كان النحت في مصر الفرعونية من الفنون المهمة عند المصري القديم وكان يوضع له كثير من القواعد والقوانين والأسس لكي يخرج الفنان تمثالاً خالداً, وقد اختار الفنان المصري القديم الخامات والكتلة المناسبة للتمثال من حيث الصلابة مثل (الجرانيت والديورويت)، والشست والألبستر والمرمر والكوارتزيت .. إلخ حتى يضمن البقاء في العمل الفني. وقد كان للمثال (محمود مختار) السبق في إزاحة الستار عن أهمية الفن الفرعوني والاستفادة منه حيث سكون المنحوتة ورسوخ الكتلة. وتأتي تجربة الدكتور (منصور المنسي) الذي يعمل مدرساً بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا الحاصل على الماجستير عام 1989م, والدكتوراه عام 1993م لتكمل الصورة وقد اشترك الفنان في العديد من المعارض في مصر والخارج وحصل على جائزة استحقاق المعرض العام 1983م وجائزة صالون الشباب عام 1990م, وللفنان منصور المنسي مقتنيات في مصر والخارج. ونرى من أول وهلة الاحساس بالموسيقى في معظم منحوتاته حيث إن في معظم الأعمال الفنية نرى الحركات الحلزونية والدوامات وينتج عن ذلك أجزاء عضوية متولدة عن تلك الدوامات, وقد استخدم الفنان خامة (البولي استر) والتي تحتاج إلى المشقة في العمل, واختار اللون الأسود الذي يعطينا الملمس الفحمي, واللون الاسود في الأحجار يذكرنا في مصر الفرعونية بأحجار الجرانيت والكوارتزيت والشست وهي في مجملها أحجار صلبة, ولكن الفنان استخدم خامة معاصرة وطوعها لإخراج منحوتاته. أصالة ومعاصرة إن أعمال الفنان منصور المنسي عبارة عن حوار لطيف بين الأصالة والمعاصرة ومن خلال دراسة الفنان نرى اهتمامه الشغوف بالفن الفرعوني والفن الحديث, حيث كانت رسالة الماجستير تحت عنوان: (الواقعية والرمزية في فن النحت المصري القديم) , والدكتوراه (الواقعية والرمزية في فن النحت الحديث) وحينما يجمع بينهما يعطي لنا طابعاً مميزاً ومذاقاً خاصاً للمنحوتة, فعلى سبيل المثال نرى في احدى المنحوتات بقرة وفوق مؤخرتها طائر ينتهي بثعبان ويذكرنا ذلك قديماً في النحت المصري بالبقرة المقدسة (حتحور) والطائر (حورس) والثعبان وكلها كانت ترمز الى المسئول عن حماية الملك في مصر الفرعونية, واستمد أفكاره من الموروث الفرعوني وجاء الفنان بهذه العناصر مجتمعة في منحوتة بها دراما موسيقية وخطوط انسيابية, وقد راعى فيها التلخيص فأعطت للمنحوتة مذاقاً خاصاً مع معزوفة وعلاقة جميلة بين الكتلة والفراغ, وكل هذه العناصر مجتمعة من مميزات فن النحت المصري القديم, وأطلق الفنان العنان لانتاج هذه المنحوتة وإضفاء قيم تشكيلية جميلة. حركة وسكون ويأتي حوار الفنان مع معظم منحوتاته, فمن خلال العضوية التي تتحرك في كل الاتجاهات ما بين الكل والجزء تصطدم بتلك الخطوط الحلزونية التي توحي بالحركة العنيفة, ومع توظيف الخطوط الرأسية والأفقية لاستكشاف الأبعاد الجمالية للعضوية في فن النحت الحديث بين الحركة والسكون تمهيداً لصياغة التراث بفكر تشكيلي معاصر. وفي متابعة أعمال الفنان منصور المنسي نجد ان الانسان والطيور والحيوان محور منحوتاته, وفي منحوتة (ابن آوى) وهو كثيرا ما يذكر (أنوبيس) في النصوص المصرية القديمة, فكان الرمز الجنائزي المتجسد في صورة حيوان من الفصيلة الكلبية الأسود اللون وكانت صورته وهيئته منتشرة في التماثيل والتوابيت كنقش بارز, شبيه بالذئب له آذان كبيرة مدببه وخطم طويل وأجسام لينة مخيفة, وذيول طويلة منقوشة الشعور, وكان له أهمية كبيرة عند المصري القديم, أما منصور فمثله لنا بجسم ممشوق مشدود ينبح رداً على إعجابه بالفنان, وأخذ المثال كل ما يميزه من الفن المصري وأضاف لنا عملاً فنياً مبدعاً من أهم منحوتاته التعبيرية والتي تعطي شخصية (ابن آوى) جلالته وأهميته عند المصري القديم, ومما لاشك فيه ان الفنان نجح في تمثيله. والحديث عن الفنان منصور المنسي يطول حيث ان أعماله أصيلة معاصرة وقد اعتمد على الخطوط الواضحة والأثر الضوئي والظلي وتبسيط الأجزاء, وتأثر بالقديم في البناء والتلخيص الأنيق, وفي النهاية فقد أبدع منحوتات بمزج الفن القديم بالمعاصر فأخرج لنا أعمالاً فنية بديعة ذات طابع مميز.