتفاصيل الغوص عند أهل الخليج إلى عهد قريب من ذلك وأن أهل الغوص كانوا يعيشون بين الماء والسماء لأربعة أشهر بحثا عن دانة أو جمانة بحرية تغنيهم وذلك ما أكده الشاعر في قوله يصف البحارة الغواصين ومعاناتهم: حتى إذا ما ساء ظنهمو
ومضى بهم شهر إلى شهر
ألقى مراسيه بتهلكة
ثبتت مراسيها فما تجري
وقوله يصف الغواص يقضي نصف النهار في البحر يغمره الماء ورفيقه فوق السفينة ينتظره لا يعلم ما يأتي به الغيب ومن رفيقه ذلك الا من نسميه نحن في الخليج (السيب) ذلك الذي ينتظر الغواص على سطح السفينة ممسكا بحبل طرفه في قدم الغواص حتى إذا اراد الغواص أن يخرج من البحر بعد الغوص هزه هزة علم على أثرها السيب أن صاحبه مقطوع الأنفاس تحت الماء فيجره إلى السفينة وهو يرجو أن يكون قد عثر على ضالته جمانة البحر الغالية وكذلك كان الغوص في الجاهلية.