ملاذ ومتنفس ومنبر, هي ابعاد ثلاثة تمثل قمة ما يحلم به الموهوب في اولى خطوات الدرب. انه يكتب الشعر او القصة او حتى الخاطرة, يخربش على اوراق دفتره الخاص منذ سنوات وعيه المبكرة, لكنه اليوم يبحث عن بقعة ضوء مغايرة لا تنحبس, فيها ميوله وآماله.، وبما ان وسائل الاعلام هي المرتع الاوسع انتشارا في الوصول الى الاخر, اي اخر من غير تحديد للفئات والاعمار, نرى الموهوبين والموهوبات يطمعون في ايجاد موطئ قدم لهم في احدى الزوايا او الصفحات. وتأمل بسيط وسريع للصحافة في دولة الامارات جرائد ومجلات يضعنا امام فسحات لا بأس بها تتلقف الابداعات وتبرزها فهل تكفي هذه الخطوة؟ كثير من الناشئة يشكون اهمال فئتهم العمرية وهي شكوى تسمع في جهات العالم الاربع, ولعلها ذات نبرة اعلى في الوطن العربي, حيث تلصق بهم اغان لا تعبر في نهاية المطاف عن افكارهم واحوالهم رغم نعتها السلبي بـ (الشبابية) ومعظم المؤسسات تتبنى مشروعات تخاطب الطفل او المرأة وتزداد الفجوة اتساعا ويضيق خناق الوصاية على الشباب حتى كدنا لا ندرك غاياتهم الا بترداد اصوات العجائز او اصحاب خريف العمر في احسن حال. وان كان سؤال الفرصة المتاحة للشباب لا يعنينا بذاته في هذا المقال, فإننا سنحاول البحث في الابواب المفتوحة او الموصدة امام المواهب التي غفل عنها المبدعون المشغولون بهمومهم وذواتهم, او التي اهملتها المؤسسات المعنية تربويا وتنشيئيا فراحت تتقلص الدائرة في نقص جعل الساحة الابداعية شحيحة, والاجيال مختصرة ومنغلقة الى حد كبير. وقد يكون مجديا ان ننتظر شهر مارس المقبل لنلمس عن قرب نتائج الدورة الاولى من (مسابقة الشعر العربي الفصيح لفئة الشباب) التي اطلقتها دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة في اليوم العالمي للشعر, وحققت ريادة تخصيص مسابقة منفصلة ثقافية لمن تتراوح اعمارهم ما بين 18 و 23 سنة, مع عدم اغفال وجود فروع من مسابقات محلية قد تستوعب المواهب الشابة لكن بحيز ضئيل اجمالا. المشرف على صفحة (مساحة للرأي) في جريدة (البيان) سيد طنطاوي اعطى الصفحة مهمة التواصل مع القارئ, معبرا ان (لها قراءها, غير ان مشاكلها تبدأ مع القائم عليها والمفترض ان يوجه القارئ والمساهم. وتعتمد اساسا على الرأي والشكاوى والخدمات, وتشتمل على الابداعات بغية تحقيق شيء من التوازن والتنوع حسب الميول الادبية والاجتماعية والشبابية. ولها دور مهم جدا يجب ان تؤديه, خاصة اذا كان لدى القائمين عليها وعي باحتياجات القراء مع تعدد وسائل الجذب الاخرى, هناك بعض المواد التي لا ننشرها لأن لكل جريدة وجهة نظر خاصة وعلى المشرف ان يكون صحفيا موهوبا وعلى علم وقدرة في تقييم ما يصل اليه, فالصفحة ليست صفحة نفايات) . ويضيف طنطاوي ان هناك مواطنين ومواطنات بنسبة كبيرة يكتبون في الصفحة القادرة على النهوض بعملية توجيه عبر الرد على الرسائل او الادلاء بالنصيحة بشأن تقنيات الصياغة, وبناء على ما ينشره طنطاوي, فإنه يجد ان المواطنات اشجع كثيرا ولهن آراؤهن الخاصة ويرغبن في اثبات ذواتهن. (الباب مفتوح امام المواهب والانتقاء للافضل من حيث الفكرة والاسلوب والجدية) يقول وائل الجشي المشرف على (واحة الخليج) , ثمة رسائل كثيرة من الموهوبين فيها استهتار حتى على مستوى طريقة العرض والتقديم. ولمحرر الصفحة مواصفات معينة يجب ان يتحلى بها وهي المقدرة الادبية والابداعية والثقافية للتمييز بين الصحيح والخطأ فيما هو مطروح, اضافة الى حس ادبي من اجل توجيه صاحب الموهبة مع الحفاظ على شخصيته وليس اعادة الكتابة, اعتقد ان المساحة الاسبوعية للمواهب ليست كافية تماما واليومية تعني عبئا اكبر