أتخيل, أحيانا, أن عقبات الحرية الفكرية والابداعية لم تتناقص وانما تزايدت, فها هي أشكال الرقابة تتصاعد على امتداد الوطن العربي, وجماعات الضغط الاجتماعي تحاكم كتب المؤلفين وابداعات المبدعين بأثر رجعي, أعني انه حتى الكتب التي طبعت أكثر من مرة تراقب من جديد, وتصدر ضدها صيحات تطالب بالمصادرة والعقوبة. وآخر ما عرفته من ذلك ما قرأته في بعض الصحف العربية, منذ أيام قليلة, عن الهجوم على العمل القصصي (صنعاء مدينة مفتوحة) للكاتب اليمني محمد عبدالولي الذي توفي منذ سنوات بعيدة جدا, وصدر عمله المشار اليه منذ أكثر من ثلاثين عاما. ومع ذلك لم يفلح التاريخ القديم للكتاب, ولا طبعاته العديدة, في صرف أنظار التزمت عنه, فوجدنا في صنعاء, اليوم, من يطالب باعدام الكتاب ومحاسبة ناشريه وموزعيه, الامر الذي يدل على ان الرقابة الجديدة للتطرف قد اصبحت تراقب الأعمال الابداعية بأثر رجعي. ولذلك, أتخيل ان عقبات الحرية الفكرية والابداعية قد تزايدت ولم تتناقص أو تختفي, مع ان سنة التطور كانت تقتضي ان تختفي هذه العوائق او تتناقص الى أبعد حد. لكن يبدو اننا لا نتطور في هذا الجانب او نتقدم, بل نسير الى الوراء بخطى متتابعة, واننا ننتقل الى الأسوء والاصعب في هذه الامور, الامر الذي يجعلني اميل الى التشاؤم واقرب الخوف على امكانات الابداع الذاتي للأمة, ولست في حاجة الى القول ان توافر امكانات الابداع الذاتي معناها توافر امكانات التقدم, وان اختفاء هذه الامكانات او محاصرتها لابد ان تنعكس على امكانات التقدم وتحاصرها. وقد كنت اتصور قديما أن عوائق الحرية الابداعية والفكرية رهينة الحكومات المتسلطة, وقرينة طبائع الاستبداد التي تتسم بسماتها المتصلبة اولى الرأي في هذه الحكومات التي تظهر مع صعود انظمة الاستبداد العسكري او الاستبداد الديني او حتى الاستبداد المدني, لكني اصبحت مدركا, بسبب ما أصبحنا نعيش فيه منذ سنوات, وما نعانيه, ان عوائق الابداع لم تعد مقصورة على الحكومة, بل أصبحت تجاوزها الى مجموعات الضغط الموازية لسلطة الدولة المدنية والمعادية لهذه السلطة على السواء. ويبدو ان السلطة الرقابية لهذه المجموعات قد أصبحت اقوى من سلطة الدولة في بعض الاقطار, كما يبدو ان بعض هذه المجموعات أخذ على عاتقه ترويع المبدعين وتعذيب المفكرين بسبب ما أبدعوه من أعمال فنية وما انتهوا اليه من كتابات فكرية. ومن لا يصدق ذلك عليه ان يسترجع اغتيال كتاب مثل فرج فودة المصري. واغتيال مبدعين مثل عبدالقادر علولة الجزائري, فضلا عن محاولات الاغتيال التي لم تترك حتى كاتبا بحجم نجيب محفوظ, ناهيك عن تقديم المبدعين والمفكرين الى المحاكم والتظاهر ضد الابداع في اكثر من قطر عربي. وكانت النتيجة تصاعد درجات غياب الحرية وتكاثر اعدائها في الوقت نفسه. هكذا, رأينا هيمنة حضور القمع الخارجي الذي يواجهه الكاتب العربي في مختلف اقاليم هذه الامة العربية, مهما اختلفت الدرجات او تباينت المواجهات. اقصد الى هذا القمع الخارجي الذي ينتقل من الخارج الى الداخل, ومن وجود المؤسسة الخارجية الى حضور الرقيب الداخلي الذي يؤسس نفسه, في داخل الكاتب او المبدع, استجابة الى سطوة المؤسسة الخارجية, واذعانا لها, فيتسرب الى حنايا وعي الكتابة او الابداع, ويلتف