مرت قبل ايام قليلة الذكرى الخامسة عشرة على رحيل رائد ومؤسس المسرح العراقي وعميد الفنانين العراقيين حقي الشبلي, الفنان الذي عاش ومات برفقة المسرح بعد ان ترافقا طوال (72) عاما وفرق بينهما الرحيل تاركا خلفه سجلا حافلا بالعطاء وتراثا ثريا امتد في عمقه الى عشرينيات القرن الماضي. لذلك فان المسرحيين في العراق سواء في دائرة السينما والمسرح او المسرح المدرسي او معاهد الفنون المسرحية يحتفلون باقامة الندوات والعروض المسرحية استذكارا لفنان شيد بروحه وتصميمه هذا الهرم حيث يرجع اليه الفضل في اتساع التجربة المسرحية العراقية وانطلاقها خاصة انه اسس فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة فحياة الشاعر المعروف جميل صدقي الزهاوي في قصيدة رائعة بعنوان (الفنون وحقي) عام 1934 حيث يقول مطلعها: عظيم على حقي لنفسي المصول فليس كحقي في العراق ممثل ولد الفنان الراحل حقي رشيد الشبلي في اليوم الواحد والعشرين من شهر مارس عام 1913 في بغداد في محلة الحيدر خانة المعروفة بانتمائها الفكري والاجتماعي للتقاليد البغدادية الاصيلة حيث ادخل بعد ان اكمل السنة السادسة من عمره مدرسة الحيدرية الابتدائية للبنين خاصة انه قد ختم القرآن الكريم عند (الملا عيسى) في جامع حسين باشا, ولما عرف عنه حلاوة الصوت وحسن الاداء دعي لافتتاح حفل أقامه حزب الاستقلال بتلاوة ايات من القرآن الكريم وقراءة النشيد الوطني للعراق. وفي يوم السادس من سبتمبر عام 1926 صعد لاول مرة فوق خشبة المسرح ضمن مجموعة كومبارس اختارها الفنان العربي جورج ابيض للمشاركة في مسرحية (الملك اوديب) التي عرضتها فرقته على مسرح سينما الوطني عند زيارتها بغداد حيث يذكر بهذا الصدد.. ان اول دور اسند اليه في فرقة جورج ابيض هو شخصية (ابن اوديب) وقد نجح في تمثيله رغم صغر سنه حيث جاء في ختام العرض الفنان جورج ابيض قبله امام الجمهور اسمعه كلمات التشجيع. لقد كانت هذه التجربة التي عاش تفاصيلها الراحل الشبلي قد تركت في نفسه حب المسرح والاندفاع نحو تطوير قدراته والتفكير جديا باقامة فرقة مسرحية تكون النواة لتأسيس الظاهرة المسرحية في العراق فأقدم على اقناع عدد من اصدقائه لتشكيل الفرقة التمثيلية الوطنية بعد ان تقدموا بطلب اجازتها الى الجهات المختصة في بغداد وكان ذلك عام 1927 وهي سن مبكرة لفنان احب المسرح واعتبره صونا لمستقبله اشعاعا ثقافيا. وخلال السنوات الاولى لتأسيس الفرقة وفق الشبلي في تقديم عروض عديدة في بغداد والمدن الاخرى وكان فيها المخرج والممثل والمنتج والمنفذ وكان اول عرض مسرحي يحمل عنوان (جزاء الشهامة) وعرض في قاعة رويال سينما ببغداد واستمرت لمدة ستة ايام اكتشف الناس فيها اسم حقي الشبلي فنانا مسرحيا. ويذكر الشبلي عن هذه المرحلة.. كنا نؤجر قاعات دور السينما.. ثم بنينا مسارح خاصة, كنا نضحي رغم الخسارة حيث كان تأجير دور العروض حسب الفيلم فاذا كان قويا ندفع مئة وخمسين روبية ـ اما اذا كان الفيلم هابطا فيكون الايجار من 60 الى 65 روبية في الليلة الواحدة وكان