التاريخ ملك للجميع, كما يقولون.. منه نستقي تجاربنا, ومن معينه نغترف العبر والدروس.. نكتب عنه, وله.. ونعيد التمحيص والتدقيق, ان كنا شواهد عصر, او هواة تحقيق فنقرأ قراءة مقارنة, ونعرف الخطأ والصواب, ونشيد بالمؤرخ او نهاجمه, (فهو الذي ابتدأ المنازلة) حيث شهر سيف فكره, ودخل بوابة الماضي المشرعة امام الحاضر بكل رحابة. من يكتب التاريخ..؟ المتخصص فقط,ام الراغب ايضا؟ وهل يحق لمن شاء ان يفعل, ام انه حكر على المحترفين فقط؟ هنا.. يجب من ساهموا في كتابة التاريخ, ولم يكونوا مؤرخين, بل عشاق بحث واستدلال.. اعطوا ما لديهم, ثم رحلوا عن عالمنا, لتبقى بصماتهم واضحة ومنيرة. محمود شيت خطاب, من رجال العراق البارزين.. سياسي, وعسكري, ووزير, ومؤرخ, ومناضل ساهم في حرب مارس 1991 ضد الانجليز.. وكان له حديث ذكريات طويل. يحدثنا عنه الدكتور شكري محمود نديم, الذي زامله عدة عقود من الزمن, منذ تشاركا في مقاعد الدراسة الاعدادية, ودخلا الكلية العسكرية سنة 1937.. يقول: كان خطاب في صنف الخيالة حين تخرج من الكلية العسكرية ,1938 كتب في التاريخ, واشتهر فيه, ولقي اول كتبه (الرسول القائد), الذي نشره في سنة 1958 رواجا كبيرا, وطبع عدة مرات, وانتشر عربيا. اعقبه بكتب اخرى جاوز عددها الستين كتابا, ولذيوع اسمه في الوطن العربي, عرف ككاتب لكثير من المقالات السياسية والفكرية, وتولى في سنة 1963 منصب وزير البلديات, وانتخب عضوا في المجتمع العلمي العراقي خلال الفترة (1963 ـ 1996), وهو عضو في مجامع اللغة العربية في القاهرة وعمان ودمشق, بالاضافة الى عضوية في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي لرابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة. انه مؤرخ فاضل, رغم انه ليس بمحترف للتاريخ, لكن التاريخ ملك لنا, وليس لأحد حق الوصاية عليه, لذا يكتب فيه من يعرف كيف يستخرج مكنونه بصدق واخلاص. هل للهندسة علاقة بالتاريخ؟ من يقول لا.. سنقول له ان احمد نسيم سوسه (احدهم) فهو حكيم من ارض بابل, ابصر النور منذ قرن, ولد على دين اليهودية, في اسرة وصفها المرحوم بأنها (عريقة الاصل, عربية, يمانية).. ومات (مسلما مهديا). وقد كتب في مذكراته التي صدرت بعد اربع سنوات من وفاته, عن تأملاته الفكرية في بلاده (ام الرافدين), ودينه ومعتقده واستعداده الفطري لاعتناق الاسلام. يحدثنا عنه الدكتور عماد الجواهري, من جامعة القادسية في العراق, فيقول: لقد درس المرحوم في الجامعة الامريكية ببيروت وفيها تفتقت مواهبه الاولى ففازت خطبته (التضحية اساس النهضة) بجائزة (زهرة الاداب) سنة 1925. ثم اكمل دراسته في الولايات المتحدة الامريكية, ليحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية, وشهادتي الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي. ولم يطل اغترابه, فعاد الى وطنه العراق. ودخل المهندس الشاب التاريخ من بوابتين واسعين, احداهما: ادبية ثقافية تاريخية, والثانية علمية فنية هندسية. لقد طرح مهندسنا نفسه على الوسط الثقافي, بقوة اثارت جدلا لم ينته من خلال العديد من المقالات والمحاضرات, التي توجها في بداية حياته الثقافية بكتابه العجيب (في طريقي الى الاسلام) بجزأين, صدر اولهما في القاهرة ,1936 والثاني في النجف الاشرف سنة 1938. ويضيف البروفيسور عماد الجواهري: انه في مؤلفات (سوسة) تبرز ظاهرة مهمة, هي تداخل الجوانب الفنية التطبيقية بالجوانب التاريخية والقانونية. فقد كتب في الفنون الادبية (القصة, الرواية, المقالة, المذكرات), وكتب