من المعروف ان هوليوود وجدت في مسارح برودواي بنيويورك على مر السنين معينا لا ينضب من المواهب الفنية. وشمل ذلك الممثلين والكتاب والمخرجين والمؤلفين الموسيقيين على وجه الخصوص, ولكنه امتد ايضا ليشمل جميع القطاعات الفنية الاخرى. على ان العلاقة بين السينما والمسرح في الولايات المتحدة لم تكن دائما علاقة ودية, بل تميزت في ايامها الاولى بكراهية المسرح للسينما ورفضه وازدرائه لها قبل ان تصطلح الامور وتتحول العلاقة بينهما الى علاقة حب متبادل. وقد نظر ممثلو المسرح في الولايات المتحدة نظرة استعلاء وازدراء للسينما خلال العشرين سنة الاولى من حياتها, وحاربوا السينما واعتبروها فنا سطحيا وابوا على انفسهم العمل فيها. وكان ممثلو المسرح الذين سدت سبل العيش امامهم ممن اضطروا الى العمل في السينما بسبب حاجتهم المادية يفعلون ذلك في الخفاء بعيدا عن انظار اقرانهم. وكانوا يأملون ان لا يراهم اصدقاؤهم على الشاشة السينمائية, وهو أمر كان بعيد الاحتمال نظرا لان اصدقاءهم المسرحيين كانوا يعتبرون الذهاب الى دور السينما وصمة اجتماعية. الا ان احد المنتجين السينمائيين شن حملة لا تعرف الهوان لاجتذاب نجوم المسرح الى العمل في السينما في اوائل فترة العشرينيات من القرن الماضي, وهو ادولف زوكر رئيس شركة (الممثلون المشهورون) السينمائية ومؤسس شركة باراماونت السينمائية التي انبثقت عنها واصبحت اكبر شركات السينما الامريكية في عصر السينما الصامتة, كما انها واحدة من اكبر الشركات السينمائية في الوقت الحاضر. وقد شن زوكر في عام 1912 حملة مكثفة لاغراء كبار نجوم مسارح برودواي في نيويورك لتصوير اشهر اعمالهم المسرحية وعرضها في دور السينما. فرصة تخليد وبعد ان باءت محاولاته بالفشل توجه الى اوروبا حيث كان ممثلو المسرح ينظرون نظرة مختلفة تماما نحو السينما عن نظرة ممثلي المسرح الامريكيين, بل انهم وجدوا في الافلام السينمائية فرصة لتخليدهم على الشاشة لدى الاجيال القادمة. وكانت مسرحيات الممثلة الفرنسية سارة بيرنارد, اشهر ممثلات عصرها, تصور للسينما منذ عام 1900, ومن ضمنها مسرحية (هامليت) التي قامت فيها سارة بيرنارد بدور هامليت. فتعاقد ادولف زوكر في باريس مع منتجي فيلمها الشهير (الملكة اليزابيث) لعرض الفيلم على مسارح برودواي في عام 1912 مستغلا شهرة سارة بيرنارد. وتهافتت على مشاهدة الفيلم صفوة الطبقة الارستقراطية في نيويورك وكبار نجوم المسرح في وقت كانت هاتان الفئتان تنظران نظرة استعلاء واستخفاف الى الافلام السينمائية. وقد حققت هذه التجربة نجاحا غير متوقع. وبالاضافة الى المكاسب المالية الضخمة التي حصدها ادولف زوكر من عرض الفيلم, فقد احدث الفيلم ثورة في مفاهيم ممثلي وكتاب المسرح الامريكيين نحو السينما وأخذوا يتسابقون للعمل فيها. ووقع زوكر على الفور عقودا مع عدد من نجوم مسارح برودواي مثل جيمس هاكيت وجيمس اونيل للظهور في افلامه, وسرعان ما حذا المنتجون السينمائيون الاخرون حذوه. واستمرت علاقة هوليوود بمسارح برودواي منذ ذلك الوقت وازدهرت وتحولت الى علاقة ذات فائدة متبادلة للجانبين, ولو ان هوليوود كانت المستفيد الاكبر من حيث استيراد المواهب الفنية من المسرح الى السينما. فكم من ممثل تعلم المهنة على مسارح برودواي قبل ان يجذبه بريق هوليوود وتخطفه عاصمة السينما؟ ان القائمة طويلة ومن أبرز نجومها مارلون براندو وهنري فوندا وجيمس ستيوارت وباربرا ستانويك وجيمس دين وروبرت ريدفورد وبيتي ديفيس وجون كروفورد. اما بين المخرجين المرموقين الذين قفزوا من الساحل الشرقي الامريكي حيث توجد مسارح برودواي الى هوليوود على الساحل الغربي فهناك ايليا كازان ومايك نيكولز وجوشوا لوجان وغيرهم كثيرون. ومع ان بعض هؤلاء الفنانين عادوا الى مسارح برودواي احيانا, الا ان تلك العودة كانت مؤقتة, وكانوا يعودون دائما الى موطنهم الدائم في هوليوود. وشكلت مسرحيات برودواي منذ ايام هوليوود الاولى مصدرا مهما للنصوص السينمائية المقتبسة التي استند اليها عدد من أعظم الافلام التي انتجتها هوليوود على مر السنين. وليست مسرحيات يوجين اونيل وتنيسي وليامز وآرثر ميلر, اعظم مؤلفين مسرحيين امريكيين جادين, ومسرحيات نيل سايمون, اشهر المؤلفين المسرحيين الكوميديين, سوى امثلة على ذلك. فقد حولت معظم الأعمال المسرحية لهؤلاء الكتاب المرموقين الى أفلام سينمائية بعد عرضها على مسارح برودواي. ويبدو ان التاريخ يعيد نفسه بالفعل. فمن المفارقات ان مشاعر الازدراء التي قابل بها المسرح الامريكي السينما في ايامها الاولى تكررت بعد نصف قرن في نظرة الازدراء التي اتخذتها هوليوود نحو التلفزيون عند انتشاره في الولايات المتحدة في اواخر فترة الاربعينيات. وقد اعلنت هوليوود حربا شعواء على التلفزيون في سنواته الاولى وقاطعته ومنعت فنانيها من التعامل معه. واستمرت هذه المقاطعة حتى عام 1956 وانتهت باستسلام هوليوود لظاهرة التلفزيون التي أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله. ومن المفارقات ايضا ان الكراهية بين السينما والتلفزيون تحولت فيما بعد الى تحالف كما حدث قبل ذلك بين المسرح والسينما. وأصبحت السينما أكبر المستفيدين من التلفزيون الذي أخذ يعرض افلامها ويدر لها ايرادات ضخمة ويوفر فرص العمل للعاملين فيها. واصبح انتاج الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية يتم جنبا الى جنب في الاستديوهات نفسها في هوليوود نفسها. كتب: محمود الزواوي