يقول أهل المعرفة بالانجليزية وأصولها ان الانجليزية لهجة من لهجات اللاتينية التي هي أصل اللغات الأوروبية الحديثة والتي من بينها أيضا الفرنسية والايطالية والألمانية, فالانجليزية إذن ماهي الا لهجة من اللاتينية تلك اللغة سريعة التحول والتطور لدرجة ان القارئ العارف بالانجليزية اليوم قد يصعب عليه قراءة ما كتب أديب الانجليز وشاعرهم الكبير شكسبير قبل ما لا يزيد على الثلاثة قرون او يقل, لا لشيء الا لأنها قد تغيرت وتبدلت في ظرف قرون ثلاثة هذا بالنسبة للانجليزية الباقية التي هي لغة العالم المتطور الذي نعيشه, فما بالك باللاتينية التي هي أصل للانجليزية وسواها من اللغات الأوروبية. ذلك هو الفارق العظيم بين العربية وغيرها فالعربية لغة باقية على أصولها لا يغيرها الزمن ولا تمحو اثارها صروف الايام, فأمامها تنهزم كل الدعوات والعداوات التي تصول عليها في كل عصر لكنها ما تلبث ان تزول وتبقى العربية صرحا شامخا. وما دمنا نتحدث عن اللغة نتساءل أوليس من العجيب ان يمتنع نص لشكسبير شاعر الأمس القريب بالنسبة لحقب الزمان الطويلة ويصعب على قارئه, ويسهل علينا نحن العرب ان نقرأ لامرئ القيس نصا مرّ عليه خمسة عشر قرنا ويزيد فلا نجد فيه صعوبة ولا حائلا دوننا ودونه الا مسميات بعض المناطق والأماكن والمقتنيات التي لابد ان تتغير اسماؤها بحكم الزمان وتغير الناس والقرون, اما لغة الشعر فهي باقية واضحة في أغلبها الا ما ندر فاذا صعب منها شيء فليس بسببها بل بسببنا نحن العرب الذين تخلينا عن لغتنا العربية قرونا طويلة وملنا الى العاميات الاقليمية لبعدنا عن كتاب العربية الاعظم قرآن الأمة وامامها المبين. لكننا لو عدنا الى ذلك الكتاب لما استغلق علينا من أشعار العرب قبل الاسلام شيء. ولاننا اغرقنا في العاميات تأصلت في لهجاتنا كلمات, ربما نشأت عن المشابهة في الكتابة بينها وبين العربية الفصحى مفارقات مضحكة. فلو سألت امرأة مصرية جامعية عن كلمة (العبيط) في قول امرئ القيس: تدار علينا بالسديف صحافها ويؤتى الينا بالعبيط المثمّل لقالت لك تلك المصرية (العبيط انته) فالعبيط عند المصريين الاهبل المعتوه, اما عند العرب الاوائل فهو اللحم من ذبيحة نحرت وليس فيها علة أو مرض! ولو أنك سألت امرأة اماراتية عن كلمة المفصل في قوله: اذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح المفصّل لقالت لك الاماراتية (المفصل) ذاك ثوبي الذي فصلته عند الخياط (بابوه) , اما مفصل امرئ القيس فهو الوشاح تشدّه المرأة على جسمها, وهو مفصل أي مرصع بالجواهر. ولو سألت أي عربي غير عليم بالفصحى عن الشنب في قوله: بثغر كمثل الاقحوان منور نقي الثنايا اشنب غير اثعل لقال لك عربي هذا الزمان الشنب مثل هذا الذي في وجهك, اما الشنب عند العرب فهو برودة في ثغر المرأة ورقة وصفاء, ولو سألت عربيا في سنة 2000 عن الرسم في قوله: وان شفائي عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معوّل لقال لك (الرسم) وهل قصم ظهورنا غير الرسوم التي ندفعها للدوائر والمؤسسات الحكومية صباح مساء, وما يدري ذلك ان الرسم عند العرب هو الأثر الباقي من الديار المهجورة. والقائمة من تلك الكلمات طويلة لاتنتهي وهي لا شك أضحت ألغازا متناقضة مع لغة هذا العصر الذي مال فيه الناس الى العامي السوقي من الكلام, ولكن الخوف كل الخوف على ما تبقى من العربية على لسان العرب في هذا العصر الذي زاحمت فيه العربية لغات ميتة غير الانجليزية كالهندية وسواها مما تعج به اسواقنا وشوارعنا ومؤسساتنا فهل نحن منتبهون؟!