أطرق بوابة الزمن الالكتروني من مثل قديم قلبته الأيام فأصبح بعد ادخاله ومعالجته من جديد يتماشى مع مفردات القاموس الذي يستخدمه الكثيرون الآن, المثل يقول بعد الحذف والاضافة (من فاكس الناس مات هما) فما بالك بالذي شاكسهم بالانترنت! ورغم ان موضوعنا ليس عن الناس أو عن مراقبتهم الا انني تعمدت ان أدخل من البوابة الالكترونية نظرا لقوتها وقدرتها الكبيرة على التحكم بمشاعرنا وتفاصيلنا الدقيقة, فكل همسة ولمسة أصبحت الكترونية, وكل الطرق غدت تؤدي حتما الى جهاز الكمبيوتر, ولهذا أطرق تلك البوابات المتلاحقة فماذا أجد؟ يبدو ان الوجوه اختلفت والافكار تغيرت والمشاعر المتدفقة الشفيفة تبدلت, واصبحت العواطف معلبة, والمساحة الكبيرة التي أفردها انسان القرن الماضي لراحته وهدوئه واستقراره النفسي انقلبت كليا, فلم تعد تلك المساحة متوفرة اليوم رغم ملايين الآلات والوسائل التي تحاول ان تعطي لانسان اليوم أبواباً للتسلية وكسر الوقت, حتى بدأ اغلبنا يتساءل اين هو الوقت! وحتى لا نغرق في تفاصيل يومية ندركها جميعاً أقف عند دراسة ألمانية حديثة نشرها معهد الدراسات الاجتماعية في مانهايم اشارت الى ان تسارع الحياة اليومية وتطعيمها بما هو آلي, وتحول الحالة الاجتماعية المعاشة الى حياة الكترونية افرز ظاهرة جديدة عند الألمان الا وهي التجهم. وأكدت الدراسة على ان الالمان الذين يبحثون دائما عما هو مفرح ومضحك فقدوا قابليتهم على الضحك خلال العقود الأخيرة, اذ تشير الدراسة الى ان الالماني الآن لا يضحك سوى 6 دقائق في اليوم مقارنة بألماني الخمسينيات الذي كان يضحك 18 دقيقة في اليوم. وتواصل الدراسة ان اسباب ذلك لا تعود الى تعقد الحياة الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة وازدياد حالات الطلاق والانفصال العاطفي الذي أحدثته الآلة فحسب, وانما بانخفاض روح النكتة وانحسار مصادرها الشعبية, والسؤال هل وقف الألمان عاجزين عن الضحك وتغذية مصادره بعد ان جفت وذبلت واصبحت باهتة؟! الاجابة بالتأكيد لم تعد نكتة عابرة, بل حقيقة واضحة, حيث بادر الألمان من خلال ايمانهم بضرورة النكتة وأهميتها للصحة والعافية والمزاج الجيد الى تشكيل نواد للضحك في 27 مدينة ألمانية من بينها ميونيخ وبرلين وفرانكفورت وكولون. وبعد تلك المبادرات الألمانية المثيرة لاضفاء مساحة من الحياة القديمة ولمسة من لمساتها الصادقة بدأ الكثير من الباحثين يتساءلون عن اسباب عدم جدية انسان اليوم في رسم الضحكة على الوجوه اللاهثة. ومن يقلب في الاوراق القديمة يجد ان ارسطو اثناء بحثه في المأساة تطرق الى الملهاة وافرد لها بحثا وهو يشير الى ان وظيفة المأساة والملهاة معا هي تطهير النفس, المأساة عن طريق اثارة الخوف والرحمة في النفوس, والملهاة عن طريق تبيان التشويه واجتنابه. كما ان عالم النفس الشهير فرويد اعتمد على الفن الكوميدي في دراسته للنكت, ومنها استدل الى بعض وظائف الضحك, وقد بدأ اهتمامه بالضحك مصادفة, ولم يخطر بباله قبلا ان يقوم بدراسته, الا ان ملاحظة من صديق له كان مهتما في ذلك الحين بعمله كشفت له أسرار النكتة من باب ان تفسيرات فرويد للاحلام تشبه النكت, وحتى يلقي بعض الضوء على ذلك الخاطر شرع فرويد في فحص النكت فوجد ان جوهرها كامن في الطرق الفنية المستخدمة فيها, وادى به ذلك الى البحث عن مصدر ذلك القدر الكبير من اللذة المستمدة من سماع نكتة ما فتبين انه يرجع الى التخلي مؤقتا عن بذل الجهد في الكبت نظرا الى ما في النكتة من اغراء بمنح جزء من اللذة. من هنا وجد الألمان انه لابد وسط تلك العزلة التكنولوجية ان ينعشوا الحياة بالنكتة ما حفز الالماني ميشائيل بيرجر لتأسيس أول ناد للضحك في بون قبل عدة أعوام, اذ يشير هذا البروفيسور من خلال دراساته إلى ان هناك علاقة بين الضحك وطول العمر بسبب حركة العضلات, اذ تسهم 27 عضلة من عضلات الوجه والرقبة في عملية الضحك وتحريك الدم الى خلايا الدماغ لانطلاق هرمون المزاج الجيد, موضحا ان الضحك لفترات يبلغ مجموعها 20 دقيقة في اليوم يساعد الانسان على مد حياته لثمانية اعوام اضافية! وكان التلفزيون الألماني قد عرض في هذا الاطار تقريرا مصورا عن سيكولوجية الضحك والعلاقة الوثيقة بين الصحة العامة والعمر المديد والضحك, ونصح الألمان المعروفين بجديتهم وضيق افقهم الفكاهي بضرورة الانشراح والضحك مدة 20 دقيقة يوميا لضمان استمرارهم في العمل, وطالبهم بالضحك اكثر من غيرهم في توالي اعمارهم. ومن خلال دراسة حديثة اتضح ان الالماني لا يضحك هذه الايام كمعدل اكثر من ست دقائق في اليوم مقابل الهندي او المصري او الانجليزي الذي يقضي زمنا طويلا من يومه في التندر والضحك. ورغم ان الألمان احتفلوا العام الماضي ولأول مرة بيوم الضحك العالمي الذي أعلنه الهنود منذ عقود, وحضره مختصون من الهند لتعليم 200 الماني فنون الضحك الا ان الهنود لم يفلحوا فيما يبدو في تعليمهم كثيرا من الضحك, وفي اعتقادي ان على الالمان ان يستعينوا بنجوم الكوميديا العرب لعل وعسى ان تفتح تلك الأفواه المغلقة مثلما تفتح بوابة علي بابا.