عبر مسيرة طويلة تمتد لأكثر من اربعين عاما في الاشتغال الادبي الذي كانت ثمراته العديد من الروايات والمجاميع القصصية التي بشرت بمرحلة مهمة في الرواية العراقية, وهي مرحلة جيل الستينيات, عبر هذه المسيرة استطاع الروائي والقاص العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي، ان ينقل الرواية العراقية من مشروعها المحلي الى الفضاء العربي, وحققت رواياته, وعلى وجه الخصوص (الوشم) و(الانهار) و(القمر والاسوار) و(الوكر) نجاحا لافتا حيث صدرت بعض هذه الاعمال لأكثر من ثلاث طبعات في دول مختلفة.. وللربيعي اشتغالات ثانية غير الرواية والقصة القصيرة, وهي اشتغالات مجاورة مثل كتابته للشعر (قصيدة النثر تحديدا), وكذلك عنايته بالكتابة الصحفية التي لا تخلو من نقد, اضافة الى تخصصه الاكاديمي في الرسم. عبدالرحمن مجيد الربيعي زار عمان مؤخرا حيث القى شهادة في دارة الفنون بعنوان (الخروج من بيت الطاعة.. ايضا), وعلى هامش زيارته هذه سجلنا معه الحوار التالي: * ثمة فكرة شائعة تقول: ان الرواية هي فن ادبي عرفه العراق متأخرا, ولذلك بدت الرواية العراقية ضعيفة ازاء اشغال ادبية اخرى. كيف ترسم صورة للرواية العراقية وما ملامحها؟ ـ ان الادب العربي عموما عرف الرواية متأخرا اذا ما قيس باوروبا, واذا كان ـ مثلما هو متفق عليه ـ ان اقدم نصا عربيا هو (زينب) ويعود الى عام 1906 كما اعتقد, فيما اقدم نص في العراق هو (الرواية الايقاظية) لسليمان فيضي وكتبت عام ,1919 والعمل مزيج بين الرواية والمسرحية, لأن فكرة التجنيس الادبي لم تكن واضحة انذاك.. ومن المعروف ان مصر الثلاثينيات والاربعينيات كانت تطلق على المسرحية تسمية رواية, ولم يأخذ المصطلح معناه الواضح الا في الخمسينيات ونجد ان محمود احمد السيد لديه روايات وهناك روايات تأسيسية, ومن هنا قيمتها, مثل روايات ذو النون ايوب وعبدالحق فاضل, وخاصة روايته (مجنونان), ولكني اعتقد ان الرواية العراقية بدأت تكرس وتتأكد على يد جيل الستينيات. ثم ان هناك خلطا في التواريخ, لأن بعض كتاب القصة القصيرة في الخمسينيات عادوا في الثمانينيات ولكن بصفتهم روائيين هذه المرة!, ومع ذلك, فإنهم بعودتهم ومجيئهم هذا يكونون قد اشتغلوا على ارض مؤسسة بروايات ذات فنية عالية ونالت صدى نقديا كبيرا يكاد يكون استثنائيا, وقد اقتربت مرحلة هؤلاء بأعمال روائية شبابية بدءا من الثمانينيات الى يومنا هذا. واعتقد ان مرحلة الحرب العراقية الايرانية وخصوصا من عاشها مجندا على ساحات الحرب فإنه قد عاش تجربة ثقيلة ومرعبة لم يعرفها اي بلد عربي اخر, ربما عاشها الكتاب الاوروبيون الذين عانوا ويلات الحربين العالميتين. * وهل استطاع هؤلاء الكتاب ان يكتبوا رواية مميزة عن الحرب؟ ـ اتمنى ان تكتب روايات لا تظهر الجندي الذي لا يقهر على طريقة الروايات السوفييتية التي كانت تصدرها دار التقدم وترمى بعد ذاك!, اتمنى ان تظهر روايات عن الحرب تكشف عن الانسان بكل ما فيه, بضعفه وقوته, وبأسئلته وتساؤلاته, هذه الرواية التي اتحدث عنها مازالت مفتقدة بشكل او بآخر. * ماذا عن معاركك مع بعض الشخصيات الثقافية والادبية المعروفة؟ ـ هي ليست معارك, انها كتابات تأتي في سياقات وليست كتابات من اجل الكتابة فقط, وغالبا هي من اجل تصحيح اخطاء ومحاولة اظهار المشهد على عكس ما هو عليه, وبالتالي فاننا مطالبون, ككتاب, بأن نكشف هذه الحقائق عندما تصبح اشبه بالحقيقة امام الاخرين لأنها وبمرور السنوات سوف تكرس اذا لم تفضح, فأدونيس مثلا كذب في اشياء كثيرة وعلينا ان نصحح ما ادعى, خاصة بعد ان وصل الى مرحلة التأليه, اما سعدي يوسف فكان بالامكان الا اكتب عنه شيئا واتركه مع سجونه الصحراوية التي امضى فيها سنوات طويلة ولكنه استفزني عندما كتب كلاما (لئيما) عن البياتي فكان عليّ ان اقول له من انت.. اما التكرلي ـ فكما تعلم ـ هو من جيل سبقني وحياته الادبية هي مسلسل من الكذب ومحاولة استغفال بعض الصحفيين الصغار واظهار نفسه بعيدا عن التفاصيل وهو موغل فيها, وكان المنطلق بالنسبة لي ايضا ما كتبه عن البياتي. * اذن, دافعت عن شاعر في الوقت الذي كان على الشعراء ان يرفعوا اصواتهم لا سارد مثلك؟ ـ لان الكثيرين كما نقول بالعراقي (يتكفون الشر) ويعتبرون من مات قد مات وانتهى وانهم لم يعودوا يربحوا منه شيئا وعليهم الجري وراء الاحياء. كل الذين كتبوا عن البياتي مهاجمين كانوا امامه ازلاء يطأطئون رؤوسهم مثل سعدي يوسف وفؤاد التكرلي بشكل خاص, فلماذا يستأسدون عليه ميتا؟ * في كتاب الشاعر العراقي فاضل العزاوي (الروح الحية) عرض للكثير من الملاحظات عن جيل الستينيات وقد كتب بعضهم عن ذلك معترضا.. والسؤال: من الذي على حق: من قرأ الكتاب ام من ألفه؟ ـ كتب العزاوي كتابه هذا عن جيل الستينيات وفق رؤيته الشخصية ولكني كنت اتمنى الا يكون ذاتيا الى درجة جعله في نفسه المحور, ثم ان هناك مغالطات كبيرة حفل بها الكتاب. * هل هذا هو رأيك نفسه على كتاب الشاعر سامي مهدي (الموجة الصاخبة)؟ ـ برغم ملاحظاتي الشخصية على الكتاب فإنه حاول ان يكون موضوعيا وهو يناقش اثر جيل الستينيات ايضا, لقد حاول سامي مهدي ان يعطي للأخرين ادوارهم ومواقعهم, ولكن بالنتيجة لا كتاب فاضل العزاوي ولا كتاب سامي مهدي كانا كافيين لتقديم صورة جيدة عن جيل الستينيات. وحتى مجلة (فراديس) عندما اصدرت عددا خاصا عن الجيل وكذلك كتاب عبدالقادر الجنابي (انفرادات) الذي كرسه لقصيدة النثر العراقي قد وقعا في ما لا يحمد عقباه مثل الاسماء التي وردت في المجلة والكتاب, وكانت اسماء جل قيمتها في القيمة التوثيقية فقط. واعتقد ان اهمية جيل الستينيات جاءت من كونه جيلا طرح نصوصا مغايرة خرجت على السائد وحاولت ان تحدث ما يشبه انقلابا في الكتابة العراقية, قصة ونقدا وشعرا ومسرحا وحتى في الفنون التشكيلية. ولهذا كانت حركة هذا الجيل حركة متكاملة بكل معنى الكلمة. * اخيرا, ما الذي حصدته بعد هذه الغربة الطويلة بعيدا عن العراق؟ ـ دائما اقول بأن وجودي في بلدان عربية لا يمكن ان نسميه اغترابا لأنني عندما اكون في بيروت او في تونس او في القاهرة فإنني اشعر وكأني في العراق, والاغتراب مسألة لا يحسها الا من كان يعيش في بلد اوروبي حيث اللغة غير اللغة وسحنة الوجوه غيرها وايقاع الحياة مختلف اضافة للعادات والتقاليد وحتى الطعام والشراب والثياب, ومن هنا فإن اغلب الاصدقاء الذين يعيشون في بلدان اوروبية لم يستطيعوا ان يدخلوا في هذه المجتمعات وظلوا على الهامش وشكلوا مجتمعهم الخاص. وعندما غادرت باتجاه تونس فانني ذهبت الى بلد اعرفه ولي فيه صداقات عديدة وسبق ان نشرت فيه عددا من كتبي ابتداء من سنة 1972 ودرست كتبي في جامعاته, وعندما ارتبطت بزوجتي القاصة التونسية رشيدة الشارني فقد وجدت نفسي ادخل تدريجيا لأكون جزءا من الحركة الثقافية التونسية بتفاصيلها مثل كوني عضوا في اتحاد الكتاب التي تصدرها وزارة الثقافة, وانا اكتب ما اريد وانشر في اي مكان اريد على مدى حوالي 12 سنة ولم يأتيني احد ويقول لي: لماذا كتبت هذا؟! وهذه شهادة اسجلها لتونس, لأن الكاتب بدون حرية لا يستطيع ان يكتب وما دام هنالك خوف فإن اليد سترتجف قبل ان تخط اي كلمة. عمان ـ عبدالخالق كيطان