وصفت السينما الجزائرية ذات يوم بأنها السينما الجادة والملتزمة الوحيدة في الوطن العربي والعالم الثالث وان كانت في المرحلة الراهنة قد تعرضت الى هزات كثيرة هي نتاج الهزة العامة التي يتعرض لها ذلك البلد.. الا ان الامل كبير في عودتها الى مسيرتها السابقة, علما بان العمر الحقيقي لتلك التجربة لا يتجاوز الخمسين سنة,... وأنها تحكمت منذ بدايات نشأتها في مصيرها وذلك بتأميم مختلف أجهزة الانتاج والتوزيع وحتى الاشراف على قاعات العرض التي يزيد عددها اليوم على الثلاثمئة, كما يحتفظ المركز الجزائري للصناعة السينمائية بأكبر وافضل كمية من أفلام العالم الثالث وما يقدر بعشرة الاف فيلم من مختلف القارات. ويعد متحف السينيماتيك اهم مؤسسة عربية تعرض الأفلام لأهداف ثقافية بحتة. وتنظم في الجزائر اليوم وبشكل دوري مهرجانات دولية للسينما بمدن عنابة, وتيبازا, وقسنطينة, وباتنة, كما تضم بيبليوغرافيا الانتاج السينمائي في الجزائر حوالي مئتي فيلم طويل فاز عشرون منها بجوائز دولية في مهرجانات شهيرة مثل كان وموسكو, وقرطاج, وبرلين, ودمشق, والبندقية.. وغيرها. اما الافلام الحديثة فهي عديدة ومتنوعة وتتسم جميعها بالالتزام سواء في خدمة قضية حرب التحرير كسابقاتها او خدمة القضية الاجتماعية المعاصرة. انشغل الفيلم الجزائري بشكل عام ومنذ بداياته الرسمية مع الثورة المباركة بالفيلم التسجيلي الروائي وحركته ابداعا وانتاجا وتوزيعا بحيث لم تحتل الانواع الاخرى الا مساحات ضئيلة على تلك الخارطة ويرجع هذا اساسا الى الهدف الذي انطلقت من أجله تلك السينما عام 1956 في جبال الثورة وهو عزمها بالدرجة الاولى على تخليد بطولة الشعب وتخليد وحشية المستعمر لابقاء ذاكرة الاجيال حية دائماً فمشوار تلك السينما الذي امتد عبر السنوات مزدهراً وثرياً, انطلقت المرحلة الاولى منه من عام 1956 وحتى عام 1960 حيث انتج خلالها العديد من الاعمال, الوثائقي منها والتسجيلي والروائي قدمها خريجو مدرسة إعداد السينمائيين الثوار التي أنشأتها جبهة التحرير الوطني في الجبال بإشراف المخرج الفرنسي (روني فوتي) الذي التحق بالثورة عام 1957... حيث كانت الكاميرا تلتقط صور المعاناة والبطولة وتخلد سنوات المقاومة والتحدي وتبلغ العالم قضية شعب يكافح من أجل حريته وكرامته.. مبدعون وانجازات ومن أسماء تلك المرحلة نذكر: محمود فاضل ومعمر زيتوني وعثمان مرابط ومراد رابيش وصلاح الدين سنوسي وحزوبي الغوتي وعلي جنادي وغيرهم.. وهم سينمائيون لا يعرفهم الجمهور ولم يفوزوا بجوائز في أي مهرجان لانهم استشهدوا في ميادين الكفاح عندما كانوا يصنعون الأفلام الاولى اثناء حرب التحرير. ومن بعض انجازات تلك الفترة فيلم قصير بعنوان (اللاجئون) وفيلم (ساقية سيدي يوسف) وفيلم (جزائرنا) لجمال سندرلي والاخضر حامينا وفيلم (بنادق الحرية) لاحمد راشدي... وغيرها والملاحظة التي يمكن تعميمها على هذه السينما هي انها رغم بساطتها ابان حرب التحرير الكبرى الا أنها كانت وطنية وعميقة ولها معنى. وبعد الاستقلال عام (1962) تم انشاء ديوان الاحداث الجزائرية ومركز التوزيع الشعبي, ثم في عام 1964 المركز الوطني للسينما ثم المركز الجزائري للسينما عام 1967 ثم متحف السينما الجزائرية, وقد عهد عام 1969 للديوان الوطني للصناعة والتجارة السينمائية احتكار عمليات الانتاج والاستيراد والتوزيع وكذلك احتكار الانتاج المشترك. وفي عام 1984 أعيدت هيكلة قطاع السينما, كما انشيء عام 1987 المركز الجزائري للفن والصناعة السينمائية الذي مثل