مساء الجمعة الأخير جاء مساء حزيناً, لطائفة واسعة من العائلات العراقية التي استطاع رجالها البواسل, وبشراسة الضواري, أن يثبتوا حقاً, ان بامكان المرء, أي مرء, أن يكون مليونيراً في عشرة أيام. إذا ما حفر طريقه في الحياة, وفق وصايا كتيب وضيع, بهذا الاسم, يباع بثمنٍ بخس, على الأرصفة لاشك ان واضعه, نزيل اصلاحية, أو أحد أتباع آلهة النار, التي تدير مملكتها, وفق قانون: (إذا رأيت أعمى, فادفعه! ..) هذا المساء الحزين البارد الممطر, الذي سبق ليلة رأس السنة, كان نذير شؤم مؤكداً لتلك العائلات التي ستأتي مسلفنة بعطورها, ومساحيقها وعريها, وكبريائها, تدفعها أمنيات ساذجة وسفيهة, بقضاء سهرة ممتعة, لبلد في مأتم!! العائلات المسكينات تلك, دفعت آلاف الدنانير لذلك مقدماً .. سهرات تقام في قاعات واسعة, أو بما يسمى, منتديات اجتماعية ترفيهية, زادت هذه السنوات بشكل ملحوظ, ظل أصحابها ينشرون عنها, دون حياء, أو ملل, عشرات الاعلانات المطولة, المفبركة, عبر وسائل الاعلام كافة, والساحات وتقاطع الطرق, وحيطان المستشفيات, والمدارس, ودور العجزة والأيتام, والسجون أيضاً .. تزاحمها أحياناً, لافتات الوفيات السود. تتحدث بالسنة من حرير عن بذخها, وأناقتها, وأبهتها, وتنوع فقرات برامجها, كل ذلك يتم بعبارات أتقن اخراجها أشخاص, امتهنوا عن جدارة نصب الفخاخ القاتلة المغفلين, حفلات تتخللها فقرات مثيرة مثل: أجمل طفل, وأكثر الآنسات أناقة, أشطر ثنائي راقص, وربما أشيك عجوز, وألطف أرملة!! وعلى أصوات مطربين, ومطربات من هذا الزمن السعيد, أصابوا ثروات هائلة, ومكانة اجتماعية مميزة, كل ذلك لتفردهم بأغان مسلية عجيبة, يطلقونها كالرصاص, من أنوف خناء, وحناجر من حجارة!! العراقيون الموسورون, يريدونها ليلة من نوع خاص, رومانسية مرصعة بالنجوم البراقة, دافئة وحالمة, ليلة من ياسمين وليمون وقرنفل وشمبانيا, يمكن للمحتفلين أن يحلقوا من خلالها, في أية لحظة, كالطيور في الأعالي, بسبب من رقتها ونعومتها وعاطفيتها, ونشوتها المفرطة .. ليلة مثل زورق صغير ملون, يبحر في ريح رخية, مترنحة, سكرى!! ويفترض منها أن تقود, بسلاسة, ورومانتيكية, القوم, إلى الاغماء, أو التجلي, تحت ضروب من أفعال الصنوج الطيارة, والدرابك الصادحة, والمواويل التي تنشد بلوعة اليتم, حباً مستحيلا, وقد انغمس الجو, بتلك الرائحة المدوخة, المتحررة من أجساد النساء اللاتي جذبتهن حمأة الاحتفال, وبراءته, الى المسرح, حيث رحن يدرن على أنفسهن, بنعومة الرمل, وطراوة الماء, أو برقصات مرحة, حارة وعنيفة, تحررت جراءها مجاميع الفراشات والزنابق وزخارف الدانتيل الأخرى, التي توشى قمصانهن, وجواربهن وأذيال فساتينهن, تحررت في هبة طيارة, ملأت فضاء القاعة, الضاج بمصابيح الزينة انهن انما يرقصن في غرفهن لتسلية أنفسهن المطعونة في أكثر من مكان, وقد تناسين تحت شعور دفين لحيوات منطفئة, وان كانت مكتظة بالمرمر والمرايا والثريد, تناسين الجمع, الذي في معظمه من الغرباء, المحتشدين حول خشبة المسرح, وقد راحت عيونهم المحمرة بدوافع في معظمها شهوة بداوة لن تنطفئ, تلتهم سيقانهن, وأعناقهن, التي