الغربة والاغتراب من الحالات الماثلة في سيمات الكثير من الكتابات شرقية كانت ام غربية, تبدأ من احساس فلسفي عبر اسئلة وجودية محورية في رؤوس المفكرين والمبدعين, ولا تنتهي عند تفصيلات الحنين والمشاعر الانسانية التي نعدو وراءها وقد لا نلتقط منها سوى القلق وآثار اقدام تائهة. وكاتبنا الياباني كوبو آبيه عايش غربته الخاصة وحولها عامة عبر قصص وروايات واقعية الى حد مرعب وسوريالية جانحة في الخيال. فهل يمكن تصور حال (امرأة في الرمال) وذلك الاخر الذي اضطر للبقاء في حفرة كحشرة نستعيد معها رواية فرانز كافكا (المسخ) , فهل اصعب من التحول الى حشرة محبوسة في صدفيتها لا تنفع معها اية محاولة للمقاومة والتغلب على واقعها؟ نقرأ في عددنا الحالي نبذة طويلة عن حياة وكتابات آبيه الياباني المتنوع الصادم في ملاحظاته وافكاره. يقابلها موضوع عن الاسباني خوان رامون خيمنيث الذي بدأ شاعرا ولما يتجاوز العشرين, وكتب مئة وثلاثين فصلا عنه وعن حماره, هو الشخص القادم من قرية صغيرة محمل بذكريات العلاقات الدافئة الذي اختار (بلاتيرو) في صبره وترميزه للحياة الطبيعية والبراءة وازمنة ولت. وفي حديثنا عن السينما الجزائرية نتنبه لالتزامها وجديتها, هي التي انشغلت بثورة المليون شهيد واقتاتت عليها في اعوام حبوها الاولى حتى وصلت ابواب المهرجانات العالمية فطرقتها بقوة واقتحمت حائزة على جوائز قد تشكل في حدها الادنى دافعا حقيقيا لنتعاطى كمشرقيين معها, تلك السينما التي تخرج من احدى جهاتنا وتلتفت الى جهات اخرى لأن بوصلتنا غير قابلة للالتواء والتحرك ولو قليلا صوب ذاتها. حجة اللهجة آخذة بالتلاشي حين نعلم ان الاعلان نفسه صاحب لافتة تكريس لهجات دون اخرى, فهل تبرعت يوما احدى محطاتنا لعرض مقاطع من افلام آتية من المغرب؟ وهل جربنا ان نقحم احد هذه الافلام بين زحمة الاعمال الصالحة والطالحة التي تستهلكها شاشات قاعات العروض عندنا؟ وهل كتب علينا ان ننتهز فرصة اقامة مهرجانات سينمائية حتى نشاهد بضعة نماذج, ام سنكتفي كما العادة بتدريب حاسة السمع لتناقل اسماء المخرجين او تدوير اعيننا في قراءات نقدية او مجرد عرض لمحتوى هو في الاساس ثقافة بصرية راقية؟ وفي اطار الفن السابع, نقرأ عن الصراع الذي نشب بين السينما والمسرح وفوقية هذا النوع من الفنون في بداية علاقة اتسمت بالكراهية في الولايات المتحدة, الى ان استطاعت الشاشة الكبيرة الاختراق الفعلي واثبات حضورها مع استعانة ملحوظة بالنصوص المسرحية الى فترات قريبة. يبدو ان الفنون بقدر ما تتقارب تتباعد, فرغم ان الموسيقى تنصب نفسها لغة عالمية تقفز كل الحدود والحواجز, فانها في احدى زواياها انفعالات خاصة تعكسها الاجواء الفلكلورية التي هي جزء من طبائع وعادات الشعوب والتي تجعلنا نتوقف برهة امام صفات تتكرر مثل (العالمية) و(العولمة) و(التهديد بالتغريب) . وفي (تشكيل) اسبوعنا لفتة الى الفن السوداني الغارق في بلد بحجم قارة لنتعرف على احدى الاسماء اللامعة التي مارست فن الرسم والخط واستمر حضور شهرتها على قدر حضور السودان الاعلامي الترويجي, لتعود قضية المركز والاطراف للبروز في قدرتها على تشكيل وعينا الثقافي ومعلوماتنا عن القريب قبل البعيد, فهي ليست مجرد اعادة طرح ما استنفد نفسه بقدر ما هي دعوة لاستعادة صورتنا ومراقبة جزئياتها وما سقط منا وعنا سهوا او عن قصد. قد تكون اصدق رسالة للابداع هي ان يقول المبدع كلمته ويمشي, ولكن الى اين وكيف, اذا ما توقع مسبقا ان قلة قليلة ان هي ليست نادرة تلك التي ستحاول التنقيب وراءه وخلف ما تركه طائعا او مرغما؟ ان دور الاعلام والاعلام الثقافي بدقة اكبر يتضاعف كلما الغيت المسافات وتصادمت الحضارات وعلت جدران المنع والقمع والوصاية!. البيان الثقافي