واحتمال تراجع المستوى عبر تسكير المساحات, مع العلم ان مبدأ العلاقات الشخصية مرفوض وتفرض المناسبة نفسها, احيانا فتحظى بالاولوية. عموما احاول الا يشعر القارئ ان مستوى الصفحة متدن, وبشأن وجود هذه الصفحات في صحف الامارات الثلاث الرئيسية ناهيك عن الاذاعة فأظن انه اهتمام ملحوظ بالمواهب, الا ان عددا ممن يكتبون قد يأخذهم الغرور مقتنعين بأن ما يفعلونه ممتاز فيستاؤون لو تم التعديل او الشطب, واقول ان صاحب الموهبة يتطور مع القدرة على تقبل الملاحظات وقد رفدت صفحات الابداع الساحة في الماضي باسماء عديدة) . ويتابع الجشي موضحا ان الفتيات لديهن اهتمامات كتابية اكثر وحماسة اعلى بشكل عام. تقليد مطلوب من جريدة (الاتحاد) يعتبر عيسى الطنيجي محرر صفحة (رأي الناس) انها للمواهب في المقام الاول وليست للمشاكل كما يدعى البعض ويعلق قائلا (صحيح انها تثير اشياء كثيرة قد يستفيد منها الصحفي في تحقيقاته, الا انها خرجت العديد من الكتاب في السنوات الفائتة واصبحت لهم اعمدة خاصة في الجريدة, وتجاوز مستوى كتابة البعض كتابات المحررين. ان هذه الصفحات تشجع المواهب وتستخرجها فنتساءل اين كانت هذه الكتابات والرسومات الكاريكاتورية والصور الفوتوغرافية؟ ومع ذلك اظن ان المساحات غير كافية حتى الان, نريد ان نرتقي بالصفحة ولا نطبق ما يطلبه الجمهور ولا يجب ان نجامل المستويات المتدنية. وفيما يخص الغرور كل ما نقدر عليه التحكم بهذا الشعور في الكتابة وليس في النفس ولو لمسنا اهدافا واهواء شخصية فإننا نحد منها ونوقفها عند حدها, اننا مثل المسرح المدرسي الذي يحاول صناعة ممثل مع اختلاف الوسائل لصناعة كاتب, نتمنى زيادة عدد الصفحات الخاصة بالقراء لأنها تكاد تكون الثانية من حيث الاقبال بعد الصفحة الاولى, وقد اجرت احدى الطالبات في جامعة الامارات في وقت سابق احصائية بينت هذه الحقيقة, ولو الغيت هذه الصفحات ستقل نسبة مبيعات الصحف. (صفحات المواهب والقراء اصبحت غالبا تقليدا مطلوبا للمؤسسة الصحفية) تبادر ايمان محمد مشرفة صفحة (اصوات) في مجلة (الصدى) وتواصل بايضاح ان (ليس هناك استيعاب للمواهب بقدر ما هناك مساحة يجب ان تخصص للقراء احتراما لهم لمعرفة كيف يفكرون ويتفاعلون مع المطبوعة, انها صفحة لصالح القارئ والمؤسسة معا وهي تكشف عن المواهب الجديدة الشابة, اذ ان معظم الموجودين في الساحة من كبار السن ولا دماء شابة وهي بهذا المعنى احدى فرص البروز والاخذ باليد, ربما تكون العملية غير مدروسة لملء المساحات, وفي الوقت ذاته لا معايير محددة للقائم على الصفحة, ثمة مادة تتناسب مع المطروح عدا المعايير الادبية والابداعية, ان الصفحة تحفز على الكتابة وتكسر حاجز الخوف, كما ان النشر غير خاضع لأي دعم شخصي او معرفة مسبقة والقائم على ذلك عليه ان يكون دقيقا في اعطاء الملاحظة حتى لا يصيب القارئ بالاحباط فيقطع الصلة مع المجلة او الجريدة نهائية, اما فيما يخص عملية التمييز او التفضيل فهي شيء محمود وتشجيعي للكتاب الناشئين. مسابقات الاصوات الابداعية والشابة لا شك انها بحاجة الى رعاية واهتمام.. والبحث فيها عن التمييز لدفعه والسير به قدما نحو معايير التألق والتجويد يقول عبدالفتاح صبري المسئول عن نادي القصة والشعر للمواهب في اتحاد ادباء وكتاب الامارات والاصوات الاخرى الباحثة عن دربها بحاجة ايضا الى تنويرها واقالة عثراتها, والتنبيه على مواضيع الوهن وحثها لجهة التمسك بتقنيات الفن وشرطه ومساقاته لغرض الامساك بمشروعها والتعرف عليه سواء كان ذلك شعرا او قصة.. الخ. والاندية المتخصصة والمهتمة بهذه الفنون عليها مسئولية تجاه هؤلاء سواء من الناحية