يولفن كثيرا بعريها اللاصف تحت وهج المصابيح. إذن, أثرياء العراق, يريدونها ليلة صنوا لليال كانوا قد سمعوا عنها الكثير, أو قرأوا, أو شاهدوا في مدن المال والفن: نيويورك, لندن, باريس, فيينا, روما, مدريد تضيء شوارعها المغسولة مجاميع هائلة وبالألوان كافة المصابيح, وكلما كانت المصابيح, بتشكيلاتها المتنوعة طارفة بايقاعات ضوئية, كان ذلك أفضل, وأكثر مدعاة للمسرة والاثارة والانشراح .. ثم انهم يرغبون, شأن الاثرياء عامة, أن يتسكعوا, قبل الدخول إلى القاعات, النصف ساعة في الأقل على الأرصفة المرشوشة, والتوقف للتفرج على محال بيع الألبسة والأحذية والاكسسوارات والتحف والدمى والحلي, وتسجيلات الأشرطة, والهدايا, المنتشرة في أسواق: المنصور والكرادة, والأعظمية, والكاظمية, والسعدون, على وجه الخصوص .. يلتهمون, بشراهتهم المعهودة السندويتشات المحشوة بالهمبرجر, أو شرائط اللحم, أو الكباب, ويتسلون, بترف الأمراء والأميرات, في العصور الغابرة, بمضغ النستلة, أو الكرزات, أو الزبيب الأسود اللذيذ .. نعم كل شيء متوفر, وبكميات المدن الثرية, التي هبطت عليها الثروات من دون حق وجيه .. مواد من مصادر خارجية, شرقية, وغربية: الزبيب من ايران, الكنت من U.S.A., بلاك أند وايت من اسكتلندا, وشمن فلاي من هولندا, العسل الطبيعي من مناحل سنغافورا, المعلبات من باريس, الحلويات من تركيا, الغلايين من بريطانيا, السيجار من كوبا, الباروكات, نعم الباروكات أيضاً من وارسو! .. يقال ان هناك مطعماً, في الباب الشرقي, يقدم وجبات من أفخاخ العصافير كمقو للجنس, ولم لا؟ فما علاقة رأس المال بالحصار؟ انه شيء معلق بين السماء والأرض, أين ما حل صدحت له الموسيقى, وأنشد الشعراء معلقاتهم, وهزت الفاتنات خصورهن! المراهقات والفتيات العوانس وقد أشرفن على سن اليأس, ومن ترملن مبكراً, يراوحن قلقات في غرفهن المزدانة حيطانها بصور مطربي, الأنوف الخناء, ونجوم المسلسلات, والقطط, ومناظر صيد اللبوءات, يحدقن, بتذمر واضح, برذاذ المطر البلوري, حتى وان كان الرذاذ المبارك جاء ليغسل الأشجار والطرقات المهملة وباحات البيوت من صيف مترب وجهنمي امتد لأكثر من ستة أشهر متصلة كالطاعون! قلقات بالرغم من انهن من عائلات تتباهى بسياراتها الحديثة, وهذا يعني أن ليس هناك مشكلة في المواصلات ستصادفهن لحظة يقرر رب الأسرة العودة بقطيعه .. اذن, مصدر التبرم هذا ورفع القبضات بوجه السماء, انما يعود كون الأثرياء في كل عصر ومكان, يرون أن من حقهم أن يعيشوا وسط طبيعة عليها أن تغير من قوانينها, بما يتفق وأمزجتهم المتقلبة! أما وقد أطل يوم السبت غائما, وان رذاذ المطر ظل دون توقف تقريباً, يهمي مرصعاً المدينة بفراشاته المائية, فقد عمد الرجال والنساء, معاً للبحث عن بدلات للسهرة, من ألوان مشرقة يتسيدها الأحمر والوردي والأصفر والأبيض والبرتقالي, وأهملوا البدلات ذات الألوان الزرقاء والرمادية والسوداء والبنفسجية, لأنها أمست بسبب من سماء غائمة وممطرة, ألواناً باردة, وميتة, توحي بالكسل والكتابة. زوجتي, وابنتي الكبرى, والأطفال الذين حزبتاهما ضدي, قد فهموا بالكلام الفصيح, والعامي معاً, كاتمين غضبهم: ان لا سهرة خارج البيت, في رأس السنة هذه وربما القادمة, والتي تليهما, من يدري؟ لكن, بالمقابل كان علي أن أتدبر أمري, لا حول, بتوفيقيتي المعروفة دون وقوع انفجار شجار عائلي مؤكد, لا أحد سواي قادر على التكهن بنتائجه التي خبرتها بالتجربة, لأكثر من مرة! فالاسرع اذن بتوفير متطلبات سهرة عائلية متواضعة, ولتكن من الدرجة العاشرة لستة أشخاص, هم مجموع أفراد عائلتي, لمثل هذه الليلة التي لا شك ان خلقا كبيرا في مشارق الأرض, ومغاربها, سيحتفل بها, كل على طريقته الخاصة! هذا هو لب المسألة, دون لف ودوران وتسويفات مضحكة وملفقة: منع وقوع شجار عائلي, سيدمي قلبي الحزين, لعدة أسابيع وما مسألة: ان الفرح, قضية انسانية عادلة, حيوية وضرورية للانسان الذي يحيى حياة طبيعية, فما بالك بانسان يدور كالأعمى, أو المضروب على رأسه, أربع سنوات, وربما أكثر من هذا بكثير, عرجاء, وعوراء, وصلعاء, ومجذومة أيضاً, ووسط حياة تعمق وفق منطق: المطرقة والسندان, ما هي إلا مسألة كاذبة تماماً. اذن, والحالة هذه (مرغم أخاك, لا بطلُ..) كما يقول الشاعر! تدثرت بقمصلة هي كل ما بقي يذكرني بسنوات الحرب الضروس الثماني المنسية, أو التي لن تنسى أبداً, قمصلة جديدة, مطرية ومبطنة بالفرو الاصطناعي الناعم, ومن صنع معامل عائلة آل شاوشيسكو الاشتراكية .. وبعملية حسابية بسيطة وسريعة وصريحة, تبين لي, كمتقاعد مدني, كان قد أمضى ثلاثين عاماً, دون انقطاع, في الخدمة ان مرتبي للأشهر الثلاثة الأخيرة, الذي تسلمته قبل يومين, سيطير كالدخان, من بين يدي القابضتين عليه بحرص واستماتة, مهما تحوطت, وتحايلت, وساومت, واقتصدت!! خرجت الى الشارع البارد, واضعاً على وجهي قناع المسرور, بانقضاء سنة أخرى على سنواته الخمسين, دون أن يلقى حتفه قدماي تتحركان بحيوية, فقط قلبي كان جمرة! استجمعت عزيمة رجل يعرف انه ولد بطريقة استثنائية, فذات صباح خريفي, داهم المخاض أمه وهي منحنية على الحصاد! صويحباتها الفلاحات بعيدات في حقولهن عنها, ولن ينتبهن لها مهما أومأت بعباءتها, وصاحت بحنجرتها اليابسة .. دارت بها الحقول الشاسعة تلك الدورة الفظيعة, التي تحصل لمن يسكر لأول مرة! كتمت صراخها داخل فمها الذي اصطكت أسنانه على بعضها .. تخلصت بسرعة من حزامها الوبري, واستقلت على ظهرها على الزرع, وتحت سماء ساخنة وصافية ومفتوحة بشكل مطلق, ضغطت بكفين صغيرتين خشنتين, عند أسفل سرتها, وضغطت متأوهة, كانت خائفة, بكت وناضلت, وقد تمزق ثوبها المصنوع في الموسلين الأسود الخفيف, وسقطت عن رأسها اللائبة, فوطتها, كزت على أسنانها فأدمت شفتيها البنفسجيتين اليابستين, وهمست بلوعة الغريق, مستحضرة أولياء الله الصالحين .. فجأة, انقذفت ألبط مثل سمكة, على السنابل الخشنة! أنّت بعمق, وأخذت أنفاساً قصيرة متلاحقة, قبل أن تلتقط بأسنانها المرتعدة ما يسمى بالحبل السري, ثم تخلصت من المشيمة التي عليها أن تدفنها في مكان آمن, بعيداً عن الحيوانات .. كانت على حافة الاغماء, لكن صراخي الثاقب, أيقظها, وأعاد لها شيئاً من وعيها المضطرب .. رتبت من وضعها, اذ نشفت دماءها