ربما كان الشعور بالاغتراب من اقسى الحالات التي عاناها الانسان في عصرنا, وان حدث ذلك بدرجات متباينة واشكال متعددة من الغربة بمعناها المباشر البسيط, متمثلة بالبعد عن الاهل والوطن ومراتع الطفولة والصبا.. حتى الاغتراب عن النفس, ذلك الانشطار العميق المروع ، الذي يتغلغل داخل العقل والوجدان, مرورا بالاستلاب امام النظم السياسية القمعية واجراءاتها البوليسية الخانقة او في ظل المجتمعات. وهذه المحنة الخانقة ليست جديدة طارئة, انما هي ثمرة مرة لاذعة من ثمار التناقض الجهنمي الرهيب بين الحلم والواقع, وقد مر بها جلجامش قبل لقائه بصديق المستقبل انكيدو. وقبل خمسة عشر قرنا صرخ امرؤ القيس: (الا ايها الليل الطويل..) وجاء بعده طرفة بن العبد ليحدد حياته بالشراب والحب والفروسية (ولولا ثلاث..) غير حافل بمجيء الموت في اية لحظة, وابو حيان التوحيدي ـ الذي احرق احد عشر كتابا من اعماله الابداعية ـ تحدث عن محنة الاغتراب في بنى قومه, وهو اشد مضاضة وهوانا من أية غربة اخرى. ولن ادخل في غاية الوجودية الشائكة, وانما يكفيء ان اشير الى البير كامي, وبخاصة في رواية (الغريب), وعلاقته بأعمال الروائي الياباني كوبو آبيه (1924 ـ 1993). ان هذا الكاتب المتألق في ميادين الرواية والمسرح والقصة القصيرة, كان في طليعة المرشحين على الساحة اليابانية لنيل جائزة نوبل, لكن المنية عاجلته قبل (موسم) تلك الجائزة بسنة واحدة. اقول (موسم) لأن صاحب القرار الحاسم في تلك الجائزة كان قد حدد (ذكرى) مرور خمسين سنة على كارثة هيروشيما وناجاساكي (مناسبة) لاختيار كاتب ياباني, تفكيرا (اوروبيا) عن جريمة (امريكية) مازالت آثارها ماثلة صارخة حتى اليوم. وهو ما دعا لجنة الجائزة الى منحها. للروائي كنزابورو اوويه ـ الحائز على تلك الجائزة في السنة التالية لرحيل صديقه. ولم ينس (أوويه) في اوج فرحته بالحصول على الجائزة ان ينوه ان (آبيه) هو الجدير بها لو كان حيا. كافكا ياباني كاتب تجريبي ذو خيال جامح وحساسية بصرية مرهفة يمزج العقلانية العلمية بالسوريالية والواقعية الساخرة باللامعقول, فهو نسيج وحده, لقد استفاد من تجارب الغرب في هذا المجال, لكنه تخطى حدود تلك التجارب لينجز عالمه الابداعي الخاص. ولعله في معيار النقد الغربي اول روائي ياباني يحتل مكانة عالمية بكل جدارة, وبخاصة في روايته المدهشة (امرأة في الرمال) التي تحولت الى شريط سينمائي متميز من اخراج هيروشي تيشجاهارا. ان الغرب, الذي لا يرى العالم الا من خلال مركزيته, رأى فيه كافكا يابانيا وحسب, لكن اعماله تؤكد انه ابعد ما يكون عن تلك الحالات المرضية التي تغشي روايات الكاتب النمساوي فرانز كافكا الذي حاولت الصهيونية ان تستثمر اعماله الى ابعد الحدود. ولد كوبو آبيه في 1924 ـ وهي السنة ذاتها التي مات فيها الكاتب النمساوي ـ ولعل هذه المصادفة قد تركت اثرها في نفس الكاتب الياباني. كان والد كوبو طبيبا فأقنع ولده ان يدرس