عليه ويحول دونه والابتكار الجسور. هذا الحضور المتنامي للرقيب الداخلي, في الكثير من مجتمعاتنا العربية, يؤكد ان القمع يعيد انتاج نفسه, وان فعل القمع ذاته ينعكس على من يقع عليه, تماما كما ينعكس الاشعاع على السطح العاكس فيعيد ذلك السطح توجيه الاشعاع المسقط عليه الى غيره. واذا كان الرقيب الداخلي يؤكد اعادة انتاج القمع على المستوى الذاتي, فان تحول المقموعين الى قامعين, وانقلاب المنفعلين بالقمع الى فاعلين له, يؤكدان اعادة الانتاج نفسها على مستويات تجاوز الفرد الى غيره, والمجموعة الواحدة الى الجماعات المتعددة في المجتمع, وذلك في ردود افعال منعكسة لا تكف عن الامتداد والتولد. وقد كان طه حسين نفسه منطويا على هاجس لافت ببعض هذه المشكلات اللاحقة, بل يبدو كما لو كان يرى ببصيرته بعض متواليات الزمن المقبل بعده, ولذلك املى في (مستقبل الثقافة) كلماته التي تقول: (الادباء عندنا ليسوا أحرارا بالقياس الى الدولة ولا بالقياس الى القراء, وما أكبر النبوغ الذي يضيع ويذهب هدرا لأنه يكظم نفسه, ويكرهها على الاعراض عن الانتاج خوفا من الدولة, او خوفا من القراء, فليس كل موضوع يعرض للأديب عندنا تسيغه القوانين ويحتمله النظام ويرضي عنه ذوق الجمهور) . وهي كلمات تؤكد العقبات والاحلام على السواء, خصوصا عندما تلفت انتباهنا الى الوان القمع الواقعة على حرية الابداع من (الجمهور ورجال الدين وادارة الامن العام والنيابة) . وهي كلمات تؤكد طليعية وعي كاتبها الذي يطالب ـ في خاتمة (مستقبل الثقافة) ـ بضرورة تحرير الادب والادباء من داخلهم وخارجهم, وضرورة ان يتاح لهم القول في كل ما يشعرون به ويجدون الحاجة الى القول فيه, مؤكدا أهمية ان تكون قوانيننا سمحة, وان يكون تطبيقها سمحا, وان يكون ذوق الجمهور عندنا سمحا كذلك, ويمضي طه حسين مؤكدا ان لحرية الرأي شرها أحيانا, ولكن لها خيرها دائما, ونفع الحرية اكثر من ضررها على كل حال. ولذلك يجزم طه حسين بأن كثيرا من الآثام الفردية والاجتماعية سيزول او تخف اضراره اذا اتيح للادباء ان يتناولوها بالنقد والتحليل وبالعرض والتصوير. ولا يشك في ان قوانيننا حين تتشدد في مصادرة ما تصادر من حرية الادب (لا تحمي الفضيلة وانما تحمي الرذيلة وتخلي بينها وبين النفوس) . وبالطبع, لم يكن طه حسين من الذين يجلسون في دعة, مؤثرين السلامة, منتظرين ان تغير الحكومات من قوانينها المقيدة للحريات, او يفارق الجمهور تعصبه الذي اعتاد عليه, او تتسامح الجهات والهيئات والمجموعات التي تخاف على وجودها من رياح الحرية, وانما كان يدرك ان الحرية تنتزع انتزاعا لأنها ليست هبة من سلطة او جماعة, وانما هي حق لا يمكن اكتسابه الا بممارسته, وتأكيده بالعمل الجسور والمبادرة الخلاقة والمبادئ الشجاعة, وقد فعل هو ذلك, كما فعل غيره من فرسان الفكر والابداع الذين لم يكفوا عن انتزاع هذه الحرية من انياب الاستبداد والتعصب والقمع. ولا يزال دافعهم الى ذلك ان الحرية التي يطلبونها. ونطلبها معهم, لن تنال لأننا نتمناها, انما تنال يوم يأخذها من يسعى اليها بنفسه. لا ينتظر ان تمنحه اياها سلطة ما, فقد أراد الله ان تكون هذه الحرية حقا للثقافة والمثقفين, ما ظلوا يحلمون بوطن متحضر يتمتع بالحرية في ظل الدستور والقانون.