وعرقها, بعباءتها, بعدها التقطتني حتى إذا ما تعرفت على جنسي, أشرق في وجهها الموشوم المنطفئ, ضياء فرح مستحيل, ورفعت وجهها إلى السماء شاكرة .. قمطتني بفوطتها, وألقمتني حلمة ثديها العنابية, وحالما هدأ الطفل, الذي سوف لن يهدأ في أيام حياته المقبلة, وشرتني بعصابتها المشبعة بروائح هي مزيج من روائح الحناء, والمحلب والبخور, والسنابل, ونثرت فوقي, للتبرك, قبضة من السنابل المجزوزة, وبينما أطبقت أجفاني على سماء كالمرآة, تتخاطف من حولي أسراب من القبرات, والجنادب والعصافير, جرجرت جثمانها وواصلت الحصاد كالجنية!! انتشلني من شرودي العذب, بوق سيارة مارة, ففتحت عيني على مشهد, ضرب لقسوته, قلبي بشدة, وارتعدت مفاصل جسدي المرتبك, وزاد في عيني الطارفتين, ظلام الشارع, على ظلامه, وهتفت ملتاعاً: (يا إلهي! ماذا أرى؟) ذلك ان رصيف الشارع العام الطويل الذي يكتظ في العادة, ويتداخل بلغط يطعن الفؤاد أيام الصحو, بالبائعين والبائعات, للخضار والفاكهة والسكاير والمواد الغذائية, وغير الغذائية المتنوعة, والذي كنت أحسب أن أجده الليلة شبه خاو, لكنه في هذا المساء الحزين, يعيش حالة الاكتظاظ والتشابك واللغط ذاتها! يتلفع الباعة الجوالون, من عجائز وشيوخ وشباب وفتيان, بكل ما لديهم من أسمال تعود, في معظمها, الى ملابس الجيش, بصنوفه المتعددة: عجوز ترتدي قمصلة مفاوير, شيخ مدثر بمعطف الحراسات الليلية يسعل, وينادي على بضاعته في آن واحد, صبي وضع على رأسه وكتفيه قمصلة خاصة بالقوة الجوية, ورجل ببدلة مشاة, يضلع حول عربة بيع الشورباء, امرأة ترتدي تحت عباءتها المبتلة قمصلة خاصة برجال البحرية, أما القمصلة الخاصة بوحدات الجيش الشعبي, فقد كانت المتسيدة في المشهد العام!! وكنت قد شاهدت, لليومين الماضيين عبر التلفاز, سلسلة طويلة من مشاهد ما يسمى (بأهم أحداث العالم!) كانت في معظمها تكشف عن عالم بات من المستحيل اصلاحه! سقوط حكام في انتخابات عامة, أو عن طريق الانقلابات العسكرية, وتتويج آخرين وسط عواصف من التلفيق, عمياء, على شكل تصفيق, وصفير, وهتافات, وموسيقى ورصاص أيضاً. وأخرى عن أعمال (جماعة الرفق بالحيوان) بقيادة (المؤمنة!) برجيت بارد وإذ تم انقاذ مئات الحيتان الجانحة على السواحل الرملية للعديد من مضايق وخلجان أوروبا واستراليا, وأخرى تظهر فرق المسلمين الأفغان, وهي تفترس بشراسة الذئاب, بعضها البعض! وكيف يدمر (رفاق السلام, للامس القريب, مدن بعضهم في البوسنة والهرسك والصرب والشيشان. يا إلهي العادل, متى تنزل غضبك, بأعدائك, فقد كثروا وأقلقنا طول انتظار متى؟! حين رددت ذات مساء قريب, كلماتي هذه التي صرت أكثر من ترديدها, لدرجة ان اطفالي يرددونها معي كنشيد المدرسة الصباحي, صاحت أمي مرتعبة, وقد قطعت صلاتها, واستدارت نحوي بصوتها الشاكي المخنوق بالدمع المؤنبة: (بل, متى اتكف, أيها الرجل العاق, عن ترديد أفكارك هذه التي ستدفعك, وتدفعنا, إلى الجنون؟ ... ليتني هويت عليك بالمنجل, يوم ولدتك!!). لكن, بالي حق تريدينني أن أكف يا أماه, وقد جردني الزمان, وحساباتي المغلوطة من الأسلحة الفعالة! ولم يبق بين يدي, غير سلاح الثرثرة, أتسلى به, كما يتسلى ملك مخلوع, بصيد السمك بغابة منفاه!. وركبني هم شديد آخر, وأنا أتذكر, طفلتي الجميلة, أمل, ترتعش بين ذراعي مثل عصفور أشقر مضروب على رأسه كانت أمها, وسط هلع الآخرين وتعاطفهم, تولول باكية, وكنت أنهرها غاصا بدموعي!! يوم وليلة وماتت, أمل, الشقراء أجمل أطفال الكون .. بسبب اصابتها بمرض قالت عنه لجنة في أطباء المستشفى: وافد علينا, لا علاج له في الوقت الحاضر, كما لا يمكن أن نطلق عليه تسمية محددة, نعتقد أنه من أمراض الحروب الحديثة .. يا ويلتي الا أحد هنا يجزم الكل بما فيهم الأطباء يعتقدون!! كانت أعراض المرض بسيطة: النفور من الضوء, ومن سماع الأصوات ومن النظر بوجوه الناس!! من مذياع صغير, لصبي يرتجف مثل عصفور مبتل, وهو يحتضن قدر الباقلاء الساخن, يرتفع صوت (أم كلثوم) بنبرته الجياشة الساحقة: لا تسلني عن أمانينا وقد صارت سرابا .. فأحسست ثمة دمعة ساخنة سقطت من احدى عينيّ, وتدحرجت داخل فمي المتشنج .. وركض رجل في الخمسين, يبيع الطحين, كان ينادي (أبيع, بأقل من التسعيرة الرسمية!) وأقفل الراديو بغضب صائحاً بوجه الفتى, الذي هو من زمن غير أم كلثوم (سودني, راديونك الملعون هذا!!) وسط دوامة الشارع المتفجرة, مشهد يشع مثل جوهرة لآلئه, حيث عائلة, بأكملها مزروعة بثبات عجيب على الرصيف القاسي, مكونة من رجل يتكئ على عصا المعوقين, يحمل مظلة وقد خبأ داخل معطفه العسكري القديم طفلين, برزا من فتحة المعطف الخشن, وجهاهما بمثل وجهي أرنبين صغيرين, الرجل يقف خلف امرأة, انها زوجته, دون شك, تبيع الفاكهة والخضار حامياً إياها من المطر! يا إلهي حقاً قد يهزم الانسان لكن يستحيل افنائه! هتفت بصوت مسموع, فرحاً ومرعوباً في آن! اذن انني أقف وجهاً لوجه أمام عائلة عراقية حقيقية, تسبح باستماتة دون أن تفقد الأمل تعبر بالنجاة, في بحر عالي الموج اذ ضربت عاصفة مجنونة سفينتهم التي كانت حتى يوم قريب, متينة, أو هي تبدو هكذا, وحولتها الى مجرد مزق من ألواح متناثرة!! المطر يشتد, التيار الكهربائي ينقطع, يتواصل, ليعود فينقطع من جديد, كأن تعبث بمفاتيحه أصابع طفل, اثناء تلك اللعبة, تغادر الناس بعرباتها الى المجهول, ثم تعود, من جديد بلعبة سحرية موجعة: يارب هبني كمية كافية من النقود تمكنني من أن أشتري بضاعة هؤلاء البؤساء الضائعين, ليعودوا إلى بيوتهم, مبكرين, في هذه الليلة المباركة, لكنها باردة بما لا طاقة لهم عليها .. يارب!! تضرعت وأنا أمسك على قلبي, وكنت أرى جموع الناس, في حينا الشعبي, تلتم حول سلال الخضار, فقد آمنت مرغمة بصحة النظرية النباتية! ابتعت ما أريد من عائلة المظلة, ودفعت لأول مرة دون مساومة, وعدت إلى بيتي والأكياس تصر تحت ابطي .. لكن اسطوانة ذاكرتي كعادتها لا تريد أن تكف عن عملها السادر بالتعاسة والأذى, وها هي مشاهد جديدة أتعثر بها, طالما شاهدتها في تسكعاتي اليومية الحزينة, وهي تعرض علي (وعيها!) صراحة, وأنا لا أملك من تسلية غير تسلية القيام بالتقاطها, وتدوينها, دفعاً للضجر, الذي تحدثه في العادة وسائط النقل البدائية .. أحيانا يتلبسني, بطريقة مضحكة, حماس