الطب, وهكذا تخرج الفتى من كلية الطب في جامعة طوكيو في السنة 1948 لكن قلبه كان ميالا الى الادب لا الى تلك المهنة, وان استفاد من علومها في كتاباته الابداعية. وسرعان ما انضم الى جماعة ماركسية من الادباء تصدر مجلة (الادب الحديث) وصار من ابرز كتابها, ثم انتسب الى الحزب الشيوعي, وحظي بنجاح بارز في العمل السياسي المقاوم للاحتلال الامريكي, لكن موهبته الادبية المتألقة سرعان ما دفعته بعيدا عن السياسة ليكون في طليعة التيار الجديد من المبدعين الشباب, والذي عرف بتيار ما بعد الحرب, ذلك خلفته القنابل النووية التي القيت على هيروشيما ونجازاكي. واذا تأملنا في اعماله نرى ان من الصعب جدا اذا لم نقل من المستحيل ـ ان يخضع مبدع ذو خيال طليق من طراز كوبو وعشقه للحرية الى التقاليد الستالينية الصارمة واجوائها الخانقة. بل ان قصته (الشرنقة الحمراء) التي كتبها في 1950 لابد ان تكون مستوحاة من القمع الستاليني, انما بشكل رمزي مدهش. ولعل صفة (الحمراء) تؤكد ذلك. بلا جذور ولد كوبو آبيه في طوكيوعاش شبابه في اطراف صحاري منشوريا الكبرى (في شمال شرق الصين) ولعل تلك الفترة هي التي اثرت تأثيرا حادا في تغيير نظرته الى الواقع ومفهوم الواقعية. ان غياب المدينة ـ الام, مسقط الرأس وذكريات الطفولة والصبا, جعله يبدو وكأنه منخلع من ارض الوطن بلا جذور فليس له مكان اثير يحن اليه, اذ كانت جميع الامكنة متساوية لديه, وكانت تلك اقسى حالة من الاغتراب عاشها بمرارة, لكنه حاول الاستعاضة عنها بالخيال المتحرر من كل قيد, ويتمادى هذا الخيال الى ضفاف الجنون احيانا ـ وان كان جنون الفن الابداعي الجميل ـ كما سنرى في قصة (الطبشور السحرية), حيث حاول بناء عالم جديد بادئا من رسم حواء ـ ام البشرية على جدار غرفته. وقد عبر آبيه عن تلك الحالة, محاولا العودة الى جذورها واضاءة اسبابها فيقول: (ولدت في طوكيو ونشأت في منشوريا. المكان الاصلي للعائلة, كما تبين اوراقي, هو كايدو (اقصى جزيرة في الشمال) وهناك عشت عدة سنوات ايضا. باختصار, ان مسقط رأسي والمكان الذي تربيت فيه ونشأت ومكان العائلة الاصلي, هذه الامكنة مختلفة بوضوح. ونتيجة لهذه الحقيقة, فإن من الصعب علي ان اكتب ولو جدولا مختصرا بالتواريخ الهامة في حياتي. انا بلا مدينة, ام, وهذه مسألة جوهرية. ولابد من اعتبارها في المقام الاول. ان الشعور برهاب الوطن (والخوف من بيت الاهل) الذي يتدفق في اساس عواطفي يمكن ان يعزى الى تلك الخلفية. انني انفر من اي شيء يأخذ قيمته واهميته من الاستقرار والثبات) . ان قصة (الشرنقة الحمراء) تعبر عن مسألة الانخلاع من الجذور, وبالتالي تدفع القارئ الى التشبث بأصوله وتقاليده ما دام هذا القارئ عنصرا اساسيا في بناء الرواية اليابانية وتكاملها. الراوي ـ بطل هذه القصة ـ لا يرى داعيا مقنعا لاستمرار الحياة, وهو عازم على ان يشنق نفسه بسرور اذا استطاع ان يفهم لماذا هو بلا بيت. وربما نسي بكل بساطة