غموض كثير مشوب بأشكال الحسرة والألم مازال يغطي حتى يومنا الحاضر, مصير عرب صقلية الذين نفوا من ديارهم ورحلوا عنوة الى مدينة لوشيرة التي تعتبر آخر الحصون العربية على الاراضي الايطالية. ومثلما حل باخوتهم العرب الموريسكين في الاندلس فقد انطوى عرب صقلية في هذه المدينة في غمار من الذل واليأس, ينتظرون ما تخبئه لهم الايام من محن ومصائب فعندما انتهى عهد ملوك النورمان بجزيرة صقلية بعد سلطة دامت مئة عام تقريبا بدأت اعمال الاضطهاد والتنكيل والتنصير القسري تحت تأثير العديد من متعصبي الكنيسة, فعندما خلع المسلمون طاعة الجرمانيين واعلنوا الثورة حدثت مواجهات دامية بين الطرفين غلبت المسملين على أمرهم. وفي عهد النورمان تكررت ثورات وتمردات المسلمين على مدى سنوات عديدة وخاصة ما بين اعوام 1221 ـ 1295 فكانت ثوراتهم اشبه بثورات اخوانهم سلموا الاندلس ولم ينفع الاتفاق الذي اجراه السلطان ابو زكريا بن محمد والذي كان يحكم دولة الموحدين بالمغرب مع الامبراطور شارل الثاني يضمن فيه للمسلمين دينهم وذويهم واملاكهم, وان يكونوا شركاء للنصارى في البلاد. اذ سرعان ما نقض المسيحيون هذا العهد بعد وفاة ابو زكريا فقد امر شارل الثاني في بداية الامر (ريمون لل) وهو مبشر اسباني متحمس من جزيرة ميورقة والذي كان ابرز دعاة تنصير المسلمين سلميا عن طريق التبشير بعد فشل الحملات العسكرية وهو نفسه الذي اقترح على مؤتمر فينا عام 1311م إنشاء معاهد بالجامعات الاوروبية لتدريس اللغة العربية وذلك لتمكين المبشرين من القيام بمهمتهم في عملية التبشير بالدين المسيحي, امر بقرار ملكي ان يذهب الى لوشيرة والاتصال بحاكمها آنذاك (هنري جيرارد) للقيام بمهمته, وجاء في الامر الملكي قوله (حينما يصل الرجل الرفيع الشأن ريمون لل الى مقاطعة لوشيرة المذكورة أعلاه للتداول مع مسلمي لوشيرة بشأن العقيدة الكاثوليكية, فانه انما يفعل ذلك باذننا وبعلمنا ونحن نأمركم ايها السيد الفاضل امرا اكيدا بقوة على وجه السرعة فالسيد ريمون لل المذكور انفا قد فوض تفويضا صحيحا للقيام بهذه الامور بان تقدموا له كل ما يحتاجه لدراسة هذه الامور المذكورة اعلاه كلما دعت الحاجة الى ذلك مع حسن ودكم ومساعدتكم ومشورتكم في الوقت المناسب). الا ان ما قام به السيد ريمون من محاولات لاجبار المسلمين بالتنازل عن عقائدهم ومعتقداتهم باء بالفشل, الامر الذي عجل بضرب المسلمين بعنف وقسوة مما اضطر عدد كبير منهم الى اللجوء الى الحصون والأغوار والجبال وشكلوا عصابات منظمة غدت عبئا ثقيلا على السلطات الكنسية الحاكمة, اما القسم الاخر فقد نزح الى شمال افريقيا والمشرق والاندلس وبقي قسم قليل منهم يتبعون رؤساء اقطاعيين من المسيحيين كانوا اقل مراعاة لمشاعرهم واكثر اغتصابا لاموالهم وفضلا عن ذلك فان ضرائب العشر لتجهيز حملات البابا انوسانت الصليبية بدأت تثقل عليهم ماديا ومعنويا الامر الذي اضطر عدد منهم للالتحاق بالعصابات المنظمة في محاولة لاسترداد الممتلكات المغتصبة ولما اشتد ساعد ثوراتهم اخذوا في الاستيلاء على العديد من القلاع والقرى وقد ظل من عاش في مدينة لوشيرة عدد من المسلمين يقاومون الذوبان والاندماج, وكانت تتشكل جماعات