جاءني حاملا في يده صحيفة مطوية على صفحة مفتوحة وفي عينيه طلب أفصح عنه سؤاله الذي فاجأني: ـ هل أجد معك مبلغا من المال تقرضني إياه لحين ميسرة؟ قلت وقد أخذت الأمر على محمل الجد لعلمي بأن محدثي عزيز النفس لن يدفعه إلى طلب من هذا النوع سوى حاجة ملحة أو ظرف قاهر: * حبا وكرامة يا صديقي.. وأرجو ألا يكون قد حاق بك أو بأحد من الأسرة الكريمة مكروه. قال متجاهلا تعليقي وقد لاحظ أنني أنظر إلى الجريدة المطوية في يده في فضول لم أستطع اخفاءه: ـ طالما أنك مستعد لتلبية طلبي فأرجو أن يكون المبلغ المطلوب متوفرا لديك, وإلا قضيت ـ في المهد ـ على حلم ما زلت أعيشه منذ ساعات الصباح الأولى لهذا اليوم الذي لا أعرف كيف ستكون نهايته. قلت وملامح يوم غير عادي تتشكل أمامي وخيوط قصة توقعت أن تكون طريفة تنسج في هدوء وروية: * لا أعتقد انك تجهل حدود المبلغ الذي تسمح به إمكاناتي.. أما إذا تجاوز المبلغ المطلوب هذه الحدود فسنفكر معا في طريقة نستطيع بها تجاوز هذه الأزمة, وليس أقرب إلى أيدينا من البنوك التي تفتح أذرعها لذوي الاضطرار المنكسرة قلوبهم والخاوية جيوبهم من أمثالنا. فتح الجريدة المطوية في يده وأخذ وضع الاستعداد للقراءة ثم قال دون أن ينظر في وجهي: ـ مليون وسبعمئة وخمسون ألف دولار أمريكي فقط!! فتحت عينيّ على آخرهما وفغرت فاهي دهشة بينما واصل صديقي ـ الذي يبدو انه لم يعد صديقي ـ كلامه قائلا دون أن يعيرني اهتماما: ـ اسمع يا عزيزي: (لظرف خاص قصر فخم أشبه بقصور الممثلين في هوليوود مقام على أرض واسعة عبارة عن غابة كثيفة من الأشجار النادرة وحدائق الورود ومسطحات النجيل الأخضر مع بركة سباحة كبيرة مدفأة خارجية وجاكوزي عائلي كبير خارجي وتراسات صيفية مطلة على أجمل المناظر من غابات البلوط والصنوبر, محاط بالقصور الفاخرة. القصر حديث البناء وبتشطيبات من الدرجة الأولى الممتازة, وفي أجمل جبال ومناطق ..... أرقى ضواحي العاصمة ..... منطقة القصور الملكية العامرة وسكن كبار رجال الأعمال في ..... القصر مفروش بالكامل من أرقى وكبرى دور المفروشات الأمريكية والأوروبية ومخازن التحف المتخصصة. البيع بالفرش أو بدون فرش والتسليم حالا. السعر المطلوب مليون وسبعمئة وخمسون ألف دولار أمريكي مفروش بالكامل (أقل من سعره الحقيقي بمليون دولار). للجادين فقط/ (عنوان المكتب العقاري الوسيط). كما يوجد لدينا العديد من القصور والفلل الفاخرة والشقق الطابقية الفخمة والقصور الريفية مع مزارع كبيرة وغيرها من الفرص الاستثمارية الحقيقية في ..... تصلح لكبار رجال الأعمال العرب وعائلاتهم) . انتهى صاحبي من قراءة الموضوع (الاعلان) ثم نظر في وجهي الذي ما زالت معالم الدهشة بادية عليه, ووضع الصحيفة جانبا منتظرا تعليقي بعد أن تأكد من براعته في تمثيل الدور مستغلا عنصر المفاجأة راميا الكرة في ملعبي. مرت دقيقتان أو ثلاث دقائق من الصمت تمكنت خلالها من تجاوز مرحلة الدهشة واستعادة زمام الأمور لأتوجه بعدها لصاحبي قائلا: * سوف أفترض انك جاد في طلبك رغم ما يحتمله الموضوع من هزلية أو فانتازيا مقبولة, وسأمضي معك حتى آخر الشوط. هب أنك قد تمكنت - بطريقة أو بأخرى - من توفير المبلغ المطلوب وشراء القصر المعروض للبيع بـ (أقل من سعره الحقيقي بمليون دولار) فهل فكرت في الأشياء الأخرى التي يجب أن تتغير من حولك؟ نظر صاحبي إلي وفي عينيه تساؤل أوحى لي بأنني قد نقلت الدهشة إلى ملعبه فأكملت قائلا: * عليك أولا أن تغير وظيفتك إذ لا يليق أبدا بمن يسكن قصرا كهذا أن يكون موظفا عاديا في مثل درجتك, وربما كان منصب وزير قليلا عليه, وغالبا ما يجب أن يكون أميرا أو صاحب أملاك أو رجل أعمال من الوزن الثقيل (احتراسا من كفلاء محلات الخياطة والبقالات وخدمة تغيير زيوت السيارات). وبعد ذلك عليك تغيير الوسط الذي تختلط به, بمعنى أن تغير عاداتك الاجتماعية, فلا يليق بك مثلا أن تكون من رواد المقاهي الشعبية ومطاعم الأرصفة إذ ستجد نفسك مدعوا لسهرات من نوع خاص ومستوى معين عليك أن تلبيها وترد بمثلها. ثم عليك بعد ذلك ألا تترك نفسك على سجيتها إذ سوف تصبح مرصودا وستجد من يحصي عليك أنفاسك ويراقب حركاتك وسكناتك, وستكون هدفا مثاليا لحسد الحاسدين وحقد الحاقدين ومكائد ذوي النفوس الدنيئة والمتسلقين وأعداء كل ذي نعمة أو جاه. اتسعت دائرة الدهشة على وجه صاحبي وكأني به لم يكن متوقعا المنحى الذي اتخذه الحديث فوجدتها فرصة لمزيد من الطرق على الحديد الساخن وتصعيد الهجوم بعد أن وجدت في الجالس أمامي آذانا صاغية - كما يقال - فأكملت: * ثم من قال لك ان سكان القصور هم بالضرورة أسعد حالا من الذين خارج أسوارها؟ تأكد يا عزيزي ان الألم غالبا ما يكون بحجم السعادة التي يتصور الناس أنك تنعم بها. وأن الحرمان في جانب بقدر العطاء الذي يمن الله به عليك في جانب آخر. ألم تسمع عن أولئك الذين أغدق الله عليهم من نعيم المال وحرمهم من نعمة الولد أو ابتلاهم - وقانا الله وإياكم - بداء عضال لا شفاء منه؟ سوف أروي لك قصة معروفة ربما كنت قد سمعتها عن الممثل الشهير أنور وجدي طالما أن قصر أحلامك شبيه بقصور الممثلين. لقد بدأ هذا الممثل حياته بالعمل (كومبارسا) في الأفلام, وظل فترة ليست بالقصيرة مغمورا وضاقت به السبل حتى أن أياما كانت تمر عليه لا يجد فيها ثمن الطعام إلى الدرجة التي وقف فيها ذات يوم أمام محل لبيع الفول ووضع يده في جيوبه يفتش عن قرش لشراء طبق فول فلم يجد وغادر المكان متحسرا ليبيت ليلته دون طعام يحلم بطبق الفول الذي حرم منه لضيق ذات يده. ثم دارت الأيام دورتها وأصبح أنور وجدي أشهر نجوم عصره وأتت إليه الدنيا منقادة فامتلك القصور والخدم والمطابخ العامرة ولكن الله ابتلاه بمرض في معدته فمنعه الأطباء من الاقتراب من الأطعمة الدسمة والثقيلة وحرموا عليه أطايب الطعام ولم يعد بامكانه سوى أكل المسلوق الخالي من الدهون والأملاح والبهارات فغدا الممثل الشهير يطلب من طباخه أن يضع على المائدة جميع الأصناف التي يتمنى أكلها ثم يلقي عليها نظرة وينصرف إلى صحن الشوربة وطبق الخضار المسلوقة الذي لم يسمح له الأطباء بغيره ليذهب بعد ذلك إلى سريره ويبيت ليلته يحلم أيضا بالأطباق اللذيذة التي حرم منها بأمر الأطباء هذه المرة رغم الأموال التي امتلأت بها جيوبه. نظرت إلى صاحبي فإذا هو مطرق للأرض.. مرت لحظة صمت قام بعدها طاويا صحيفته مغلقة هذه المرة, وغادر المكان دون أن ينبس ببنت شفة.