البيت الذي يخصه, او هكذا يتصور. ومع ذلك, فهو لا يتذكر ولا يعرف اية معالم محددة عن ذلك البيت. ثم تجري القصة في سرد حالم حين يتمسك الرجل بطرف (خيط حرير دبق) ويروح يلفه حوله بادئا من ساقه, وكأنه يتسلى او يحاول الهروب من حالته البائسة. لكن الخيط الحريري يواصل التفافه من تلقاء ذاته, فيصير شرنقة تحيط بالرجل الشقي المتضائل حتى يختفي تماما داخلها. عندئذ يقول بارتياح لانجلو في سخرية: (نعم, لي الان بيت. ولكن لا وجود لي حتى اعود اليه) ولعله في ذلك يصل الى قمة التعبير عن اغترابه. وهو يسعى جاهدا لتأمين مكان خاص به في المجتمع لكنه يفقد نفسه في نهاية المطاف. ورغم التكثيف الواضح وانعدام التطور في بناء القصة, فهي تعبر عن الاستلاب الذي يعانيه هذا الانسان. ويوشك ان يكون هذا الهاجس موضوعة (قيمة) اعماله كلها. فالرواية القصيرة (الجدار ـ جريمة السيد س. كارما) التي نال عليها جائزة (اكتا جاوا) الخاصة بالادباء الشباب, و(غرير في برج بابل) و (الطبشورة السحرية), جميع هذه الاعمال وغيرها تعالج موضوع التحول الذي انتهت به قصة (الشرنقة). جامع الحشرات لعل رواية (امرأة في الرمال) اروع ما كتب آبيه. الشخصية المحورية (ن. جومي) معلم يهودي جمع الحشرات التي تعيش في الرمال, لأنه مولع بتأمل حركة الرمال التي لا تعرف الاستقرار كما انه مهتم بعدم ملاءمتها للحياة. هاجسه العلمي ان يستكشف اسرار حياة الحشرات في بيئة قاحلة محرومة من جميع اسباب الحياة. لكن السخرية لا تكتمل الا بعد ان يقع جومبي ذاته في مصيدة الرمال ويتحول الى ما يشبه الحشرة وتخبطاتها الدائبة المستميتة للخروج من تلك المصيدة, رغم وجود امرأة الى جانبه, انما بالاكراه. وهو يتساءل ما اذا كانت الشروط المستقرة لا غنى عنها اطلاقا من اجل الوجود, فيقول متابعا المنطق العلمي ذاته, رغم السخرية المبطنة: (الا تنشأ هناك منافسة بغيضة وذلك بسبب دقيق هو ان احدها يتشبث بوضعه الثابت؟) كانت هذه الفكرة تجول في ذهنه حين مضى باحثا عن نماذج من خنافس الرمال في منطقة بعيدة معزولة. ومع مجيء الليل سأل ابناء قرية مجاورة عن مكان يبيت فيه فأنزلوه الى حفرة عميقة في الرمال على سلم من الحبال, وحين رفعوا السلم ادرك انه وقع في الشرك, وبخاصة بعدان استقبلته امرأة في الثلاثين من عمرها. انطلاقا من عنوان الرواية, وامام هذه المفاجأة الجميلة يتصور القارئ ان قصة حب رومانسية سوف تبدأ بين الرجل والمرأة. لكن الكاتب المبدع يمضي في نسج روايته وكأنه عالم بارد الاعصاب يرصد سلوك حشرة وقعت في اسر شروط جديدة منافية للحياة. كانت المرأة منسجمة مع حياتها الرملية وشروطها القاسية, فهي تعرف كيف تعيش وكيف تنظف كوخها الرملي وكيف تحصل على الماء والطعام وسائر ضروريات الحياة, بينما كان هم الرجل ان يخرج من الشرك وينجو بنفسه. وهو يستخدم معها اللين والقسوة والاحتيال, العلم والغريزة, وكل ما يستطيع انما بلا جدوى. ومع ان القرية مليئة