واحدا من مئات المقاولين الذين لايذكرهم التاريخ لولا تقربه من الخديوي اسماعيل أثناء مشاركته في حقر قناة لم يكن حبيب السكاكيني المولود عام ,1840 سوى مقاول من مئات المقاولين الموجودين في القاهرة آنذاك, لكنه استطاع مثله مثل كل أثرياء هذا العصر أن يشتري (الباشوية) ليصبح (حبيب باشا السكاكيني) . أن يظل السكاكيني باشا ، السويس, فأحبه الخديوي وجعله يشارك في بناء دار الأوبرا القديمة التي احترقت عام 1972. ويروي أن سر محبة الخديوي للسكاكيني, ترجع الى قصة مفادها, أن العاملين في حفر قناة السويس كانوا يعانون من غارات الفئران التي كانت تعوقهم عن العمل, وحار الخديوي والعاملون, فما كان من السكاكيني باشا إلا أن الرجل يتمتع بذكاء غير عادي ويمكنه ان يكون مفيدا. وبصرف النظر عن صحة الرواية, إلا أنها تدل على قرب السكاكيني من رأس الدولة في ذلك الوقت. وكان من جراء هذا التقرب أن أنعم الخديوي على السكاكيني بقطعة أرض بالقرب من جامع (الظاهر بيبرس كهدية وعرفان بجهوده. ويروي أيضا أن مكان هذه الأرض بركة كانت تعرف ببركة الشيخ قمر تستمد ماءها من الخليج المصري القديم شارع بورسعيد حاليا ومن حولها كانت أرض جرداء. بنى السكاكيني مكان الأرض قصرا أراد به أن يكون تحفة في عصر التحف والجمال, وكعادة أهل ذلك الزمان, خطط حول قصره شوارع وطرقا, مما أدى الى ظهور حي جديد من أكبر أحياء القاهرة ويعرف بحي السكاكيني. كان السكاكيني صاحب ثقافة واسعة, عرف عنه سعة الاطلاع وحب الموسيقى واجادة العلاقات العامة, الى جانب أنه سوري الأصل, معدي المولد, نصراني يعيش في وسط المسلمين, ومقاول يعمل بين الخبراء الأوروبيين الذين جلبهم الخديوي من الخارج. كل هذا التداخل أثر فيه, فجاء قصره معبرا في أنماطه المعمارية والفنية عن هذا التداخل, فجمع فيه روح الشرق القديم المتمثلة في التراث المعماري الاسلامي والمسيحي والتراث الأوروبي الذي تمثل في فن (الباروك والركوكو) القائم على الزخارف والتي تعتمد على العناصر البشرية والنباتية, كما ضم عناصر أخرى رومانية ويونانية. القصر المسكون في حي السكاكيني ينظر العامة الى القصر على أنه (مسكون) في اشارة الى الجن والعفاريت, حيث تعشش في أشجاره الطيور المختلفة, وتصدر أصواتا في المساء تبدو مزعجة. والقصر في شكله الخارجي على هيئة قبة كبيرة تحتها مبنى عريض متعدد الارتفاعات, وتحيطه من الخارج حديقة كبيرة تبدو منها نباتات للزينة وأشجار عتيقة. يتكون المبنى من ثلاثة طوابق وبدروم معد للخدم والطهاة وحجرة تسمى (الكرار) يستخدم في تخزين المواد الغذائية, وللقصر مدخلان احدهما رئيسي مصنوع من الرخام وآخر جانبي يستخدمه الخدم والعاملين بالقصر. وفي الواجهة يتزين القصر بأعمدة الرخام المستوحاة من العصر الروماني, وأعمدة مخصصة للانارة. وعلى الجدران تماثيل معلقة مازالت تحتفظ ببهائها وكأنها صنعت أمس بينما تميل الشبابيك والبلكونات الى الطراز الاسلامي من خلال الارابيسك والمنحوتات الخشبية. عند الدخول من باب القصر المصنوع من الخشب والأرابيسك والزجاج الملون في الخلفية تجد نفسك في مواجهة حجرة الاحتفالات, وقد حرص السكاكيني باشا على أن تكون كبيرة تتسع للعشرات من المدعويين, وكان صاحب علاقات متعددة مع المصريين وأرباب السلطة بجانب الخبراء والرسامين من الأجانب والأوروبيين لدرجة أن المشرفين على بناء هذا القصر كانوا من كبار الرسامين التشكيليين