لقد قررت عائلة كلود مونيه أن ترسله الى الفنان ايوجين بودين وهو في سن الخامسة عشرة, ولم تكن تلك سوى إطلالة أولى على العالم الخارجي, ومنذ اللحظة الأولى التي ركز فيها الفنان الشهير وعلى مدى 60 عاما على الأشياء والظواهر المحيطة به استطاع أن يترجم انطباعاته إلى ألوان. أما يانج سان لانج وهو أحد مريديه الشرقيين فقد قرر وهو في سن السادسة عشرة مغادرة تايوان والهرب الى اليابان من أجل تكريس حياته للفن, وتقول هيسو يوين ان تجربة زوجها ورحلاته الكثيرة الى أجزاء مختلفة من وطنه ومن العالم لاكتشاف الاسلوب الأمثل لتصوير الطبيعة أوصلته الى جملة من الاعمال الفنية التي تتوهج بالرقة وحدة الذهن والحساسية التي تميز بها اتباع المدرسة الانطباعية وعلى رأسهم الفرنسي كلود مونيه مؤسس هذه الحركة الفنية الثورية التي ترى أن مهمة الفنان الحقيقية هي نقل انطباعات بصره وعقله إلى الجمهور وليس تصوير الواقع الموضوعي. وبالتالي فإن المقارنة بين كلود مونيه وبين يانج سان لانج رغم كل شيء تجوز احيانا, فهي وعلى الرغم مما نعرفه عن مونيه من تمرد لم يسبقه فيه آخرون خاصة ما أوجدته ثورته الفنية الجديدة من قيم أودت حقيقة بكل ما كانت تمتلكه في الأساس التوجهات الفنية الكلاسيكية القديمة, وأخرجتها من عزلتها إلى إعمال الفكر في الطبيعة والضوء بدلاً من احتكارها داخل الاستوديوهات العادية, بالرغم من ذلك تصبح هذه المقارنة عادية أثناء الحديث عما يمكن أن نطلق عليه الفاظا مثل الاختلاف والتطابق في الفن, وهي أشياء تجعل الفكرة أكثر انسانية وعالمية وأكثر محلية وخصوصية في آن واحد, كما ان تجربة الفنان التايواني يانج لاتبدو بعيدة رغم بعد المسافة واختلاف الثقافة, بل ان يانج قد عمق نظريته الانطباعية الى أبعد ما يمكن أن يتصوره أي انسان, وهي المسألة المهمة التي منحت تجربته القوة والاستمرار الذي كان ينشده أثناء تقليده كلود مونيه. ويانج سان لانج هو واحد من سبعة فنانين من تايوان كانوا قد أسسوا سنة ,1934 رابطة تايانج للفنون اكبر جماعة فنية عرفتها الأوساط الثقافية أثناء الاحتلال الياباني لبلادهم (1895 ـ 1945) وهي الحركة الفنية الاكثر تأثيرا التي وضعت حدا للاشكال الفنية المدرسية القديمة التي استمرت حتى عام ,1927 وبالمقارنة مع الكثيرين فإن يانج هو الأفضل بل انه واحد من أكثر الفنانين الشرقيين أثراً واذا وضعت في الاعتبار احداث مثل مرحلة الاحتلال والدور الذي لعبه المثقفون خلال تلك الفترة فإن ظاهرة يانج كما يقول الناقد والرسام (لن هسنج يوي) هي ظاهرة رحب بها الوطنيون بل انهم فعلوا ذلك بحرارة, وهو ما يفسره بعض أعضاء الحركة بالقول بأن هدف الرابطة لم يكن المنافسة من أجل المنافسة أو إسقاط التوجهات الفنية الأخرى لقد كان الهدف أكثر بساطة وهو إضاءة الساحة الفنية المحلية. ثورة على الكلاسيكية لقد رسم يانج (اسكتشات) لما كان يحتفي به في الأصل وهو الطبيعة, وخلال عمله عليها كان يذهب بالفعل الى الأماكن التي تمثلها بشكل أكثر عراء كما كان يؤكد على