للرقص لغته الحركية, والادائية... تتوه هذه اللغة في متاهات الجسد, وتنغرس في فضاءات الاحاسيس, ومكنونات النفس, وتتفجر حركة وتعبيرا حيا على فضاءات الخشبة, وأبعاد المنصة... يصوغ الرقص مشهديته من موضوعات, وغايات متنوعة: وترقى بهذه الموضوعات, وتسمو بالافكار, وتمتزج بحالات الطقوسية, او تسقط الى الابتذال الحركي فتحول الجسد الى اداة غواية وإغراء. ولكن المخرج / الباحث المصري انتصار عبدالفتاح جاء في الضفة الاخرى للمسرح. جاء من المسرح الراقص الطقوسي, حيث للنص متعته وعمقه الانساني المتوغل غوصا في سمو الجسد وارتقائه. انجلى ذلك في عدة عروض استلهم نصوصها من الطقوسية الموازية للاداء الحديث لبناء تجربة تنطلق من ثلاثة عناصر, النص, البوليفونية, الكوريغرافيا. اعتمد عبدالفتاح على النص الطقوسي كسيرورة وبنية ينأى من خلالها عن الحياة اليومية, وعن تفاصيلها, يخترق مواصفات الطقس (الاسترجاع, والمواضعات). ويخوض تجربة التعبير عن كينونة الانسان بمختلف مظاهرها وحالاتها. كما ينطلق نصه من المحلي (خصوصية طقوسية الحزن, والفرح, الحياة, الموت...) وينتقل من التراث الشرقي ثم يدخل الكونية / الانسانية, الحالات التي يعيشها الانسان في كل زمان ومكان, فتتوحد حركته ويصدر صوتا واحدا زفره الانسان قبل نشوء الحضارات, من هنا اختار عبدالفتاح الافكار الذهنية التجريدية التي تحتمل البحث والتجربة. انها نصوص مفتوحة, تخلو من الحوار المنطوق, سوى ما استخدم في عرض (طبول فاوست) الذي لم يخل من بعض الحوارات, مع العلم انه انطلق فيه الى حدود البعد الفلسفي التجريدي حيث سعى الى تجسيد صراعات الانسان الداخلية بين عقله وشهوته وانشداده نحو الجمال, وأكثر ما تجسد في نص (فاوست) لجوته هو التقلبات التي عاشها هذا الفاوست في معايشته التجربة, ثم انتقاله من تجربة الى اخرى: في الانتقال من رحلة البحث عن الحقيقة لان العقل لا يدرك الحقيقة, فبحث عن الحقيقة بين الحلم والواقع, في خطوة واحدة... تحتمل التأويل في حقول الدلالات المتنوعة. وانعكس ذلك في نص (ترنيمة) وفي عدة لوحات منه حيث طقوسية الموت والحياة, وهمهمات الحزن ووشوشات الفرح, وارتعاشة جسد الزار, ومن اناة الوجع التي تجاور شفاه الفرح... حفر عبدالفتاح نصه على إيقاعات الحركة المجدولة مع ترانيم صوت الارض / ما قبل الانساني, ولكن ضمن التوقيع التراثي... ويتابع عبدالفتاح في عرض (مخدة الكحل) , الحفر في التراث, ليخترق عالم المرأة الداخلي. يصوغ منه نصه برصد مراحل حياتها منذ الطفولة حتى النضج والكبر, وبالتركيز على واقع المرأة الشرقية والصراعات التي تعيشها بين رغباتها وبين التقاليد القامعة لها ولحركتها. يترجم عبدالفتاح هذه (التيمة) من خلال مشهد بصري يعتمد على تعبيرات الجسد وحركته الحوارية, يكشف كل حوار عن حالة ما: البنت تتدور وتتدور مثل الشمس, وتبلغ وتطرز ثوبها وهي تشتعل رغبة... فتتزين وتشرع بالتعبير عن الرغبة التي تفوح منها رائحة الجسد, ولكنها ما تلبث ان تصطدم بتابوهات يحرسها الاب والاخ وغالبا الام. تعدد الأصوات وابتداء من عرض (الدبكة) و(ترنيمة 1) و(ترنيمة 2) و(سفر المطرودين) و(مخدة الكحل) وانتصار عبدالفتاح يجتهد في البحث لايجاد لغة فنية تعبر عن مسرح تحتل فيه البوليفونية الحيز الكبير, وتشكل الهدف الاساسي في مسرح عبدالفتاح. انه مسرح متعدد الاصوات, تمتزج فيه المؤثرات الصوتية الايقاعية التي تتفاعل مع اصوات التشكيلة البشرية من مؤدين ومؤديات, اي مجموعة المسرح الصوتي كما سماها دليل مسرح عبدالفتاح, وتختلط بالزغاريد المختلطة بالولولة المتجسدة في حكايات الجدة (في مسرحية ترنيمة 2). استعار عبدالفتاح هذه الحكايات من طقوسية الاشكال المسرحية القديمة, ومن الحركة الطقسية الممتدة الى الجذور الدينية الملتصقة بالصوت البكر الطالع من الهمس, ثم حركة التنفس الاولى وانبعاث