التنويرية لهم وكشف سبل الاخذ بالمعايير لغرض التجويد والانطلاق او لغرض الكشف عنهم وتقديمهم للساحة الثقافية كرديف لجيل سبق في ذات المجال الابداعي.. وايضا هناك الصفحات المهتمة بابداع هؤلاء في الصحف اليومية. وعن الصحف رأى انها في لحظتها الحالية فقدت دورها في مساعدة هؤلاء الشباب الجدد.. وبالطبع يعود ذلك الى التمدد تجاه اهتمامات اخرى تفرضها حركة المجتمع او كما تتخيل سياسات التحرير التي باتت تساهم في عملية التهميش الثقافي والانصراف عن التأسيس او قطع يد المعونة الى شباب واعد يتطلع للخطوات الواثقة نحو ابداعه. وان كان احيانا يتم النشر على استحياء, دون البحث من قبل متخصص يضع رأيا في ايجاز قد يفيد تجربة جديدة, هذا الدور كانت تقوم به الصفحات الثقافية والصفحات المتخصصة لهؤلاء في فترات سابقة كانت اكثر زمن في صعودها الثقافي. ومن الملفت في تجربة الصحف بعامة والاندية المتخصصة بالرعاية كنادي القصة التابع لاتحاد كتاب وادباء الامارات وكذلك نادي الشعر ـ وكلاهما انشئ لنفس الغرض ـ هو غياب منهجية في التعامل مع المبدع من ناحية ولاقتفاء التواصل مع هذا المبدع الذي يغيب بتعمد ويستحي لاسبابه عن طرق الباب ومن هنا يفقد الاهتمام والرعاية. ولكن اذا ما حاولنا القياس او البحث عن الاسباب لتلمس الاخطاء او القصور فلابد من التنبه الى اسباب الازمة التي تعرض مجمل الحركة الثقافية بالمجتمع وايضا هزال الحراك الثقافي في الفترة الآنية وذلك مرده الى عوامل كثيرة ومتشابكة ومتصلة بمجمل الاحباطات المسودة للانطلاق والناجمة عن زهول الفرد في حركته اليومية اذاء هذه المتغيرات الكبرى في محيطه الاجتماعي والاقتصادي مما اثر على اتساقه واسباب تفاعله مع المناشط الثقافية المختلفة بالاضافة الى بطء تفاعل الفرد ضمن المراكز المهتمة لمعوقات اخرى تعود لآلية العمل بها لانها في حقيقتها تخضع للعمل التطوعي والذي بات يتعرض لكثير من الهدوء لبلاده وتحكم الروتين الذي يسيطر على فعل هذه المراكز فتفقد العمل التطوعي بريقه اذاء ضغوط الحياة الاخرى ايضا او بالمقابل زيادة بريق بعض المنافذ الاخرى التي تساهم في تسرب الحركة والناس اليها بعيدا عن تيار الابداع والثقافة الذي يزداد تهميشا. ومن هنا يأتي ضعف هذه الاندية في تقديم وابراز يد العون الحقيقية تجاه مبدع, او شاب مهتم ولكنه لا يحضر الانشطة بانتظام او يستعجل الطريق فيجد ان هذه الاندية لن تقدم له ما يريده, ورغم ذلك فإن نادي القصة ساهم في رقد الساحة الثقافية في سنواته الاخيرة بمبدعين تجاوزوا البدايات وانطلقوا الى عالم التجويد والابداع فحصروا جوائز على مدار ثلاث دورات جائزة الشارقة للايداع. الاصدار الاول التي تنظمها دائرة الثقافة والاعلام كما نال اعضاء النادي على مدار دورات متعاقبة جوائز في مسابقة غانم غباش) التي ينظمها اتحاد كتاب وادباء الامارات وكذلك مسابقات اخرى مثل مسابقة مجلة الصدى الدورة الاولى. ولكن يمكن في محاولة للنهوض ضمن اطر اخرى متصلة بالمشروع الثقافي ككل يجب الالتفات الى انه من المهم ان تحاول الصحف وهذه رسالتها تجاه المجتمع وهؤلاء فرد مساحة مستديمة وتخصيص من يتنادل نماذج بالتحليل لفرض الفائدة وهكذا فعلت الصحافة العربية في ازمان سابقة فكانت شيئا هاما للتشجيع والكشف عن المواهب. كما على الاندية المتخصصة الاهتمام بمنهج يساهم بفعالية في دفع هؤلاء المبدعين للتواصل معها والاستفادة من طاقات المكان والمهتمين وايضا تقديمهم الى الصفحات الثقافية تشجيعا لهم. ومن المهم لهذه الاندية عمل نوع من النتسيق الجهدي للنماذج بين التجارب المتنوعة واثراء حركة التواصل. تحقيق: رندة العزير