ذلك بقوله اذهبوا الى الجبال وانظروا جيداً إلى الجداول ليتسنى لكم الاستماع إلى صوت البحر, ونبض الطبيعة الحي, ليجري في عروقكم كل ذلك. وكان يانج يعود الى زيارة منظر طبيعي ياباني مرات عدة وفي الموسم ذاته قبل الاقتناع بوجود شكل من أشكال الحياة التي يمكنه أن يرصدها بريشته, وإضافة الى ذلك فقد كان يعاود اتمام لوحته في وقت معين لاصطياد لحظة الضوء والألوان الحقيقية ذاتها التي تنسجم مع ما يريد أن ينقله من انطباع بصري وحسي. كما كان يانج وفيا لهذه المبادئ الفنية, ولم يكن الفن ليعني لديه سؤالاً يمكن الاجابة عليه بكلمتي نعم أو لا, أو من خلال القفز الى مبادئ أخرى في أي لحظة, وقد منحته سنوات عمله الطويلة التي أمضاها في اليابان وأوروبا تجربة غنية مر من خلالها بتوجهات وأفكار متعددة بما في ذلك التجريدية التي لم يستسغ طعمها, في الوقت الذي كان يسعى فيه إلى اكتشاف المزيد من أسرار (كنزه الثمين) بعيداً عن كل ما يمكن أن يعيق تطور تجربته ويحد من احتفاليته باللون والضوء العنصرين الأساسيين والضروريين, وهو ما سبقه مونيه الى اكتشافه فيما يمكن اعتباره ثورة علمية حقيقية أدت إلى وضع اللبنة الأساسية لنظرية تحليل الضوء التي يعود الفضل فيها الى الفنان الفرنسي الانطباعي الذي أطاح بالتقاليد الفنية الأوروبية المتوارثة منذ القرن السادس عشر على إثر سفره الطويل ورحلاته المتعددة التي شملت بلادا كثيرة, ومنها افريقيا (الجزائر) الطبيعة التي أدهشته فيها فكرة الضوء وتعدد الألوان, وكان ذلك قد حدث حتى قبل لقائه (برينوار) وإقباله على التجربة الفنية اليابانية ذات التأثير الكبير على نظيرتها الفرنسية الحديثة. بدأ يانج حياته الفنية بالدراسة في مدرسة (كانساي للفنون الجميلة) في كيوتو, كما حصل على دعم ومساندة أسرته وزوجته فيما بعد, وفي عام 1927 بيعت لوحته المتميزة أيام عيد الفصح. التي أرادت السلطات المحلية الاحتفاظ بها في معرض تايوان في ذلك الوقت, وفي عام 1929 فاز بالجائزة الأولى التي يمنحها المعرض لأفضل الأعمال الفنية, أما نقطة التحول الثانية في حياته فقد كانت خلال السنوات التي أصيب فيها بالاحباط بعد تراجع السلطات عن تقديم أي عون معنوي له, وهي السنوات التي قرر يانج على إثرها المغادرة إلى أوروبا لا من أجل الاستمرار فقط, بل للتطوير الذي يمكن إضافته لتجربته الفنية القصيرة أو ما كان يسميه تحديدا السيطرة على رؤيته الفنية, وفي أثناء وجوده في باريس كان يونج قد قسم وقته بين زيارة المتاحف ورسم اللوحات (الاسكتشات) التي تصور مختلف مظاهر الحياة في العاصمة الفرنسية باريس. دهشة وحب الحياة في العاصمة الفرنسية باريس ولم يكن هذا الشاب الصغير قادراً على مغالبة الدهشة أمام أعمال كبار الرسامين من أمثال (كلود مونيه) و(فان جوخ) لقد عبر عن ذلك بقوله كان لقائي بأعمال هؤلاء يشبه لقاء فتاة كنت أحبها سرا ولمدة طويلة من الوقت, وقد تأكدت عندها أن أمامي وقتاً طويلاً للعمل, وكان قد وقع أثناء هذه الفترة في حب الفنانة الفرنسية الشهيرة (جين) بابتست كاميل كورو وهي واحدة من فناني القرن التاسع عشر الذين كانوا قد هاموا في حب الطبيعة وعبروا عن ذلك بشاعرية فائقة وبقوة, كما زار عددا من الدول الاوروبية مثل النمسا وبريطانيا والمانيا وايطاليا واسبانيا وسويسرا, أما أكثر أعماله تميزاً فقد استأثرت عليها نزعته الواضحة الى التعبير بالألوان المشرقة الساطعة واللمسات الفنية القوية الجذابة, كان ذلك تعبيرا عن الرقة وحدة الذهن والحساسية البالغة التي تميزت بها التوجهات الفنية الاوروبية المعاصرة, ولا يمكن لأحد أن ينكر عليه هذا التوجه أثناء التحديق في أي واحدة من اسكتشاته التي تصور حتى الريف التايواني. وعن هذا يقول أحد معجبيه الذين اشتروا بعض لوحاته التي بيعت سنة ,1980 يانج هو البساطة والصدق, انه مونيه الشرق, ففي أعماله تتجلى فخامة وعبقرية اللون والضوء وروعة الرؤية الفنية. لقد كان هذا الفنان الرومانسي الواقعي مصرا على اقتفاء أثر الطبيعة, وجوهرها الحقيقي الذي يلزم توصيله إلى المتلقى بشكل دقيق جداً. وبين عامي 1946 وهي السنة الثانية لعودة تايوان الى الوطنيين و1950 كان يانج قد احتل مركز الصدارة كما ساعده ذلك على تشكيل نظرة فنية أكثر صرامة اعتمد عليها في تأسيس قاعدة فنية صلبة راسخة في نفوس أبناء الشعب التايواني, كان يخرج الى الناس في أماكن عمله, وقد حدد له وكهدف أساسي مؤسسات التربية والتعليم, وكانت ايضا واحدة من الأساليب التي استطاع من خلالها الحصول على الأموال اللازمة لدعم جهود فنانين ناشئين أصغرسناً, كما انها كانت الوسيلة الأفضل لنقل رسالته التي تهدف الى نشر الوعي الفني وتعزيز مكانة الفنان في المجتمع, ولعل ذلك التحرك الأخير الذي شهدته البلاد بين عام 1950 ـ 1960 هو النتيجة الحتمية التي أفرزت جيلا جديدا من الفنانين التايوانيين الجدد الذين تحرروا بعد ذلك من قيود المدرسة الكلاسيكية القديمة الصينية واليابانية على حد سواء. الا ان حقبة الثمانينات كانت قد شهدت تحولا أكثر خطورة على يد يانج, الاب الروحي للحركة التشكيلية الحديثة, وذلك في إثر دعوته الى توطين الحركة والرجوع بها إلى الوراء فيما يشبه حركة اعادة إحياء التراث الفني التي استندت إلى المراجعة التاريخية, وقد بيعت واحدة من أشهر لوحاته (الوردة) المستوحاة من التراث التايلاندي القديم لايمكن وصفها إلا بأنها خيالية جداً. أما الانطباع الأخير الذي يمكن أن تتركه أعمال وانجازات هذاالفنان الشرقي التايواني الذي فارق العالم سنة 1995 بعد حياة حافلة بالعمل أو حافلة برصد الحقيقة الكامنة وراء الطبيعة فهي ما يمكن للمرء التعبير عنه بكلمة واحدة (الحنين) الحنين إلى الماضي, فخلال تنقلاته وسفراته الطويلة الكثيرة داخل وخارج بلاده ورغم رصده الدقيق للتجربة الفنية الأوروبية المعاصرة إلا ان ما تشير إليه أعماله هو في الحقيقة الحنين إلى الداخل الى اصطياد الشوارع القديمة والمباني التقليدية وقوارب الصيد والموانئ العتيقة والجبال ذات المناظر الطبيعية قبل ان تمتد اليها يد اعادة البناء والتحديث.