عربية سرية كان ينظر اليها من قبل السكان على انها خطرة, كما كان العديد من متعصبي الكنيسة ينظرون اليهم باستياء واستخفاف معلن, وخاصة من معتقداتهم الدينية وازيائهم وعلاقاتهم واحتفالاتهم. هدف سهل للطامعين واصبح هؤلاء المواطنون المختلفون عن بقية المجتمع بمثابة كبش الفداء, وهدفا سهلا للطامعين وذوي الثارات الخاصة. لقد جاءت فكرة الخلاص من مسلمي صقلية الذين اشتهروا بقوتهم وامتلاكهم فنون القتال, وعبقريتهم في مجالات الصناعة الحربية والمعمارية من فردريك الثاني نفسه. وتعتبر هذه الخطوة من اكثر اعماله قسوة, وذلك باجتثاثه لالاف مؤلفة من المسلمين تقدر الوثائق المتوفرة في مكتبة الفاتيكان بان عددهم كان في بداية الامر نحو (60) الف نسمة, حملهم فردريك الثاني بالقوة والاكراه ليوطنهم بعيدا عن اراضيهم, فاختار لهم مكانا بعيدا منقطعا عن العالم الخارجي, في العمق من مقاطعة بوليا في الجنوب الايطالي, التي كانت وقتذاك تحت امرته. فبعد ان قمع فردريك الثاني ثورة المسلمين سنة 1225م لم تقابله متاعب كبيرة من جانب هؤلاء الرعايا صعبي المراس والذين لم يلبي اي من اخوانهم العرب لنداءات استغاثتهم المريرة. ومع ان عملية الابعاد هذه اتخذت طابع القسرية والاكراه, الا ان العالم المسيحي وعلى رأسه البابا (انوسانت الثالث) استقبلها بالاستخفاف, مطالبا فردريك الثاني بالقيام بحملة تنصير قسرية ضدهم, كما اتهم هذا البابا فردريك بالكفر والالحاد واتباع ديانة المسلمين. ومع ان الامبراطور فردريك الثاني كان ابرز وأقوى حاكم عرفته اوروبا في القرون الوسطى, وكان بطبعه علمانيا وعقلانيا, الا انه لم يرق للسلطات الكنيسية التي رأت فيه اخطر عدو سياسي, لان امبراطوريته كانت تحيط بالولايات البابوية, لذلك فقد تكررت ضده قرارات البابا بالحرمان, اي ابعاده عن جماعة المؤمنين وحرمانه من كافة مزايا الكنيسة وصلواتها العامة, علما ان فردريك اسدى خدمات لا يستهان بها, فقد انقص مما تبقى من سلطة للملمين والبيزنطيين في جنوب ايطاليا, كما قاد حملة صليبية ناجحة واصبح ملكا على بيت المقدس. عصر صعود المسلمين وفي زمن فردريك الثاني اصبحت مدينة لوشيرة مقرا لجيشه المحترف, وحافظ المسلمون على ديانتهم, وبدأوا بممارسة طقوسهم بحرية كبيرة, وقسمهم فردريك الى عدة فرق عسكرية منظمة, منهم الرماة, والحراس, وكتيبة الاختراق, واخرى لصنع السهام السامة التي استخدمها فردريك لاول مرة في دحر اعدائه. ويشير المستشرق ميخائيل عماري (1706 ـ 1889) في كتابه تاريخ المسلمين في صقلية, بان العرب في لوشيرة كانوا يمارسون طقوسهم بحرية, ولم يشعر احد منهم بالحرج من دينه فهم (يغتسلون ويقيمون الصلاة ولهم مساجدهم الكثيرة في المدينة, ويختنون اولادهم ويصومون شهر رمضان, ويطلقون الاسماء العربية على اولادهم). وقد تقوت عزيمتهم بعد ان صعد عدد منهم لاحتلال مراكز ادارية حساسة بالمدينة, وابرز هؤلاء (ريكاردو اللوشيري) الذي كان بالرغم من اسمه المسيحي لايزال مسلما, فقد تولى سنة 1272 منصب مسئول شرطة المدينة, وكان ريكاردو هذا صاحب حظوة عند فردريك الثاني, وكان لديه ولدين اسمهما (حجاج وعلي). ولاشك في ان التعليم الذي تلقاه فردريك في صباه في