بالناس, الا ان الكاتب ركز على الحفرة الرملية وما يجري فيها. هنا رجل وامرأة. واذا كانت المرأة واحدة من ابناء تلك القرية, وهي تحلم ان تبني حياتها الجديدة في اسرة جديدة مع هذا الرجل الغريب الاطوار والذي قابل مودتها ولطفها بكل عنف وشراسة, فإن الرجل ـ على ما يبدو ـ كان عاجزا عن التكيف مع شروط البيئة الطارئة, وهو لا يتخلى عن مقاومة هذه الشروط الا في حالة العجز والاستسلام. ان الكاتب البارع يكثف القضية, مع هذين الزوجين ـ ولو بالاكراه ـ وفي هذه الحفرة الضيقة المهدودة بحركة الرمال, وكأنه يبحث في جوهر التجربة الانسانية في عالمنا المعاصر واختزالها الى اقصى حدود الرمز هل يستطيع الانسان ان يعيش كحشرة في رمل متحرك؟ ولكن يبدو ان هذه الحالة, رغم قسوتها المجازية, لا تختلف عن الحياة اليومية لكثير من البشر الا بالدرجة, وليس بشروطها الجوهرية. الموضوع واقعي الى حد مرعب, وهو في الوقت ذاته سوريالي ولا معقول الى درجة تثير الضحك والاشفاق معا. ان من يقرأ الرواية بأناة الدارس المتأمل, وهي مترجمة الى العربية, سوف يكتشف فيها ابعادا اجتماعية وجنسية وميتافيزيقية جديرة بالمتابعة, فضلا عن البعد النفسي والوجودي. ان الانظمة البوليسية التعسفية جعلت من الانسان اقل من حشرة في حفرة من رمل. ولا من عزاء للرجل هنا الا المرأة, ولا من عزاء للمرأة الا هذا الرجل الدونكيشوتي الحالم والعاجز في الوقت ذاته. القناع بعد سنتين من انجاز كتابه (امرأة الرمال) في 1962, كتب رواية جديدة بعنوان (وجه الاخر), كما اعاد صياغتها في مسرحية, وهي تحكي قصة رجل تعرض وجهه للتشوه اثر قيامه بتجربة كيميائية في مختبر, لذلك لجأ الى صنع قناع واقعي دقيق كأنه وجه انسان اخر. لكنه لم يكن وجها مستعارا وحسب, انما شخصية مستعارة بكل معنى الكلمة. فحين يضع القناع تبدأ معاناته من ازمة الهوية. ولا تقف المعاناة عند هذا الحد من التشوش والالتباس, لكن القناع كان يكشف له حقائق وممارسات غير محببة في المجتمع الحديث كان ينبغي ان تبقى مستورة, ربما لأن ذلك افضل. يبدأ العمل بثلاث مذكرات, او ثلاثة دفاتر ملحوظات, متروكة في شقة سكنية خالية تنتظر القارئ, ثم نكتشف بعد ذلك ان هناك قارئة, وهي زوجة البطل.. الراوي ذاته, لأنها الضحية الرئيسية لذلك القناع طوال الشهور الماضية. وكانت هذه المرأة قد نفرت من زوجها بعد الحادثة ورفضته, ثم وقعت في غواية الوجه المستعار, وكأنه رجل اخر ومن دون ان تدري, وتضم المذكرات شرحا وافيا اشبه ما يكون بالاعتذار او الدفاع عن النفس, ولعل اهم شيء في تلك المذكرات ما كان يعانيه الراوي من كرب وألم مبرح, وبخاصة في تلك اللحظات من الغيرة القاتلة وهو يقوم بدور مزدوج: دور الزوج المحب ودور الاخر الفاسق الذي يرتكب الغواية وينتهك الشرف. واسلوب الكاتب في هذه الرواية محير: هل يدعو القارئ الى التكيف مع الوضع الجديد المخزي ام يدفعه الى اليأس والرفض؟ انه يهز وجدان القارئ من الاعماق, فالتشوهات والانحرافات الظاهرة على سطح الحياة والسلوك والتي نحاول اخفاءها سرعان ما تتغلغل في الاعماق فتشوه الشخصية من الداخل بكل قيمها ومبادئها. هذا يعني ان الرواية مزعجة اكثر مما هي ممتعة. وهناك تعليقات اقرب ما تكون الى الصفعات الجارحة: (ربما كانت عملية الكتابة غير ضرورية الا عندما لا يحدث اي شيء) . ومع ذلك, نمر بجمل مكثفة تشبه الشعارات: (روح الرجل في جلده) او نقرأ تشبيهات ساخرة وصادمة في الوقت ذاته: (ان لبس القناع اشبه ما يكون بحالة الاستيلاء على البيت كله حين تؤجر غرفة واحدة منه) ولكن, بعيدا عن تلك الومضات المبثوثة في فقرات متباعدة, فإن الرواية تشكل هجوما على المجتمع الحديث مشحونا بالمرارة والاستنكار. انه مجتمع غارق في الزيف والنفاق وهو عاجز عن رؤية ما يجري تحت المظاهر الخادعة. الاصدقاء في مسرحية (الاصدقاء) 1967 يذكرنا آبيه بمسرح بيرانديللو, ولاسيما مسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف). وكان يمكنه ان يسمي مسرحيته (ثمانية اقارب يبحثون عن تاسع) لو كان من هواة التقليد, لكن العالمين مختلفان. هنا يصور الكاتب عائلة محبة للخير الى حدود غير مقبولة, وافرادها يسعون الى مصادقة شاب اعزب ومساعدته, كل على طريقته. ومن خلال الاحداث الجارية والتدخلات الطفيلية المزعجة يعكرون حياته ويدفعونها الى التمزق والدمار فلا يكتفون باغواء خطيبته وتجريح كرامته, لكنهم يدفعونه الى الموت المبكر, انهم اشباح الماضي: ذكريات الوحدات العائلية المتشابكة باحكام والتي لا تزال تنتاب ابن المدينة في احلام يقظته وكأنه مسكون بها ولا يستطيع الخلاص. ان فشل البطل في ابعادهم عنه وتحاشى خطرهم يعني في بعض دلالاته ان المؤلف يعترف انه غير قادر على الدفاع عن فكرته في التعبير عن (حالة الانخلاع) التي تشكل هاجسه المتكرر. ولعلنا نتذكر هنا مقولة سارتر (الجحيم هي الآخرون) ! وكوبو آبيه يتابع نظريته فيرى ان اليهود يمثلون ابرز ظواهر الانخلاع وانعدام الجذور, انهم يمثلون (شرور المدينة: يهاجمون الريف وينتهكون طرائق الحياة القديمة) وكادوا يتهمونه بمعاداة السامية لأنه قال: (اسرائيل اختراع حديث) وهذا يعني انها اختراع استعماري حديث, لكن الكاتب كان مشغولا بنظريته الادبية ولم يكن يتحدث في السياسة. كانت عينه وقلبه متجهان الى بلاده وتاريخ بلاده. فهو يرى ان ثمة توترا واضحا بين الريف والمدينة, وخاصة في عهد الامبراطور ميجي (1868 ـ 1912) حيث سيطر ملاكو الارض في المقاطعات على المدن ومقدراتها. المتاهة لم يكن آبيه من انصار القصص البوليسي, لكنه كان يقترب من ضفافه, في قصته (الخريطة التالفة) 1967 يرصد حياة العزلة والضياع في المدينة المعاصرة بأسلوب بوليسي مثير, وان كانت الحبكة ابعد ما تكون عن الخط البوليسي. بطل القصة من الشرطة السرية يقوم بمهمة خاصة لتحديد المكان الذي كان فيه رجل مفقود. ولا يعرف عنه الا انه متزوج, وليس لديه من دلائل غير