منذ وقت طويل والحديث يدور في فلك الوافد الجديد, عشرات من الاسئلة كان علينا مواجهتها اذ فرضتها حالة الارتباك التي وصلت حد الذعر أحيانا, فكان لابد لنا من الالتفات الى أنفسنا لنسأل: ماذا أنجزنا في فترة عمرنا المنصرمة؟ وماذا اعددنا ونحن نذهب للالفية الثالثة؟ ام ان ما يثار حولنا من زوبعة ليس اكثر من مسائل حسابية تفرضها حاجة السوق والمتاجرة, لتضعنا ضمن دائرة وهم كبير بأننا مقبلون على مواجهة قد تكون ماحقة ان لم نكن على مستوى الصراع وعلى كافة المستويات المادية منها والروحية, واعتقد انه من حقنا ان نسأل: لماذا كل هذا الصخب؟ النقلات النوعية, والتحولات الصغيرة والكبيرة لم تتوقف يوما, والصراعات كانت ومازالت مستمرة منذ بداية الوجود الانساني على هذه الارض, بدءا من الحالة الاولى وصولا الى ما نشهده اليوم من تطور مذهل, وقد يكون السؤال الاكثر الحاحا هو الى أين سنصل بعد هذا؟ وان كانت الاجابة عن هذا التساؤل غير مطلوبة الآن فاننا بأمس الحاجة لاستيعاب قيم ومفاهيم وأدوات وعلاقات ما هو قائم وسائد الآن, وذلك بهدف خلق حالة من التلاؤم والتوازن ومن ثم المقدرة على الاستمرار بايجابية وفاعلية مؤثرة, وبالتالي تحقيق وجودنا الفاعل المحتفظ بأبعاده الذاتية, وهويته الخاصة والتي تستطيع ان تحتفظ بعناصرها المميزة ضمن اطار الصراع والتفاعل والتواشج في عالم منفتح تفرضه قوانين ونظم العولمة التي لابد انها مقبلة, بل اخذت في هدم الحواجز كأنها الطوفان, بل هي الطوفان الذي لابد من ان يدهمنا, ومما لا شك فيه ان بعض الجوانب في حياتنا, وبتلقائية دخلت معطف العولمة منذ زمن, وادل على ذلك باشكالنا, وملامحنا, وازيائنا, وانماط معيشتنا وعلاقاتنا, وباستخدامنا لما قدمته لنا من التقنيات الجديدة, فغيبت خلفها الكثير الكثير من خصوصياتنا, بل قذفت بها الى المتاحف, او الى زوايا قصية من الذاكرة, نستثيرها في المناسبات او عندما يشدنا الحنين اليها. خصائص باقية وبالطبع مازالت بعض الخصائص باقية في دائرة الصراع, وأجزم بأنها الاهم والاقدر على اثبات خصوصيتنا, لانها مرتبطة بالمشاعر والوجدان وعمق الانتماء, وبالتالي بالآفاق المعرفية الثقافية المنبثقة من هذا الانتماء, وهي التي تعبر عن وجودنا الحقيقي ممثلة بذلك هويتنا التي نحاول التمسك بها, ومن اهم هذه الآفاق, يبرز وجه الفنون عامة والموسيقى خاصة لاعتبارات عديدة, اهمها ارتباط هذا الجانب بالوجدان وبما يمثله من انعكاس للواقع. وتعبيرا عنه ولما يحمله من قيم جمالية تملك القدرة على الفعل, وهذا ما يضعها دائما في دائرة الاتهام, لقدرتها على التأثير وكذلك قابليتها للتأثر, كما انها تملك اعظم قدرة على الانتشار والوصول من خلال وسائل الاعلام المرئية والمسموعة او من خلال التواصل المباشر في اطار المباهجة والمناسبات الاحتفالية التي لابد من ان تكون الموسيقى والغناء سيدتا الموقف فيها. وبالطبع فان من يتعاطون في هذه المسألة ويضعون الموسيقى في دائرة الاتهام, يدفعهم الى ذلك حرصهم الشديد وخوفهم من فقدان الهوية وسط هذا الزحام, ولكن تبقى المشكلة قائمة في كيفية معالجة هذه المسألة وبالتالي تحديد من سيقوم بهذه المهمة, وماهي الاطر التي يتم بحث هذه القضية من خلالها. منذ فترة من هذا العام عقد في العاصمة السورية (دمشق) المؤتمر السادس للموسيقى العربية, واستمرت فعالياته على مدى اربعة ايام, وقبل الدخول الى ما حملته وسائل الاعلام من اخبار مقتضبة عنه, او ما رشح الينا عما دار في المؤتمر من خلال بعض اللقاءات الصحفية مع عدد من المشاركين, احب ان اشير الى ان مهمة اية لقاءات او مؤتمرات, يجب ان تكون استعراض واقع ما, وتناوله بالدراسة والتحليل, والوقوف مع ما انجز وتقييمه, ومالم ينجز لمعرفة الاسباب والعوامل التي ساهمت في النجاح او الفشل ودراستها, ومن ثم وضع رؤية