ضمن الاحتفالات الكبيرة التي تشهدها مدينة فلورنسا الايطالية التي تعتبر عاصمة عصر النهضة (1250 ـ 1550) وهي تعيش احتفالات الالفية الثالثة للميلاد التي تتواصل طيلة العام الحالي, افتتح معرض فني في نفس البيت الذي كان يسكنه ابرز فناني عصر النهضة, مايكل انجلو (1475 ـ 1564). ان عبقرية عصر النهضة الايطالية وعظمتها بلغت ذروتها في شخصية هذا الفنان الخالد الذي يعتبر الممثل النمطي لروح هذا العصر. والمعرض يحوي مجموعة نادرة من كتابات ومذكرات الفنان, التي يكشف من خلالها تعاظم ازمات المجتمع الفلورنسي في ظل حكم اسرة (آل مديشي), وعن آرائه عن المصلح (سافونرولا) الذي طالب باصلاح الكنيسة, وعن الارث الديمقراطي لجمهورية فلورنسا, وعن دفاعه عنها ضد اعدائها الخارجيين. كما يحوي المعرض مجموعة من اعماله الفنية ايام الشباب المؤلفة من عدة لوحات واعمال نحتية, تمثل عمق المحاكاة للأشكال الجميلة التي استقاها من الطبيعة والانسان, حيث اصبحت دراسة تشريح اعضاء الجسد الانساني وحركاته المنظورة, اشياء لابد منها للفنان, ذلك لأن هذا الفنان ادرك بأن الانتاج الفني وخاصة في تلك الفترة التاريخية التي تعد اعظم فترات فن الرسم في تاريخ الفن الغربي, لم يعد عملية نسخ آلي لقوالب معينة ومحددة تفرضها السلطات الكنسية والاسر الحاكمة لتظهر للناس ان افرادها محسنون, وانما اصبح تعبيرا حرا عن عقلية الفنان الذي رأى في اكتمال سيادة الانسان وتحققها الحسي وقوتها, الاساس الذي سار عليه بعمله وحياته. كتب يقول في احدى رسائله لأخيه (الجميع يباعون ويشترون في روما, وكل مركز, بل حتى دم المسيح يباع من اجل النقود). التخطيطات التي يعرض بعضها اول مرة للجمهور بعد ان ظلت مقفلة في خزائن بعض الاثرياء من الفرنسيين والايطاليين, عالج من خلالها العديد من الموضوعات الدينية التي استوحاها من الكتاب المقدس كما هو الحال عند اغلب الفنانين في تلك الفترة, الا انه عالج هذه الموضوعات بروح انسانية دنيوية جاعلا الرغبة في الكمال الفني هي الاساس, ثم يأتي من بعدها التعبير الديني الذي يقف على هامشها. فمهمته كفنان ثائر تمثلت في رفع قبضة اللاهوت عن الفن كلية والاطاحة بالقيود اللاهوتية التي كانت سائدة ومفروضة من قبل الكنيسة. المعرض يستعرض مرحلة الشباب, وهي المرحلة الاساسية في حياة الفنان, ابتداء من اول تمثال نحتي له والذي يمثل الام العذراء وهي تمسك بالسيد المسيح, ومرورا بالتخطيطات الكثيرة التي نفذها والتي صب كل جهده لفهم الجسد الانساني, حيث اعتبر من ابرز ممثلي الرؤية الخارجية للجسد الانساني, فلقد حافظ على ملامح الجسد الخارجية, وابقى على مميزاته الاساسية وعلى صفائه, واستطاع بفضل اعماله هذه ذات الطابع الغنائي الشاعري, ان يمهد الطريق للتحولات الفنية في فن التخطيط لكونه القاعدة الاساسية للفنان التشكيلي. حركة حرة اللقطة المركزة لحركة الانسان تحمل تركيزا كاملا على التعبير المشبع بالاحساس الكامل بالعمق, حيث تمضي الحركة حرة في كل اتجاه عبر خط الرؤية او بعيدا عنه ان العديد من هذه التخطيطات صغيرة الحجم والتي نفذت على ورق ملون, تتمتع بأناقة كبيرة, ولونت بألوان فقيرة لا تتعدى قلم الرصاص او الحبر القهوائي المحروق والذي كان يستخلصه بنفسه من بعض الاعشاب البرية. لقد وضع تخطيطاته في مساحات محدودة توحي بالتنبؤ والصلابة, فالخطوط بالتواءاتها واستقامتها الصافية تتميز بحيوية تكاد تكون متفردة, وكأن كل خط منها يلف بحركته كل الكتلة ليصبح في النهاية الرمز والمحرك الاساسي لدى الفنان الذي صاغ قاموس المفردات التشكيلية لفن التخطيط. الفنان مايكل انجلو فهم الجسد البشري بطريقة اصبح فيها هذا الجسد وكأنه حركة واحدة شاملة, فتفاصيل رسم الرأس ودقة الذراع والكتف المتصلب وامتداد الساق, وسيولة القدم ورصانتها, والتواءات الجسد المنفلت دائما بحركة عصبية, تذوب جميعها في تداخل الظل والنغم, وكأنها تحكي عملية اكتمال وسيادة الانسان في تحققها الحسي وقوتها على تحريك المشاهد. لقد استهوته الغريزة, للحد الذي طغى ذلك على كل اعماله النحتية ولوحاته الجدارية. خطوط صارمة ورصينة ممتزجة بأهواء العاطفة, مجبولة بالنعومة والتأنق اللذين هما التعبير الانفعالي والحميم لأدق ما في جسد الكائن البشري. ان الدقة الفنية التي امتازت بها اعمال الفنان مايكل انجلو تعكسه جرأته الكبيرة في فن الرسم, ودرايته العميقة بتشريح الاعضاء, وازدراؤه لقواعد العصور الوسطى وقيودها. لقد كان مايكل انجلو بحق من اعظم اساتذة الفن, نبذ رسم الشخصيات الحقيقية البارزة من الامراء والباباوات, ورسم المناظر الطبيعية, واستدار في نحته وجدارياته لتصوير بسالة الناس واشكال الصراع السياسي والفساد الذي عاشته الكنيسة والطغاة من الاسرة الحاكمة التي حطمت حسب اعتقاده القيم الديمقراطية التي عاشتها جمهورية فلورنسا. روما ـ موسى الخميسي