جريدة متجعدة وعلبة فيها نوعان من الكبريت. ان الرجل واحد من آلاف الناس الذين تبتلعهم المدينة من دون ان يتركوا وراءهم اي اثر: لاجثة ولاجريمة ولا دافع من اي نوع كان. وفي سلسلة من الاحداث التي تشبه الاحلام, يختفي سكان المدينة ولا يبقى الا الابنية على حالها. ثم لا يلبث رجل البوليس ان يختفي ايضا. وفي قصة اخرى (داخل عصر الجليد الرابع) يقترب كثيرا من قصص الخيال العلمي. البروفيسور كاتسومي يكتشف ان هناك مؤسسة حكومية تقوم بشراء عدد كبير من الاجنة البشرية. وحتى زوجته لم تسلم من ذلك المشروع السري, اذ تم اجهاضها ايضا. يتابع الرجل تحرياته فيرى ان المشروع يهدف الى تكييف هذه الكائنات البشرية لكي تعيش تحت الماء حتى سن الثامنة, اي بما يشبه خياشيم الاسماك عوضا عن رئات البشر. والتطوير يتم من مرحلة الجنين. وقد تبين له ان المشروع لم يقتصر على البشر, بل جرى تطوير عدة انواع من الحيوانات كذلك. لم يكن هدف الكاتب ان يصدم القارئ ويدفعه الى التفكير بمصيره الانساني, وخاصة بعد كارثة هيروشيما, انما يرمي الى ابعد من ذلك. ان الارض معرضة لكارثة مدمرة ولابد من البحث بجد عن شروط جديدة وتكييف الانسان معها. (الموعد السري) 1977 هي الرواية الهامة التالية لامرأة الرمال. وهي تركز على استراق السمع بدل اختلاس النظر في قصص اخرى. هناك مستشفى زرعت غرفة بأجهزة الارسال السرية للاستماع الى احاديث المرضى وتسجيلها في بنك من المعلومات والمسجلات التي لا تتوقف ابدا. ورغم تسلل البطل واطلاعه على هذه المعلومات, فهو يظل عاجزا عن اقتفاء اثر زوجته التي اختفت نهائيا مثل اختفاء الزوج في (الخريطة التالفة). اخيرا, اتوقف مع (الطبشورة السحرية). وهي قصة رسام لا يملك اي شيء, وقد باع كل ما لديه ليعيش في غرفة كالزنزانة مساحتها لا تزيد على تسعة تسع اقدام مربعة, وليس فيها غير كرسي, في احدى الليالي, تعثر اصابعه على طبشورة حمراء في جيبه فيبدأ برسم تفاحة كبيرة وسكين ورغيف وفنجان قهوة على الحائط, ثم ينام وهو جائع, لكنه يصحو فجأة على صوت ارتطام الفنجان بالارض ويشم رائحة القهوة الشهية, ويفاجأ بأن رسومه تحولت الى حقيقة, ويبدأ حياة جديدة لا تخلو من ترف في مدينة من رسمه بلا بشر, وهنا تخطر له المرأة فيرسم حواء, لكنها تسارع وتخطف الطبشورة من يده وترسم مسدسا يعجز عن اقناعها بالتخلي عن فكرة القتل. وكان هو ضحيتها. صوت الطلقة ينبه الجيران فيحيطون باب الغرفة ولكنهم لا يجدون فيها غير الكرسي ورسوم على الجدار, منها صورة حواء وصورته, لقد ابتلعه الجدار الذي حاول ان يقتات برسومه عليه. وتنتهي القصة بغمغمة متسربة من رسوم الجدار: (ليست الطبشورة هي التي تعيد تشكيل العالم..) ثم تسقط دمعة من عينه. ولعل اجمل تعليق على اعمال كوبو آبيه ورد في مقالة كتبها الروائي المشهور (يوكيو ميشيما) اذ قال: (ان نسبة الرطوبة قليلة جدا في رواياته, الرطوبة المتوافرة في مضمون الادب الياباني التقليدي) .