التدوين, واعداد في الوقت نفسه, ورقة دفاعي عن براءتي, التي سألقيها أمام قاض عبوس, عن تهمة غامضة, كتهمة التلصص على الآخرين, مثلاً, فانهمك والعرق يتصبب مني, ولعلي أبدو بشكل معتوه, وإلا لماذا ينظر إلى الآخرين بمن فيهم أفراد عائلتي, وهم يتهامسون ويتغامزون ويضحكون خلسة! أناس تركوا, للمباهاة, ثمار حدائقهم الواسعة, تجف على أشجارها .. رجل مرور يقف يقظاً عند تقاطع مروري هام, بيد يقضم ثمرة طماطم, التقطها من سيارة مزارع مرت به, وبالأخرى ينظم السير .. مراهقون يشخطون عجلات سياراتهم الفارهة, مدخنة على قار الشارع لاثارة فتيات المدارس .. عتال في الشورجة, يقفز نشطاً, على ساق واحدة وقد قوست رقبته الرفيعة بالة كبيرة .. مجاميع بازياء احتفالية : عباءات من وبر المرعز الثمين تلمع على أكتافهم العريضة وبين أصابعهم القردية, تسكسك مسابح من الكهرمان الألماني الفاخر, سحنات كالصديد, وان أفلتت أحيانا شفاهم الغليظة ابتسامات مجاملة, بطريقهم الى جامع باذخ, إذ يقام عزاء له طابع الاحتفالات سيارات فاخرة قوات طوارئ وقوات مرور سدت الشوارع المحيطة بالجامع ثريد وتمر لم أذق ما يماثله, وأنا ابن مدن النخيل, سجاير أسبين, وقايسوري كريفن, قهوة بالهيل, وماء ورد هندي يطيب به الحاضرون أيديهم .. آخرون مع زوجاتهم, أو عشيقاتهم, لا فرق! عراة يستحمون في مسابح فنادق الدرجة الأولى انهم المحظوظون الذين تزداد أرباحهم, بشكل طردي, كلما تقلصت مواد البطاقة التموينية, أو سمعوا عن واحدة من اذاعات العالم الحر الجديد, العبارة المتوحشة التي يرتعد لهولها قلوب العراقيين: تم تجديد الحصار, لستة أشهر أخرى على العراق! حارس حينا, في الستين من عمره, أسمع كلما استيقظت ـ ما أكثر ما استيقظ هذه الليالي! ـ سعاله, وصوت حذائه العسكري الثقيل, يعلوان على صوت صفارته الخناء .. زمر الفتيات المتسكعات, شبه سكارى, شبه عرايا, ليل نهار على أرصفة أسواق الاحياء الثرية, بوجوه معافاة, أو بفعل طبقات المساحيق, يتبادلهن وأصحاب المحلات اشارات, وعبارات ماجنة .. فتاة حسناء تبيع الشاي في كراج النقل العام, لا تنظر بوجه أحد, ولا تتكلم أو تبتسم قط, سوى مع أباريقها التي تبخر بين جمر المنقلة, وبلوزة حمراء ترفو ثقوبها .. ثمة كاتب كبير انتهى الى سائق أجرة, ومثقف يقبع جائعاً عند زاويته المعتادة من مقهى حسن عجمي, يترجم عن الألمانية مسرحية لبرخت عين على برخت, والثانية على باب المقهى, بانتظار قدوم الصبية التي تبيع, صحون بالتمر, حيث اعتاد شراء واحدة منها كفداء, وهكذا, وهكذا. طرحت الأكياس أمام العائلة, وبينما رحت أقبل وجوههم, واحداً, واحداً التي انتعشت الآن فقط, متصنعاً أبوة كريمة, وأتمتم بكلمات انشائية ملفقة, وبنبرة تعمدت أن تكون مؤثرة: عام جديد, عام مبارك, والحصار بشياطينه المقرتنين المعروفين منا جميعاً, واللا معروفين إلى اللعنة, والعار الابديين. ويبدو انهم نسوني, منشغلين بمحتويات الأكياس, التي راحوا يتناهبونها, فتعلوا ضجتهم, فانسللت, عائدا إلى الشارع العام, فقد شعرت ان بامكاني أن أتسلى مع ناسه, وعطوره, وان كان قلبي في حداد مقيم! * قاص عراقي