قليلة هي المخلوقات التي تثير الرعب في نفوس البشر مثلما تفضله اسماك القرش. لكن الحقيقة الواقعية التي لا جدال عليها وتؤكدها الارقام والاحصائيات المختصة بأن اعداد البشر الذين يموتون نتيجة لسعات النحل هم اكثر ممن يقضون بين انياب القرش, اضف لذلك ان فرص مواجهة الانسان لسمكة قرش تتضاءل كل يوم مع تناقص اعدادها في معظم الشواطئ التي يقصدها زوار البحر للسباحة. على كل حال فهذا ليس هو الوضع على طول سواحل كوازولو ناتال في جنوب افريقيا حيث المناخ المعتدل والمياه الدافئة لا تجتذب آلافا من السياح فحسب وانما ثلاثة انواع من اخطر انواع القرش واشرسها الى الشواطئ وهي القرش الابيض الضخم وقرش النمر وقرش الثور او كما يعرف محليا باسم زامبيزي. وشواطئ كوازولوناتال ممتلئة اليوم بالمصطافين على عكس ما كانت عليه عام 1958 بعدما اصبح يعرف هناك باسم سبتمبر الاسود حينما هاجمت اسماك القرش 4 اشخاص وقتلت اثنين منهم خلال 13 يوما فقط. حينها تحول منتجعا اوفونجو ومارجريت الشهيرين الى بلدتي اشباح بعد ان اندلعت هستيريا الخوف من القرش. ولم تجد السلطات التي ارادت ان تبدو وهي تتخذ اي اجراء ازاء ذلك سوى ان تزيد من حالة الخوف حينما اوكلت لاحدى كاسحات الالغام مهمة اطلاق متفجرات وقنابل يدوية في المياه لقتل اسماك القرش. كذلك طويلا ما كان ينظر لمدينة دوربان الساحلية على بعد 140 كيلومترا الى الشمال باعتبارها موئلا جهنميا للقرش. وقامت السلطات عام 1952 بالقاء سلاسل من شباك القرش امام الشواطئ المحلية بعد نجاح تجربة مماثلة في مدينة سيدني الاسترالية بمنع هجمات القرش على المصطافين, ومنذ ذلك العام لم تشهد شواطئ دوربان اي حادث خطير بسبب اسماك القرش. وظل الحال على ذلك في شواطئ اوفونجو ومارجريت حتى عام 1958 التي لم تكن بها شباك لمنع القرش من الدخول لكن سبتمبر الاسود اثار الذعر بين الاهالي نتيجة لشراسة الهجمات وحدوث وفيات. ولهذا قامت السلطات اوائل الستينيات بمد شباك القرش على طول الشواطئ, وعلى الرغم من ان تلك الشباك لم تمنع هجمات القرش نهائيا الا انها خفضت عددها الى حد كبير. وحينما شهدت شواطئ ايزيبنجو المجاورة ايضا حوادث مشابهة عام 1989 شن الاهالي حملة احتجاجات واسعة لاجبار الحكومة على اتخاذ اجراءات مشابه كما في الشواطئ الاخرى, لكن الامر احتاج لهجوم قاتل عام 1995 حتى وافقت السلطات على تركيز شباك للقرش امام شواطئ ايزيبنجو. ومنذ عام 1964 اوكلت مهمة الاشراف على هذه الشباك وصيانتها وتشغيلها لهيئة ناتال لأسماك القرش او ما كان يعرف سابقا باسم هيئة ناتال لاجراءات مقاومة القرش. وكان ذلك الاسم حينها غريبا وكان القرش هو عدو للأمة يجب مقاومته. لكن اللجنة تطورت فكريا الان بحيث اصبحت هيئة ابحاث ودراسات خاصة باسماك القرش وتحظى باحترام عالمي واسع وتقوم بدور مهم في توعية العامة. يقول كبير العلماء في الهيئة الدكتور دادلي شيلدون: (هيئة ناتال للقرش هي مؤسسة غير عادية بطبيعتها. اذ ان صيد اسماك القرش والدراسات الخاصة بها هما مهمتان منفصلتان تقوم بهما مؤسسات مختلفة. لكن في حالة هيئتنا فاننا مسئولون عن المهمتين) . واحدى المهام الرئيسية للهيئة اليوم هي العناية بتسعة وثلاثين كيلومترا من الشباك المحدودة تحت سطح الماء لمنع اسماك القرش من دخول الشواطئ الضحلة. ويقول شيلدون بأن هذه الشباك نجحت بتخفيض حوادث هجوم القرش بنسبة 90 في المئة على مدى السنوات الماضية. وكل صباح ينطلق 19 زورقا خفيفا الى المياه لصيانة الشباك, ولا يوجد على سواحل كوازولو ناتال سوى مرفأين فقط, الامر الذي يعني ان العاملين في الهيئة عليهم المناورة بزوارقهم الصغيرة في مياه المحيط الغادرة. وبالتالي فهي ليست بمهنة ضعاف القلوب. يقول احد الغواصين: (دائما ما يواجهنا البحر بتحديات مختلفة. اعمل غواصا في الهيئة منذ 15 عاما ولم يكن هناك يوم مثل الاخر. لكن حينما يكون احدنا فوق مياه البحر المتلألئة بأشعة الشمس وحوله سرب من الدلافين تتسابق زورقه فإنه يكون مطمئنا الى ان يومه مهما كان صعبا فهو اجمل من يوم يمضيه المرء داخل المكتب. وطوال سنوات عملها كانت سياسة الهيئة هي ان يقوم الغواصون بتحرير اسماك القرش العالقة في الشباك اذا ما كانت لاتزال على قيد الحياة حين العثور عليها وهذا يتضمن اخطر اسماك القرش. ويعتقد الغواصون ان الوقوع في احد الشباك سيكون تجربة مريرة للقرش بحيث لا يحتمل لأي قرش ان يعود الى المنطقة بعد تحريره فما بالك بالنسبة للعودة ومهاجمة شخص ما. لكن الا يمكن ان يأتي اليوم الذي يمكن فيه للقرش والانسان ان يتعايشا؟ يعتقد شيلدون ان بمقدورهما ذلك, على الرغم من ان هذا لا يعني عدم وقوع حوادث من نوع ما مطلقا. يقول شيلدون: (الغالبية العظمى من انواع القرش لا تعتبر خطرة على الانسان. وحتى تلك التي يمكن ان تهاجم الانسان فهي نادرا ما تفعل ذلك) . واذا ما اراد المصطاف السلامة فهناك بضعة نصائح تقدمها له هيئة ناتال للقرش: اسبح داخل المنطقة المحاطة بالشباك. لا تسبح عند الفجر او الغروب او في الظلام حيث يكون القرش في قمة نشاطه. لا تسبح وحيدا او قرب مصب نهر حيث يكون قرش زامبيزي يحوم في المكان على الاغلب. والاهم من ذلك كله لا تسبح وانت تعاني من جرح غير مندمل تماما في جسدك, لأنك بذلك تكون كمن يرسل اشارات الى كل القروش في المنطقة تقول فيها بأنك موجود. جلال الخليل