مرحلة جديدة في تاريخ هذا القطاع... يضاف الى كل ذلك مصلحة السينما بالمحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي, وكذلك مؤسسة التلفزة الوطنية التي لها اسهامات كثيرة في انتاج الافلام السينمائية. نماذج شهيرة من الافلام التي عرفت رواجا وشهرة في المرحلة السابقة نذكر فجر الملعونين وكما يوحي عنوانه فهو يحاول ان يجسد فكر (فرانتر فانون) ذلك المفكر والمناضل الافريقي الكبير الذي عمل مع الثورة الجزائرية حتى أصبح أحد رموزها. والفيلم عبارة عن تركيب لوثائق حية تحاول اعادة بعض الحقيقة الى نصابها فيما يتعلق بالتاريخ الافريقي الطويل, وقد نال هذا الفيلم جائزة المؤتمر العالمي للسلام في مهرجان ليبزج بألمانيا الشرقية سابقا. (الليل يخاف الشمس) وقد أخرجه مصطفى بديع وهو يتناول موضوع الكفاح المسلح الجزائري من خلال حياة عائلة جزائرية جسدته في لوحة تحمل معاني التضحية والاباء. (رياح الاوراس) للمخرج الاخضر حامينا وقد نال هذا الفيلم جائزة اول عمل ابداعي في مهرجان كان عام 1967. (معركة الجزائر) وهو فيلم مشترك جزائري ـ ايطالي اخرجه (بونتكو روفو) تدور معظم احداثه في حي القصبة العريق بما كانت تضمه من مخابئ ومصانع للفدائيين وكان هذا الفيلم صوتا صادقا للجزائر المناضلة وصل الى كل بقاع الارض ونال جائزة الاسد الذهبي في مهرجان البندقية. (حسن تيرو) للاخضر حامينا وهو فيلم فكاهي الى حد ما يعالج الحالة الاجتماعية والنفسية لشباب ما بعد الاستقلال, وقد نال نجاحا كبيرا في المجتمع الجزائري والمغاربي وقصته مقتبسة عن مسرحية لاحد اعمدة المسرح الجزائري المعروف بـ (رولشد). (الافيون والعصا) وهو مقتبس عن رواية (تالا) للكاتب المتميز المرحوم (مولود معمري) واخراج السينمائي الكبير أحمد راشدي... ويعتبر من أهم الأفلام الجزائرية عن حرب التحرير حيث يروي معاناة وبسالة سكان إحدى القرى القبائلية الصامدة, وقام بالدور الرئيسي فيه عميد المسرح الجزائري المرحوم مصطفى كاتب. (وقائع سنوات الجمر) وهو من أشهر الأفلام الجزائرية على الاطلاق للسينمائي الابرز الاخضر حامينا والذي نال جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1975 واعتبر اول فيلم عربي يفوز بجائزة من هذا الحجم, وهو عمل ملحمي بأتم معنى للكلمة حيث أظهر مواهب ذلك المخرج الفذ وقدراته على السيطرة على المجاميع البشرية الهائلة وتحريكها كما يشاء لاقتناص اللقطات الاكثر دهشة والاكثر تعبيرا. مع العلم ان حامينا في هذا الفيلم قد احتكر لنفسه كذلك كتابة النص والسيناريو والتصوير بالاضافة الى الاخراج وذلك حتى يتمكن من ايجاد الانسجام اللازم لتلك العناصر في تقديم المراحل الزمنية المختلفة التي اراد ان يقدمها وهي الفترة الممتدة من عام 1939 حتى نهاية الثورة عام 1962. (زهرة اللوتس) وهو فيلم هام اشتركت في انتاجه التلفزة الجزائرية مع وزارة الثقافة ويروي قصة حب بين شاب جزائري كان مع بداية الخسمينيات مجندا في الجيش الفرنسي اثناء حرب الهند الصينية وبين شابة فيتنامية.. ولزهرة اللوتس كما يقول مخرجه في الفيتنام معان ورموز عديدة رغم ان هذه الزهرة تنبت في الوحل, فهي رمز الحب ورمز المرأة ورمز الوفاء, اما في الفيلم فقد كان لها دور كبير من ناحية الدراما وكأنها شخص في حد ذاته, والقصة كتبها سينمائيان فيتناميان هما (ترام دانج) و(ترام كيل كايل). السينما والواقع ولئن كانت المراحل المختلفة للسينما الجزائرية قد تميزت بالاطناب في انجاز وتكريس الفيلم المتعلق بالثورة والثوار ولم تفسح