وخطط مستقبلية يتم من خلالها تجاوز الواقع الى افاق جديدة ارحب وفق منهجية ما يراها ويقرها المؤتمر, وبالتالي فان انجازات اي مؤتمر تصبح حقا مشروعا لان تكون في متناول المهتمين والعاملين في المجال الموسيقي او على الاقل بين ايدي الدارسين كوثائق بحثية. وهذا ما لم نلحظه في المؤتمرات السابقة, والتي بدأت انعقادها منذ المؤتمر الاول عام 1932 في القاهرة. وهذا ما يدفعنا الى دائرة الشك في جدوى هذه المؤتمرات, والتي لا نرى انها تتعدى كونها لقاءات تجاوزت دائرة التعارف حيث ان معظم المشاركين تكررت اسماؤهم وعلى مدى مؤتمرات عدة, فتصبح هذه اللقاءات عادية جدا لا تتجاوز أبعادها البروتوكولية والضيافة والاستجمام. فما معنى ان يستضيف مؤتمر موسيقي على هذا المستوى مطربة ما لتغني اغنيات لأم كلثوم, او مطرب اخر ليؤدي بعض الموشحات والتي تنتهي بالتصفيق اقول هذا ليس انتقاصا من قيمة من أدى او من قيمة الاعمال التي قدمت بل لأطرح تساؤلا, ماذا يمكن ان تقدم هذه الاعمال لمؤتمر يفترض ان يغلب عليه جانب التحليل العلمي والدراسة والبحث بغية الوصول الى صيغ جديدة تساهم في تطوير الواقع؟ ومن هنا أرى ان الاجدى لنا دعوة اصحاب التجارب الجديدة ودراستها واقرارها ان كانت قابلة للتعميم من خلال وضع اطار نظري لها يكرسها كمنهج (وهنا يسجل بالايجاب دعوة نصير شما كعازف عود له تجربة جريئة ومتميزة ومبتكرة لتقديم بعض من اعماله امام المؤتمر الاخير على ان تتكلل هذه التجربة بالدراسة والتحليل, وبالطبع فان هذه المهمة يجب ان تكون على عاتق المؤتمر ذاته في تبني هذه التجربة الفردية وارساء ابعادها النظرية من خلال الباحثين المشاركين وبالتالي تعميمها ان كانت جديرة بأن تكون مشروعا) . الهوية الموسيقية وبالعودة الى المؤتمر السادس (الاخير) والذي تمحورت أعماله ومناقشاته حول واقع الموسيقى العربية الراهن وحصانتها في عصر العولمة, وتم التركيز على مسألة التوثيق للتراث الغنائي الموسيقي العربي وبالتالي عرضه على العالم في مواجهة نهدف من خلالها اثبات هويتنا الموسيقية. وان كانت هذه المسائل ذات أهمية بالغة, ولكن اين نحن من خلق الحصانة لموسيقانا في ذلك؟ انني ارى ان التعامل مع الامر يتم بشكل معكوس فمتى كانت حماية تراثنا وهويتنا واجيالنا تجاه الوافد الينا من الاخر تتم من خلال توجهنا لهذا الاخر لاقناعه او لفرض قناعتنا بأننا نملك هوية وتراثا. اعتقد ان المهمة الاساسية, والعامل الاساسي في حماية اجيالنا وهويتنا الموسيقية من الضياع تتم من خلال التفاعل بين هذه الاجيال وبين موسيقانا, والتعايش معها بمنطقية عصرية وبالتالي تقديم المنتوج الموسيقي الذي يفترض به ان يرقى لمستوى الذوق العام الذي فرضته اجواء العولمة وبالتقنية المتطورة اذ ليس من المعقول ان ادخل الصراع (بالتخت الشرقي) فنحن وان كنا بحاجة لان نثبت انفسنا امام الاخر, فالمسألة الاهم هي ان نثبت انفسنا امام ذواتنا, وهذا لا يتم الا من خلال تكريس منهج نظري متطور, ينطلق من استلهام قيم التراث التي تحمل خصوصيتنا وهويتنا وتقديمه في اطار فهم شمولي لطبيعة العصر الحديث, والتي تتواءم ومتطلبات اجيالنا الوجدانية والروحية المنفتحة, والتي لن نستطيع ان نعزلها عن المحيط وقدرته على التأثير فيها. وتبقى مسألة التوثيق مهمة جدا في الحفاظ على موروثنا الموسيقي وصونه من الضياع والتشويه وأرى ان ذلك يدخل ضمن اطار عمل مؤسساتي كبير يكفل أمانة التأريخ ودقة التثبيت, ومن خلال الاعتماد على المختصين والعارفين في هذه المسألة, وبحيث تشكل ضمانا لبقاء المنتوج الموسيقي والغنائي محفوظا بأمانة, وشاهدا على عصر ودليلا حضاريا ومرجعا واساسا لاعداد دراسات مستقبلية من الممكن ان تخلق مساحات جديدة للابداع لم نتوصل الى اقتحامها بعد وقد تضيف ملمحا جديدا الى هويتنا. كتب بسام أحمد حمودة