الصوت الداخلي من اعماق الانسان. في هذا الاطار اقام انتصار عبدالفتاح تجربة عرض (ترنيمة 2) , وأفاد من طقوسية واحتفالية ترقى الى حضارات متنوعة: من الفرعونية وجسدته الممثلة سميرة عبدالعزيز بصوت ينبعث من التاريخ, من وشوشة الطبيعة الممزوجة بتهدج الترانيم, ترافقها الهمهمات الصاعدة من الداخل, وتزيد من حدة وتيرتها النغمات التي ترسلها الالات الموسيقية الايقاعية والنقرية والمصحوبة بالغناء التراثي المتوغل في فجوات الموت, وقد وظف في سياق يتلاءم مع الرؤية الفنية العامة للعرض. وقد ادت الزغاريد المختلطة بالولولة الى تجسيد صورة الموت. في عرض (مخدة الكحل) لم يخل هذا العرض القائم على منهج المسرح الصوتي البوليفوني polyphonique اي المسرح المتعدد الصور والمستويات من الموسيقى, من الالات الموسيقية الايقاعية والمتنوعة بين النوبية وموسيقى الزار, والموشحات الاندلسية, والموسيقى الخليجية (التي ترجمتها جنى الحسن كوريغرافيا بخطوة الجمل) وترافقت ايضا مع ايقاعات التصفيق واللطم والجلد, وصوت ماكينة الخياطة للدلالة على الموروث المكرر والرتيب.. اجتمعت هذه الايقاعات لتخلق مناخا متوترا, ويبلغ اقصى حالاته عندما تقفل الدائرة, دائرة حركة الفتاة وحريتها. وفي عرض (طبول فاوست) جسد عبدالفتاح الحالات الثلاث, اي الرحلات الثلاث / الافكار المجردة في صياغات بصرية ومشهدية, اداتها السمعية هي الايقاع في مجموعة البوليفوني من الحان الناي والقانون والمزمار والعود والطبلة والابتهالات الدينية ذات الدلالات الاسلامية, وكملت هذه الايقاعات, الحان الانشاد والغناء. كما واكبت الايقاعات / الحالات وحركة المؤدين, ايقاعات التصفيق واللطم. برز ذلك في مشهد الشهوة, مشهد الصراع بين الرجل والمرأة, بحيث يعبر عنه بايقاعات سريعة وبطيئة... وفي لحظات الرعب التي ترجمت رفض الاقتراحات التي يقدمها الشيطان لفاوست, يبدأ اللطم الخفيف المترافق مع الموسيقى والرقص. وفي تلاوة المشاهد عبر الحوار, يبدو انتصار عبدالفتاح ماهرا في توظيف الموسيقى, الامر الذي يشي بتوصله الى خلق حالات تعبيرية صادقة من ايقاعات متناغمة, ومنسجمة, فالناي يحاور القانون والمزمار, وكذلك تعابير الجسد. تصميم الحركات الكوريغرافيا تطلق هذه التسمية على فن تصميم الحركات التي ترقى الى الطقوس, ونراها لدى الفراعنة الذين تركوا رسوما توضح مختلف الوضعيات الراقصة على جدران المعابد, وفي الحضارات الشرقية دونت حركات الرقص المرمزة وتثبت في نصوص الكاتاكالي. ولعبت الكوريغرافيا دورا مهما في مسرح عبدالفتاح الصوتي, وشكلت بعدا مسرحيا عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الاداء, وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي, وارتبطت دائما بإيقاع العرض. يتابع عبدالفتاح مسيرته البحثية عن شكل ولغة فنية خاصة تنبع من الاصوات والايقاعات والجسد, من خلال مشهد بصري يعتمد على تعبيرات الجسد وحركته في كل عروضه: في (ترنيمة 2) صاغ عبدالفتاح مشهديته البصرية من حركات مؤدين يرتدون زيا مشتركا, وتدل هذه الحركات على قدسية طقوسية, ترافقها همهمات صاعدة من الداخل للتعبير عن تاريخ العلاقات البشرية, وبعد ربطها بجذورها الدينية يبلغ المؤدون الطقسيون حالة الاستغراق التي تصل الى حد النشوة او الوجد / الحد الوسيط بين عالم ملموس مادي وعالم غيبي, اي حد حالة تفريغ نفسي وجسدي, ويقتضي ذلك اداء يستطيع ان يحقق التفاعل الكامل مع سيرورة الاحتفال. واللافت ان عبدالفتاح سعى على مدى العرض الى توظيف الحركة في سياق ينسجم مع طبيعة العرض الصوتي / الحركي الذي يقوم على الحركة الدائرية الملتصقة بتجربة الهمس وحركة التنفس الاولى... وصاغ مشهدية عرضه بتشكيلة الاجساد التي تقلصت فيها ملامح الذكر والانثى, فذابت في انسانيتها واعتقت من اسر المحدودية عبر تفكيك حركة الاجساد من الانطواء الى الانبساط, وانعتقت من فراغات الفضاء المسرحي, من حيز اللعب لتشكل حيز فرجتها السمعية / البصرية المبني على فكرة الكينونة, والتي تجسدت حركتها في مستويين من الخشبة: المستوى الاول فتح على الحركة الحديثة المتطورة من الرقص الحديث (الباليه). وفي المستوى الثاني من الخشبة, تشكلت بؤرة الحركة التراثية. وهنا يطرح سؤال عن مدى انسجام هذين الاتجاهين الحداثي والتراثي في الاداء الحركي اللذين يتمان في اللحظة ذاتها؟ بتوظيف الايقاع الصوتي الموسيقي الذي ترافق مع كل حركة كوريغرافية, في سياق اعتبرت الموسيقى احد العناصر الناظمة للعرض والمعبر عن روحيته. والموسيقى في عرض (ترنيمة) شكلت ما يسمى بالديكور السمعي le decor sonore الى ما يعطي ايقاع الحدث theatre vocale. لغة فنية خاصة في (مخدة الكحل) يتابع عبدالفتاح مسيرته البحثية عن شكل ولغة فنية خاصة تنبع من الاصوات والايقاعات والحركة الراقصة التي فجرت سكونيتها استاذة مادة الرقص في الجامعة اللبنانية الكوريغراف (مصممة الحركة الراقصة) جنى الحسن, فوضعت المقامات الحركية لها, محاولة بدورها البحث عن لغة جسدية خاصة بعالم المرأة الشرقية. عملت الحسن على الرقص في المسرح ووضعتها في فضاء مسرحي بشكل يقارب الحركة في الحياة, وفي مختلف المجتمعات. وانسجاما مع واقع المرأة أعدت الحسن الحركة والكوريغرافيا اي فن الرقصات المرتبطة بالطقوسية الشرقية المتنوعة بين رقص الزار (وترجمت بحركة الرأس) والحركة النوبية (التصفيق الجماعي) والحركات الصوفية (حركة الجسد المتلوية ـ المتقاطعة مع إيقاع موشح (يا غصن نقا...) ) ومع اللطم والجلد حيث يسمع صوت السوط. ووزعت الحسن الادوار الحركية من خلال المقامات التي تقوم على حركات متسلسلة في دورانها الحلزوني (الصوفية), ثم مزجت بين الجاز والباليه وبين الرقص الحديث, فقامت الحسن بتفكيكها ثم تركيبها مع حركات الجسد الطقوسية الشرقية التي تعبر عن واقع المرأة الشرقية. وصاغ عبدالفتاح والحسن هذه المشهدية في سياق تشي من خلاله الحركة الراقصة بالرغبة والشهوة المتأججتين داخل الجسد, وعندما يحاول هذا الجسد الانفلات من القيود يقمع ويجلد بالسوط, فنسمع صوت الجلد. لم ينزح هذا العرض القائم على منهج المسرح الصوتي (البوليفوني) أي المتعدد الصور والمستويات الموسيقية عن الرؤية الاساسية التي تود التعبير عن الواقع القمعي للمرأة. وبدا ذلك جليا من خلال لغة حركية نطق بها الجسد, وحركة اليد والرجل ونظرة العين... وفي عرض (طبول فاوست) , أقام عبدالفتاح معادلة صعبة لتجسيد هذه الرحلات الثلاث/الافكار المجردة, في صياغة تخضع لكوريغرافيا برسم حركة الجسد في النطاق الحركي المعبر عن الشهوة والجمال والبحث عن المعرفة. وبين الاداء الداخلي المعبر عن دواخل النفس, وبين الاداء الخارجي فيتم الانتقال من عالم المتعة والشهوة, وهذا مشهد يفترض اداء داخليا يشي باختراق الحواجز وكسر التابوه من اجل التعبير عن الدخول في هذا العالم, تجسد ذلك من خلال حركة اليدين والخطى السريعة والبطيئة الايقاع, مترافقة مع تعابير الوجه ونظرة العينين... وفي الختام يمكن القول ان انتصار عبدالفتاح يخوض تجربة مسرحية راقصة جديدة سمتها بحثية وميزتها ابداعية. حفر على ايقاعات الحركة المجدولة مع ترانيم الصوت ما قبل الانساني في تجربة المسرح الصوتي / الحركي من خلال حركة جسدية تتفجر من الداخل, هي حركة الصمت الذي يبوح... واعتمد من اجل ذلك البوليفونية والكوريغرافيا التي ساهمت في تشكيلها في عرض (مخدة الكحل) جنى الحسن وهي ايضا جسدت كوريغرافيا مميزة في عرضها المسرحي الراقص (برمة الحوض) . تجربة مميز تجربة المسرح البوليفوني, ويقتضي متابعة وبحثا عميقين كما يقوم انتصار عبدالفتاح عندما يحفر في التراث ليستلهم منه تيمته, والصوت والحركة ويجسدهما في مسرح حركي/صوتي/راقص.... بقلم ـ د. وطفاء حمادي