في التراث الجغرافي العربي, وتاريخ الاقوام والاديان, والتاريخ الحضاري, والاعلام. وكتب في الفنون الهندسية والحقوق والمشكلات القانونية التاريخية والمعاصرة. واذا اجملنا عطاءه فإنه يزيد على الـ 200 مطبوع ومخطوط وبحث ودراسة. ومن كتبه المهمة (العرب واليهود في التاريخ) الذي طبع خمس مرات, و(ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق), و(حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور), و (حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين). وقد نستعرض كتبه فنطيل ولا نوجز, مما يستدعي صفحات طوال. وللطب ايضا حضوره في كتابة التاريخ, فقد كان الدكتور كمال السامرائي (مواليد 1914), استاذا في الطب وباحثا ومؤلفا ومحققا وكاتبا. وقد عشق مهنته, وتخصصه في (امراض النساء), لكنه عشق ايضا تاريخ الطب, فكان اول كتبه (الامراض النسوية في التاريخ القديم واخبارها في التاريخ الحديث), لتتوالى بعده كتبه التاريخية والبحثية. ويحدثنا عنه الدكتور الجراح محمد خضر العاني, فيقول: لم يكن اهتمامه بكتب التاريخ فقط, بل حقق كتاب (خلق الانسان) لمؤلفه سعد بن هبة الله بن الحسين (436 هـ), ثم جاء اهم كتبه واثمنها واكبرها قيمة, وهو (المختصر في تاريخ الطب العربي) بجزأين, واعيد طبعه عدة مرات. ثم حقق كتاب (النافع في كيفية تعليم صناعة الطب), لمؤلفه علي بن رضوان المصري, الذي عاش في ايام الدولة الفاطمية (339 هـ ـ 1008م) ولابد ان اتحدث عن كتابه (مختصر تاريخ الطب العربي).. فهذا المختصر الذي يقع في جزأين, يتناول الاول منهما حقائق وفولكلوريات في الطب القديم, ثم الطب في حضارات قبل الاسلام, ثم طب العرب قبل الاسلام وفي فجر الاسلام وعصر الراشدين, ثم الطب والاطباء في العصر الاموي, وفي اقطار الخلافة العباسية, وفي بلاد تونس, اما الجزء الثاني فكان عن الطب في مصر العربية الاسلامية وبلاد الشام والجزيرة, والطب في الاندلس والمغرب, والطب العربي في اوروبا اللاتينية, ثم العلوم الطبية عند العرب.. وفيها بحث عن كليات الطب والعلوم السريرية وعلم الادوية والسموم واحكام النجوم, والقوى السحرية في الطب العربي وطرق العلاج. وكتب في الباب الثالث عشر عن تعليم الطب وممارسته عن العرب, والبحث العلمي, وشخصية الطبيب العربي وسلوكه المهني. ويقول الدكتور العاني: اما مذكراته فلا اجمل منها, وقد نشرها في بداية التسعينيات, واسماها (حديث الثمانين), وتقع في ثلاثة اجزاء, وفيها فصول عن علاقته بالعائلة المالكة في بغداد, حيث كان طبيب العائلة الملكية.. ويتناول اهم الاحداث التي مرت عليه هناك. تبقى علامة اخيرة لابد ان تذكر عنه, فقد بلغ شغفه بالقراءة والكتابة والاطلاع حدا لا يوصف. وفي السنين الاخيرة كان يشكو لي من انه لا يستطيع الجلوس لفترة طويلة للقراءة, فنصحته بأن يقلل منها, وكان رده بشدة (الا هذه يا محمد) خذ مني كل شيء في حياتي الا القراءة, فهي حياتي كلها, لذا فقد رضي بـ (فترات استراحة) بين اشواط القراءة.. وبعدها فترات رياضة! ولقد جمع مكتبة ضخمة, ملأت جدران غرفة كاملة في داره, عدا ما كان مبعثرا هنا وهناك. واهدى هذه المكتبة بكاملها الى دار الكتب الوطنية في سنة ,1996 برغبته, وفي حياته.. وكان يجد لذة ما بعدها لذة, وهو يحدثني عن اللجنة المؤلفة لهذا الغرض, التي تجرد محتوياتها, فهو لم يتركها لتهدى من بعده, او لتباع على ارصفة شارع المتنبي. ولقد احسنت دار الكتب صنعا حين (حنطت) مكتبة السامرائي تحنيطا جميلا. بغداد ـ البيان