صقلية, جعله محبا للاستطلاع وجعله راغبا في الاستمتاع اكثر مما كان يسمعه من حوله من المسيحيين. وقد كان ملما بمصنفات ابن ميمون, كما تجمع المصادر بأنه كان قارئا ومحدثا جيدا باللغة العربية, كما ان سلطان مصر كان يختار عمدا علماء وشعراء من العرب ليكونوا سفراءه الى صاحب صقلية. وعرف عن فردريك بأنه كان يفضل مناقشة المسائل الدينية والفكرية مع الفلاسفة المسلمين واليهود, فكان يعتبرهم اهل دراية وعلم. نهضة معمارية وفي لوشيرة تم إرساء المؤسسات الاسلامية واقامة المزيج من الترتيبات التنظيمية, مثل وظائف القضاة ذات التنظيم المتفاوت, ومركز للعلماء, وللمؤسسات العلمية, والاوصياء على الاوقاف, واللجان والموظفين المتعلقين بالمساجد التي تعددت داخل المدينة. وقد بنى فردريك الثاني قلعته الشهيرة التي تطل على هضبة لوشيرة الشهيرة بكثافة غاباتها, واستخدم العديد من المعماريين العرب في تصميمها وبنائها, وكانت قلعة محصنة على النمط الشرقي, يتردد عليها بين الحين والاخر ليحيا بها حياة سلطان من سلاطين العرب. وهذه القلعة التي لاتزال آثارها موجودة الى يومنا هذا ترتكز على المثالية الكلاسيكية في الكمال الهندسي, الجمال والفخامة التي تميز الفن المعماري العربي ـ الفردريكي, فهي تمثل القوة ونفاذ العمق الثقافي لمن اراد بناءها. والوثائق المتوفرة في مكتبة الفاتيكان حول 33 قلعة التي بناها في مقاطعة بوليا, تخبرنا بن (فردريك الثاني امر ببنائها عام 1232م بناء فخم جدرانه من الحجارة الكلسية وابوابه مزخرفة ومرصعة بالمرجان, مزين بالرخام والفسيفساء, بناء مليئ بالألغاز والاسرار من المعاني الفلكية والاسرار الخفية). والقلعة هي عبارة عن مربع كبير تحيط به جدران عالية, وقد تهدم داخلها كله تقريبا, ولم يبق الا بعض الابراج التي كانت تستخدم للحراسة والمراقبة, وبعد ان اتسعت المدينة اصبحت هذه القلعة في وسط المدينة. ومع ان المباني العربية القديمة اختفت كليا تقريبا ولم تخلف وراءها الا آثارا قليلة متناثرة هنا وهناك, وكل ما نملكه عنها اخبار قليلة, ولكنها كافية لكي يكون هناك حد ادنى من التفكير في انها كانت كثيرة وعظيمة, وكتاب (حيا سان فيلايت) الذي ولد في صقلية عام 20 و10 والف ايام حكم المسلمين لجزيرة صقلية, وكذلك كتاب (المستوطنة الاسلامية في لوشيرة والقضاء عليها) للمؤرخ بيترو ابشيدي, يحملان اعجابا بعظمة وجمال الابنية التي كانت في المدينة العربية, كما ان المؤرخ (عماري) الذي انصف العرب وعطاءاتهم المتميزة, أشار الى ان الخرائب المتسعة والانقاض الكثيرة في مدن المسلمين وقصورهم التي بنوها بفن رائع يعكس حياة انيقة ومترفة, فقد دمرت نتيجة الحربو التي استمرت عدة سنوات حاول المسلمون ان يستردوا الجزيرة, فقد شنت حملة حاقدة وغبية ضد ابرر ما قدمه المعمار العربي في صقلية وجنوب ايطاليا حيث تواجد العرب). وتتميز المباني في لوشيرة بالارتفاع والصلابة وكثافة الجدران وباستخدام العقود احيانا كثيرة, ولكنها تميل دائما الى ان تكون عقودها مدببة وتشبه الى حد كبير جدا الطراز المعماري المستخدم في مبان القاهرة, وهو ما يعكس تفسيره بسهولة في ضوء العلاقات الودية التي كانت قائمة ولفترات طويلة بين