الجمهور يشجعنا. اما بالنسبة للحرفيات فقد كنا هواة.. تعلمنا المكياج من معلم اسمه عبدالوهاب ثم جاء جورج ابيض فنقل الينا خبرته واهدانا كمية من المواد, كذلك الانارة فقد كانت بغداد مضاءة بالكهرباء اما في المدن فكانت الفوانيس هي مصادر الانارة التي نستعملها في الروايات التي نعرضها. اما المناظر فكان الرسام فائق حسن يعدها ثم جاء بعده حافظ الدوربي. وعن العناصر النسوية قال.. في البدء كان الرجال يمثلون ادوار النساء وبعد عامين من اجازة الفرقة جاءت مديحة سعيد وهي بحق اول امرأة تنتمي الينا واذكر ان الفرقة منحتهها راتبا شهريا تشجيعا لها. وخلال هذه السنوات برز اسم الفنان حقي الشبلي واصبح مدار اهتمام الصحافة والمسارح واصبح اسما بارزا في المحافل الاجتماعية وعند زيارة الفنانة فاطمة رشدي وزوجها عزيز عيد الى بغداد تعرف عليها الشبلي وتقرب اليها ولما تلمسته فيه من مواهب رعته وتوسطت لدى الملك فيصل الاول وحصلت منه الموافقة على ايفاده الى مصر للاطلاع على النشاط المسرحي فيها. وعند عودته الى بغداد عام 1930 الف فرقة تمثيلية جديدة باسم فرقة حقي الشبلي التمثيلية التي اصبحت من اشهر الفرق في الثلاثينيات في العراق وقد عمل في هذه الفرقة فنانون من الاقطار العربية بينهم الممثل الكوميدي بشارة واكيم وعبدالحميد البدوي, ونور الدين المصري. وخلال هذه الفترة كان الشبلي في دائرة الضوء فحصل عام 1935 على بعثة دراسية من قبل وزارة المعارف لدراسة المسرح في باريس لمدة اربع سنوات وحينما عاد عين مشرفا على النشاط المسرحي المدرسي وبعد اشهر طلب الانتقال الى معهد الفنون الجميلة ليؤسس فرع التمثيل عام 1940 وظل اسم الشبلي مقترنا بهذا الفرع حتى الخمسينيات.. مدرسا ورئيسا للفرع وعميدا للمعهد فيما بعد واذا كان حقي الشبلي الاب الروحي للمسرح العراقي باعتباره واضع اللبنات الاولى في هذا الصرح الكبير فانه اخرج العديد من المسرحيات وهي: دموع بائسة 1929, المجنون 1931, الذبائح 1931, هارون الرشيد 1931, مصرع قيصر 1931, اميرة الاندلس 1932, الهاوية 1933, وحيدة 1933, في سبيل التاج 1934, ليالي الهند 1934, الملك شارلمان 1934, هاملت 1935, الحاكم بامر الله 1935, عبدالستار افندي 1939, الوطن 1950, الملك اوديب 1951 واخيرا مسرحية يوليوس قيصر 1953 وقدمت في معهد الفنون الجميلة ومثل فيها محمد القيس, طه سالم, وجيه عبدالغني, خليل شوقي, سامي عبدالحميد, بدري حسون فريد. وكرم الفنان الرائد حقي الشبلي مرات عديدة بصفته مؤسسا لحركة مسرحية جادة واصيلة سواء في العراق او الوطن العربي فقد كرمته المؤسسات والمعاهد المسرحية العراقية اكثر من مرة في حين اختاره الفنانون العراقيون نقيبا لهم لسنوات طويلة امتدت الى عشرين عاما. كما جرى تكريمه في مهرجان قرطاج المسرحي عام 1983 في تونس وذلك لمكانته كرائد مؤثر في الحياة المسرحية العربية وبادرت فرقة المسرح العربي الكويتي بتكريمه في احتفال كبير اقيم في معهد الفنون الجميلة ببغداد وتم ترشيحه نقيبا لفناني الخليج العربي. بقلم: ظافر جلود