المجال لظهور أعمال اخرى فان المراحل المتأخرة جعلتها تقتحم القضايا الاجتماعية بقوة حاولت فيها رصد الراهن الجزائري والتجربة الديمقراطية وما تفرزه كل يوم في ذلك البلد وكلها تجارب لم يثبت بعد نجاحها او فشلها وهي تحتاج الى رصد اخر يراعي ظروف انتاجها. غير ان ظاهرة اخرى تحاول ان تقتحم السينما الجزائرية التي اتسمت على مدى عقود طويلة بالالتزام واصبحت تلوح من فترة لاخرى وترمي ببعض الافلام السيئة محاولة ترجيح كفة العمل السينمائي المشهور بمعالجة القضايا الوطنية نحو السقوط ومعاداة الشعب من خلال اقنعة واطروحات مدسوسة كفيلم (الشاب) او فيلم (كانت الحرب), وهذا الامر وان وجد لم يمنع من طغيان الافلام الجادة والمتميزة والتي نذكر من بينها فيلم (الربوة المنسية) الذي هو تجسيد جميل لرواية معروفة للمرحوم الكاتب مولود فرعون, وهو اول فيلم جزائري ناطق باللهجة الامازيغية. وكذلك نذكر فيلم (فاطمة الحواتة) للمخرجة نادية شرابي والذي يروي قصة امرأة من الغرب الجزائري تعمل بين الرجال في صيد الأسماك حاولت من خلاله نادية ان تتعمق في ذاتية الفرد العربي وابراز حياته بشكل حقيقي, وهي مسألة صعبة جدا كما تقول لانه من النادر في اوطاننا ان نسمي الاشياء بمسمياتها ولذلك, ومن خلال فاطمة الحواتة هذه ارادت المغامرة في اتجاهين الاول المرأة المخرجة والمرأة المكافحة وهو الخطاب نفسه الذي حاولت ايصاله في فيلمها (فاطمة العارية) والذي يحكي قصة فتاة جزائرية تنتمي الى حلقة دينية معروفة في ذلك البلد وهي فرقة التيجانية. اهمال المسئولين وملخص القول في التجربة الجزائرية هو.. ان السينما كغيرها من الهموم الثقافية لم تأخذ حقها من المسئولين منذ الاستقلال الى اليوم باستثناء الفيلم الثوري (الى حد ما), حيث ان تطور الفنون والاداب مرتبط كل ببعضه ويحتاج الى اهتمام خاص ودائم وهذا ما لم يتوفر مع الاسف. وصحيح ان الثورة قد أخذت النصيب الاوفر مما انتج من افلام, ورغم ذلك فانها مازالت كثورة عبقرية لم تأخذ حقها لان افلاما تمسها في الصميم مازالت لم تنجز بعد وهذا رأي المفكرين والسينمائيين الكبار بدون استثناء ردا على من يقول كفانا هذا النوع.. غير ان الاتجاه العام السائد في المرحلة الحالية سواء من القطاع العام او الخاص هو محاولة التطرق الى امور الحياة الاخرى وربط الوطن بما يدور حوله, وهناك مؤشرات كثيرة في هذا الصدد دلت عليها الاعمال الاخيرة التي استفادت من مناخ الحرية ومن الانفتاح الاقتصادي السائدين قد تعيد للسينما الجزائرية عصرها الذهبي وأمجاد السبعينيات حيث وفرة المال والرعاية الكبيرة وما كان لهما في ابراز تلك السينما عربيا ودولياً واعطائها المكانة الهامة بين مثيلاتها في دول العالم النامي. نذكر كذلك انه ضمن هذا الانفتاح الجديد اتجه بعض السينمائيين الجزائريين من اجل تعويض النقص في الانتاج الى الانتاج المشترك مع بعض المؤسسات الاجنبية مما دعا الى رفع الاصوات عالية بضرورة الانتباه والحذر من خطورة اي تنازل ثقافي او تاريخي وبالاخص مع شركات تنتمي الى المستعمر السابق ونعتقد ان الانتاج المشترك العربي يظل اكثر امانا ومردودية نظرا للمساحة الجماهيرية الكبيرة التي يتجه اليها الفيلم.. وتبقى فقط قضية اللهجة التي تحول احيانا دون وصول رسالة الفيلم الجزائري, وقد وجدت لها بعض المؤسسات حلا بسيطا يتمثل في الترجمة المكتوبة. والانتاج المشترك العربي عموما من الممكن ان يساعد في ايجاد لغة عربية وسطى تتجه الى كل الامة رغم طغيان بعض اللهجات. بقلم: حسن طلبي