مصر وعرب صقلية. المذبحة الكبرى وبفضل نشاطات العرب في الصناعات الفولاذية والنسيج ومهاراتهم الحرفية المتميزة وما توفر لهم من معرفة تقنية ومعلومات لتطوير وسائل الري التي كانت بحق مصدرا للرخاء ازدهرت مدينة لوشيرة ونعمت بالرخاء وكثرت بها الحمامات الاسلامية وازدهرت بها زراعة قصب السكر الذي كان يزرع على نطاق واسع في الحقول التي تسقى بماء الري, كما ازدهرت زراعة الحمضيات والحنطة والشعير والرز التي جلبها العرب معهم أثناء الفتح, حتى أصبحت هذه المدينة الصغيرة ذات الهوية العربية وسط بحر من المؤثرات والضغوط, كما أنها اصبحت ملجأ للمسلمين الفارين من العديد من المدن الجنوبية ومدن صقلية. قال الحميري عن مسلمي لوشيرة (انهم كانوا لفردريك جذرا وعدة لاعدائه, يجد نفعهم فنقلهم الى هذه المدينة تحوطا عليهم لحاجته اليهم, وتخوفا منهم, اذ كانوا اعدادا جمة فعمروها ومدنوها, وكانوا انجادا وطال مقامهم بها امصارا). الا ان هذه الاقامة انتهت بوفاة فردريك الثاني الذي مات مسموما في المدينة ودثر برداء مزدان بحروف عربية بالخط الكوفي مطرزة, ونقل جثمانه ليدفن في مدينة باليرمو عاصمة الجزيرة, وتولى من بعده شارل ملكا على صقلية بعد ان هزم (منفريد) الذي قتل بالقرب من مدينة (بينفينتو) سنة 1266م الا انه في أعقاب ثورة الصقليين الشهيرة على الفرنسيين سنة 1282 فقد شارل صقلية وجنوب ايطاليا نهائيا وخلفه على ملك جنوب ايطاليا دون صقلية ابنه المسمى شارل الثاني سنة 1285, وفي عهده تم تنصير مسلمي لوشيرة عنوة وبالعنف والقضاء التام على كل اثر لهم وذلك عام 1300م, حيث تم ذبح الالاف من الرجال والنساء والاطفال والشيوخ, وتم الاستيلاء على الاراضي الزراعية, ونهبت الممتلكات, وعاش المتنصرون محنة مروعة لا يعرف التاريخ محنة في فأضاعتها الا ما أصاب اخوانهم العرب في الاندلس. والزائر لمدينة لوشيرة اليوم اول ما يراه من الآثار العربية, البوابة الرئيسية للمدينة القديمة التي كان يحيطها السور الكبير والذي لم تبق من اثاره الا الواجهة الامامية, وهذه البوابة وابراجها لاتزال تحمل العديد من الزخارف البالغة الروعة, اما العقود الموصلة فقد صنعت من حجر (الكدان) الذي كان العرب يفضلونه في مادة البناء, وقد حافظت العديد من البيوت التي توجد وسط المركز التاريخي القديم داخل السور القديم للمدينة الحالية على طابعها المعماري القديم من حيث وجود الساحة الداخلية التي تحيط بها الممرات وحولها الاعمدة والعكوف والغرف, وفي داخل كل بيت توجد نافورة مياه صغيرة تصب عادة بحوض من الرخام, وهذه النافورة تنتصب عادة وسط ساحة البيت التي يطلق عليها أبناء المدينة حاليا (الباحة) وهذه البيوت تشبه الى حد كبير بيوت مدينة قرطبة والحمراء الاندلسية. ان التراث العربي في هذه المدينة يمكن ملاحظة وجوده بصور متعددة, وهو وجود متعدد الاوجه, في الاسماء الشخصية, وفي عادات الضيافة وتبادل التحيات, والحياة المنزلية, والحفاوة بالغريب, واقامة افراح الزواج, والمآتم, كما يلاحظ في الغناء والموسيقى الفلكلورية, وفي اللهجة العامية لاهل المدينة التي هي خليط بين العامية لاهل نابولي, والايطالية الفصحى والعربية. روما ـ موسى الخميسي