الايطاليين. حجرة الاحتفالات روعي فيها كل الأنماط التي ذكرناها, فالسقف به رسومات أوروبية, والأبواب والأروقة شرقية مرسوم عليها قلاع غربية, وأرضية من الخشب المعشق بأشكال كثيرة متعددة وجميلة. وتأتي حجرة المكتب كتحفة فريدة, فأعلى السقف تجد أشكالا من الجص على هيئة ورود, وفي المنتصف شعلة يجيئ فوقها ملكان يحملان بدورهما عقدا من الورد, يطوقان به تمثال لرأس صاحب القصر السكاكيني باشا بشاربه ووجاهته التي تميز بها أثرياء ذلك العصر, وفي الأسفل برواز يضم أشكالا جميلة لرأس الأسد. وفي الأرضية توجد مكتبة مازالت تحتوي على مجلدات بلغات مختلفة بجانب نسختين من القرآن والانجيل, وبجانبها كرسي مصنع من قرون الغزلان. وبجانب حجرة المكتب توجد حجرة السفرة, وفي نهايتها "نيش" ضخم أما الدور الثاني فهو مخصص لحجرات النوم ويضم ثلاث حجرات تتميز بالطابع الشرقي فقط حيث تجد فن الارابيسك والزجاج المعشق في كل مكان, ويظهر بوضوح التداخل الفني الاسلامي والمسيحي, كأنما أراد أن يعلن عن تشابك الوحدة الوطنية. أيضا تتسم حجرات النوم بالبساطة والهدوء والانعزال الى حد كبير عن بقية أرجاء القصر. التداخل المعماري وفي الدور الثالث مقعد صيفي مفتوح للهواء الطلق من كافة الجهات وتغطيه مظلة واقية من حر الشمس ومطر الشتاء ويعقبها سلم حلزوني كما في المآذن يصل بك الى القبة الشبيهة بقباب المساجد والتي ترى من خلالها القاهرة مترامية الأطراف إلا من بعض العمارات التي شوهت المنظر البديع. وهناك وجهتا نظر حول هذا التداخل الثقافي والمعماري, الأولى ترى أن هذا تعبير عن جهل صاحب القصر المعماري وتشوه أحاسيسه الفنية لأن تعدد الأنماط الفنية أدى الى خلطة تفتقد وحدة العناصر. فيما ترى وجهة النظر الثانية أن هذا التداخل تعبير عن طريقة العصر وأن هذا نمط في حد ذاته, أعطى شكلا جديدا له جماله المختلف والمتميز, بحيث جاء القصر مختلفا وفريدا عن قصور العصر الذي بني فيه. منذ سنوات قليلة مضت كانت "هناريت" إحدى حفيدات السكاكيني تسكن بجوار القصر الذي نشأت فيه, فالقصر مهجور منذ عام 1952 بعد أن وضع تحت ادارة الدولة مقابل خمسين جنيها شهريا للورثة. وكانت هناريت لا تترك فرصة لزيارة مسئول أو فرصة تسير حول القصر إلا وتصب لعناتها على الحكومات التي أهملت هذه التحفة ونزعتها من أهلها. وهناريت إحدى ثلاث حفيدات للسكاكيني من إبنه "هنري" سافرت إثنتان للخارج, وبقيت هي لتتزوج من مسلم هو أحمد سيف الدين البكري, حفيد الشيخ البكري, والذي كان له دور في المقاومة الشعبية إبان الحملة الفرنسية على مصر. ويحكى أن هناريت, كانت دائما ما تروي ذكرياتها في القصر خاصة فيما يتعلق بالتماثيل المحيطة به, والتي كان أهلها يستخدمونها لاخافتهم وهم أطفال عندما يخطئون أو يعبثون. وقصر السكاكيني تحت مسئولية وزارة الصحة منذ عام ,1962 اقامت فيه متحفا صحيا لنشر الوعي الصحي بين طلبة المدارس, وعندما تسلمته وزارة الصحة كان تقريبا خاليا من الأثاث. وفي عام 1987 صدر قرار رئيس الوزراء المصري, باعتباره أثرا إسلاميا, ومنذ ذلك الوقت والقصر تحت ادارتين: وزارة الصحة وهيئة الآثار يتنازعان عليه وهيئة الآثار تتخذ اجراءات لنزع ملكيته عن الورثة, ومنذ ذلك الوقت أغلق القصر حتى يحسم النزاع. ويبقى القصر وسط القاهرة ليؤكد أن مصر منورة بكل من سكنوا فيها وأنها قادرة على استيعاب أفكار وثقافات من كل العالم. أحمد عيد