انسابت السيارة على الطريق المؤدية إلى المطار بطريقة سينمائية فيها كثير من الأكشن الساخن وسط هذا اللهيب الذي دفع الأولاد إلى اتخاذ قرارهم بتمضية الصيف في مسقط رأسهم. كانت الطريق خالية ظهيرة الجمعة إلا من سيارات الأجرة التي تجوب الطريق بكسل يدل على صيف لاهب بدأ يستيقظ وسرعان ما سيزيل الستائر ويفتح الشبابيك ويندلق أو يهجم شرسا طاردا الناس من الشوارع إلى نعومة - لا تنس أن تسقي الزرعات, كأس ماء للحوض الكبير, نصف كأس للحوض الصغير, الزرعة التي اشتريناها مؤخرا مكانها غير مناسب, ما رأيك أن تضعها تحت الضوء. - حاضر يا أبلة. الطريق إلى المطار كانت على غير عادتها منتصف الجمعة, ولا أثر يدل على المكان سوى هدير الطائرات التي تهبط أو تقلع وسط أصابع الصغار الممدودة تجاه جسم كبير لطائرة رابضة على مدرج بعيد ولم يكن سهلا الاجابة عن سؤال بريء (بابا كيف الطيارة بتطير؟) . - تذكر ألا تخلط الغسيل الملون بالغسيل الأبيض, ضع نصف فنجان من المنظف في الغسالة إذا كان الغسيل قليلا, وفنجانا كاملا إذا كان الغسيل كثيرا ولا تترك الغسيل تحت الشمس كثيرا وأقترح عليك أن تضع المنشر في غرفة الأولاد. - حاضر يا أبلة. الطريق أوشكت أن تنتهي وبقي أن تجد مكانا تركن فيه سيارتك, مكان شمسه قليلة وقريب من مدخل المطار, ولأن الأمر لم يكن متاحا, فقد كان عليك أن تغامر بعيدا لتمشي بعد ذلك حاسر الرأس تحت شمس منتصف يوم الجمعة إلى مدخل (المغادرون) قبل أن يستوقفك الشرطي, فتشرح له أن أولادك مسافرون وعليك أن تودعهم قبل أن يدخلوا صالة الترانزيت. - إياك أن تترك اسطوانة الغاز مفتوحة, أو أن تترك صنبور المياه دون احكام اغلاقه أو أن تنسى مكيف الصالون, ولا تنس تهوئة البيت كل صباح, ولا تدخن لأن رائحة الدخان ستعلق بالستائر وتخلص من فضلات الطعام أولا بأول لأنها تجلب الصراصير, ولا تسهر في دبي, وقُدّْ سيارتك بحذر.. - حاضر يا أ بلة. كانت الشاشات الموزعة في صالة المطار تدل على اقلاع الطائرة الآن, فانتظرت طويلا قبل مغادرة المطار, ثم توجهت إلى السيارة, كانت الشمس الحارقة قد نالت منها وحولتها إلى كتلة من الحريق الذي لم يقو المكيف على اطفائه إلا عندما وصلت إلى البيت متذكرا نصائحها قبل السفر, وفجأة قفز إلى ذهني سؤال متمرد: لماذا تعتقد المرأة ان الرجل لا يجيد العيش من دونها؟ وهكذا انشغلت طوال الليل في البحث عن اجابة لسؤال يطرحه الصيف كل سنة وقد عجزت الاجابة عنه هذا الصيف أيضا! ولكني في الصباح سارعت إلى سقاية أحواض الزرع وأغلقت اسطوانة الغاز وفتحت النوافذ لتهوئة البيت وأدخلت منشر الغسيل إلى غرفة الأولاد و.. و.. لقد فعلت كل ذلك بعفوية وبملء ارادتي كما يحدث في كل صيف. وفي الطريق المؤدية إلى العمل كانت الاجابة عن السؤال قد اتضحت تماما: ان المرأة تجيد فن العيش أفضل من الرجل لأنها تتصالح مع الحياة. حسين درويش