أذكر أنني صادفت كتابا عن (الحياة بعد الستين) وقرأته ملولا فهو مليء بالنصائح والتوجيهات. ولابد أنك أيضا عزيزي القارئ سمعت عن كتاب تحت هذا العنوان أو تحت عنوان مشابه. وربما عن (الشباب بعد الستين) لكنني لا أذكر ولا أظنك تذكر كتابا عن الحب بعد الستين. وأنا اريد أن أحدثك اليوم عن الحب بعد الستين بل بعد التسعين, ولكن قبلها سأذكر لك قصة صغيرة قد تكون علىَّ لا معي. ففي الستينيات كان المسرح القومي يعرض مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية) والمسرحية من تأليف الكاتب الألماني بارتولد بريخت. وكانت تلك الأيام هي أيامه فلم تكن مجلة أو جريدة تخلو من حديث عنه.. وترجمت معظم مسرحياته. وظل هكذا الى أيام الرئيس السادات الذي أبدى تحفظا على الاهتمام ببريخت على اعتبار أنه كاتب شيوعي. وهكذا انتهى زمان بريخت في مصر . وبعدها ذهبت الى برلين وحضرت مسرحية (برلينر انسامبل) فوجدته منهارا شكلا ومضمونا وخمنت أن تحفظ الرئيس وصل الى المانيا. المهم أنني قابلت آنئذ أحد الأساتذة الأمريكيين وكان ذا ثقافة ليست سائدة بينهم. وكان يتردد على شارع الهرم ظنا منه أنه يمثل الحركة المسرحية, وحسب ما أوهمه أحدهم. ولما قلت له ان هذا ليس هو المسرح, ولما سمع مني أن المسرح القومي يعرض (دائرة الطباشير) أبدى دهشة شديدة لهذا, ورغبة أشد في حضور هذا العرض. وقدمت له الدعوة. وبالطبع كان داخلها زوجته وزميله الذي كان يصاحبه ثم صديقه الذي يحب المسرح. وظل العدد يزداد حتى فوجئت بهم على باب المسرح أحد عشر شخصا. واعتبرت هذا من معجزات الأرض العربية التي تستطيع تغيير سلوك الأمريكيين والأوروبيين! ورغم عدم الانضباط إلا أن الإخوة الأمريكيين كانوا ممتنين جدا لهذه الدعوة, أما الامتنان الأكبر فكان عندما قلت لهم أن بإمكانهم أن يلتقوا بالممثلين بعد العرض. كادوا ألا يصدقوا وعدي, وتابعوا الممثلين مفتونين بهم خاصة شفيق نور الدين الذي كان يمثل دور القاضي, وأجمعوا على أنه تفوق على زملائه في جميع عروض المسرحية التي شاهدوها في أمريكا وأوروبا. وردا على هذه الدعوة أهداني أحدهم كتابا, أجلت تصفحه الى حين عودتي الى البيت, وفي يقيني أنه أحد مؤلفات الأستاذ الجامعي. لكني عندما أخذت أتصفحه فوجئت بأن عنوانه هو (الجنس بعد الستين) ولاحظت ما كتبه المؤلف في صدر كتابه أن هذا ليس كتابا للعامة ولذلك طبع منه خمسين نسخة فقط هذه هي النسخة رقم 37 من الكتاب. وأيضا في صدر الكتاب إهداء الى زوجته التي لولاها لما استطاع تأليف هذا الكتاب. وبعدها بدأ الحديث عن موضوع الكتاب وهو كما أذكرك مرة أخرى عن الجنس بعد الستين فإذ الصفحات بيضاء حتى آخر ورقة! طبعا أغرقت في الضحك على النكتة اللطيفة. وظللت أحتفظ بالكتاب حتى كبر الأبناء وأخذوا يفتشون في مكتبتي, فتخلصت منه. هذا عن الجنس أما الحب فهو قصة أخرى. ذلك أن لي صديقا جاوز التسعين توفت زوجته منذ وقت طويل, ولأنه يعيش وحده أجبره أصدقاؤه وأقاربه على أن يتزوج مرة أخرى, لكنه ضاق بالزوجة الثانية ضيقا شديدا. ورفضها منذ البداية. ولكنه تحملها لفترة ربما بسبب احتياجه اليها, وربما لقدرته في هذه السن على التعامل مع المشاكل بحكمة. وأردت أن أزيل الضيق عنه, فاقترحت أن يصحبنا في رحلة سياحية جماعية الى بعض دول أوروبا.. ووافق واقترحت أن تصحبه زوجته معه ظنا أنها فرصة لبناء علاقة جيدة , لكنه أخبرني بعد ذلك أنها اعتذرت ولامته على الرحلة لأنها كانت ستزوج ابنتها في نفس الوقت وأرادت أن يكون معها. وأتي (س..) وحده. وكان غريبا بيننا بأعوامه التسعين. ولكن أشهد أنه كان من أكثرنا انطلاقا وحماسا, ورغبة في المعرفة, وكان (س..) ملفتا للنظر بلحيته الرمادية الكثة وشعره المرسل وأناقته الكلاسيكية. وكان أكثر من يهتم به النساء. وفي حفلة ساهرة مال علىّ متسائلا: ألن ترقص؟ ونظرت له مستنكرا, فعلاقتي بالرقص علاقة عدائية, ولم أستمتع في حياتي بما يسمونه (الرقص الشرقي) أما الرقص الأوروبي كما كان يسمونه ابناؤها (دانص) فخبرتي به سيئة جدا.. وربما دانص. كان الشئ الوحيد الذي يغفر لهذه الكلمة في قاموسي هو الباليه.. وهو كما تعرف لايمارسه إلا الموهوبون وفي سن معينة وبتدريب شاق جدا. وتساءلت عمن يمكن أن ترقص مع (س..) فلم أجد واحدة تصلح لذلك, فاطمأن قلبي, ولذلك لم أحاول فهم نظراته الزائغة, ولا تحركه أحيانا هنا وهناك. وفجأة: وقف (س..) وسار بقامته القصيرة الى أجمل فتاة في هذا الحفل, وانحنى أمامها, فإذ بالفتاة تتبعه الى مركز المكان بين ابتسامات الحاضرين وتعليقاتهم وبالطبع حسدهم. وبدأ (س..) يتلوى برشاقة مع صاحبته متحديا تصلب الشرايين وهشاشة العظام والروماتيزم وآلام الركبة وضعف العمود الفقري. ونسى الحاضرون أن الرجل يحمل تسعين عاما على كتفيه. ونسى (س..) نفسه هذا وتعبت الصبية الجميلة وهي تحاول أن تجاري هذا الراقص البارع. وعندما انتهى دوت القاعة بالتصفيق.. وانحنى (س..) لفتاته الحسناء, وانسحب عائدا يحاول أن يخفي تباهيه. وانحنت علىّ إحداهن وقالت: إنه الآن يحس أنه دولة رئيس الوزراء! وأظن أن القصة التي أريد أن أحدثك عنها حدثت في تلك الليلة. ولكن هذا مجرد ظن ففي مثل هذه القصة لايستطيع أحد أن يعرف كيف بدأت. ولكن الخيال يحب أن يتدخل, وأحيانا يصيب. ولذلك فأنا أتوهم أن اهتمام (ف..) به كان في تلك الليلة. (ف..) فتاة فيها كل الصفات المرغبة في فتاة مثلها, فهي جميلة فاضلة متعلمة جذابة. ولكنها مع ذلك لم تتزوج رغم أنها جاوزت الثلاثين بعامين أو ثلاثة. وبالطبع عرضها هذا لشائعات كثيرة منها أنها تعيش قصة حب مأساوية, أو أنها متزوجة سرا من شخصية هامة, ولكن كل هذه اشاعات تحاول فهم سبب عنوسة حسناء. ويقول صديق لي أن الزواج مثل حوادث السير, لاتدري متى يصيبك ولا كيف. وقد تنجو منه! ويبدو أن (ف..) كانت قد نجت منه. بعد تلك الليلة أصبح (س..) و(ف..) ثنائيا في هذه الرحلة الجميلة التي انتقلنا فيها خلال عدة بلاد أوروبية فعندما نركب الطائرة يجلسان متجاورين. وعندما نجلس الى الطعام يجلسان على نفس الطاولة. وعندما يختفي أحدهما يبحث عنه الآخر. وبالطبع كان هذا مثارا لتعليقات وفكاهات كثيرة.. ولكن لم يدر أحد أنها قصة حقيقية. وعندما عدنا لم أكن أجد (س..) في البيت أبدا.. فكنت أترك رسائل مسجلة.. ولما أبديت له دهشتي من عدم وجود زوجته طوال الوقت قال أنهما انفصلا برضا الطرفين. وأزعجني هذا فلقد كنت أتصور ضرورة أن يتزوج صديقي. وحتى هذه اللحظة لم أصدق أن قصته مع (ف) حقيقية. لكنه بعد فترة أتاني وقال لي أنه سيتزوج من (ف..) وأصابني الذعر. وقلت له: هل تعرف سنها؟ فحدد لي سنها بالسنة والشهر واليوم. وقلت لـ (ف..) أنني أتمنى أن تتزوج من صديقي فهذا يسعده ولكنني أخشى من نكسة في هذه العلاقة تودي به, وربما تودي بها. فقالت لي أنها مقتنعة بما تفعل ولن ترجع عنه. قلت لها أنها ستتحول الى ممرضة, قالت أن هذه هي المهنة التي تحلم بممارستها. قلت لها أنها لن يكون لها أولاد أبدا. قالت سأكون أما لأحفاده. ورأيت فيها حائطا صلبا لايمكن اختراقه. فقلت له: * ألا ترى ياصديقي فارق السن بينك وبينها! ـ قال لي: * أنت ولاشك تعرف فلانا. وهو في نفس الوضع. فلقد تزوج فتاة أصغر منه بكثير. ومع ذلك فهما يعيشان في سعادة منذ خمسة أعوام! ـ قلت له: * هذه مقارنة خاطئة. فزوجته أكبر ولو قليلا من صاحبتك وأقل جمالا بكثير. أما هو فأصغر منك أنت في التسعين يارجل أما هو ففي السبعين. ـ وانفجر صاحبي في الضحك وقال: * وما الفرق بين التسعين والسبعين! وضحكت أنا الآخر. فعلا ما الفرق بين التسعين والسبعين؟! والعرس في الشهر القادم في نفس يوم ميلاد العروس. واقترحت على صديقي أن يكون حضور العرس ببطاقات مباعة. ولكنه رفض!