فى طفولتى عرفت مجلة (سندباد) التى كانت تصدر عن دار المعارف, يحررها الأديب محمد سعيد العريان بلغة عربية رصينة, سهلة, ويرسم لوحاتها الفنان بيكار, كنت التهم أعدادها المحفوظة فى مجلدات أنيقة بمكتبة مدرسة الحسين الإعدادية, ومن قبل مدرسة عبدالرحمن كتخدا الابتدائية, عندما كانت كل مدرسة تحتوى على مكتبة عامرة, متجددة, وكانت حصة المطالعة أساسية, يترك فيها الطلاب بين صفوف الكتب, يقرأون مايريدون, وقد بطل ذلك مابقى عندى من مجلة سندباد لوحات الفنان بيكار, انها تمثل المرجعية الأولى لذاكرتى البصرية, لذاكرتي اللونية, ولكل إنسان ذاكرة بصرية تستمد مقوماتها من المشاهد التى انطبعت فى وعيه أول عمره, وحتى نعرف قيمة وأهمية الفن التشكيلى أقول ان هذه اللوحات الملونة الجميلة وخطوط بيكار السهلة الممتنعة حددت مجال رؤيتى لعامل ألف ليلة وليلة, ولشخصية سندباد فيما بعد. قرأت قصة سندباد مرات, فى البداية تلقيتها كقصص مثيرة لخيالى المتأجج, الجامح, مجموعة حواديت عن عوالم غريبة, وعن البحر فى العصور القديمة, كان محمد سعيد العريان يكتب النص ويرسمه بيكار, وكانت ريشته تجسد هذا العالم العجائبى, الزاخر, عدت فيما تلى ذلك من سنوات إلى قصص سندباد, واكتشفت فيها دلالات أعمق. هذه الحواديت أصبحت ذات أبعاد فلسفية, إنسانية, كونية, ويعكس ذلك علاقة الإنسان بالنصوص ونموها عبر مراحل العمر وتعددها عبر مستويات الفهم والادراك. الا أن الأمر الذى لم يتغير بالنسبة لسندباد, ملامحه وهيئته, وشكل السفينة التى كان يبحر بها, تماما كما رسمها بيكار, وحتى عندما رأيت السفن الشراعية العاملة حتى الآن بين الخليج العربى, والهند رأيتها فى البصرة فى الشارقة, فى دبى, فى عمان, كنت أتأمل أشكالها واستعيد الأشكال التى كان يرسمها بيكار. هكذا شكلت ريشة بيكار العناصر الأساسية لذاكرة أجيال متوالية. فقد توجه منذ البداية إلى مخاطبة أوسع قاعدة من الناس, لم ينعزل فى مرسمه كما فعل الكثيرون من الفنانين التشكيليين فى مصر, مما أدى إلى عزلتهم وعزلة فنونهم عن الناس. استطاع بيكار أن يحقق المعادلة الصعبة بين رقى الفن وجماهيريته, بالتأكيد ساعده عمله فى الصحافة على تحقيق ذلك, خاصة عندما عمل فى دار أخبار اليوم, وأصبح من كبار كتابها وفنانيها. للأسف لم أعرف هذا الفنان الكبير الا من خلال لقاءات عابرة, ومن خلال تعاون على البعد عندما أشرفت على سلسلة كتاب اليوم التي كان يصمم أغلفتها. فى عام ثمانين من القرن الماضى حصلت على جائزة الدولة التشجيعية فى الرواية وحصل هو على جائزة الدولة التقديرية فى الفنون, وربما كان جلوسى إلى جواره يوم استلام الجائزة من أطول الفترات التى أمضيتها معه خلال اللقاءات العابرة. يبدو بيكار إنسانا شديد الرقة, قوى الحضور. تماما كلوحاته, الصريحة فى ألوانها وخطوطها, متعددة الأبعاد فى أعماقها. يبدو خجولا, متواضعا, يأنس المرء إليه, والذين عرفوه عن قرب يتحدثون عن عذوبته, وعن تعدد مواهبه, استمعت إليه فى برنامج إذاعى يعزف على آلة البزق, وهى آلة وترية مستخدمة فى أجواء الموسيقى التركية, وكان من قبل عازفا للعود. كما عزف على آلة الجيتار, ويقول فى حوار معه ان الموسيقى رياضة بحتة, ولكن هذه الرياضة والحسابات والثوانى عبارة عن بناء من العواطف والمشاعر الإنسانية المشتركة, وإذا اقتصر عمل الموسيقى على الجانب الرياضى فحسب لكانت موسيقى بلا روح. يقول بيكار انه فى بداية اشتغاله بالصحافة, قال بعض أساتذة الفن انه نزل بالفن إلى مستوى الصحافة. والحقيقة أنه فعل العكس, إذ ارتقى سلم الفن والإنسانية معا فما أجملها رسالة أن يصل الفن الرفيع إلى أكبر قاعدة ممكنة من البشر. والحقيقة أن فن بيكار وصل إلى أكبر قاعدة من البشر ومعه روحه أيضا, تلك الروح السمحة, النقية, المحبة لكل ماهو جميل, لذلك كان من الطبيعى أن يكون فوزه بأرفع جائزة فى مصر, (جائزة مبارك) خبرا جميلا لكل محبيه ومحبى الفن والقيم الإنسانية الرفيعة. ** ولد حسين بيكار فى اليوم الثانى من شهر يناير 1913 فى حي الأنفوشى بالإسكندرية وتفتحت عيناه على شغل الأبرة والخياطة التى برعت فيها والدته حيث كان ذلك أحد مصادر الرزق المتاحة زمن الحرب العالمية الأولى. كانت علاقته بوالدته عميقة قوية. ومن خلالها عرف معانى الحب والوفاء والتضحية بالذات, رافقته فى ترحاله من مكان إلى آخر, من الإسكندرية إلى القاهرة, والى كل المدن التى عمل بها مدرسا فى جنوب مصر وشمالها. تخرج من الجامعة عام ثلاثة وثلاثين من القرن الماضى, وقضى سنة للحصول على شهادة الأهلية لتعليم الرسم, ثم عمل بالتدريس خلال المرحلتين الابتدائية والثانوية, وانتدب للتدريس بالمعهد الخليفى بتطوان المغربية. قضى فيها عدة سنوات وعاد فى عام اثنين واربعين ليعمل مساعدا للفنان أحمد صبرى بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة, ثم أصبح رئيسا للقسم الحر, ثم رئيسا للقسم النظامى, حتى تركه ليعمل فى دار أخبار اليوم عام تسعة وخمسين, ومازال بها حتى الآن. أمد الله فى عمره. وكانت علاقته بدار أخبار اليوم قد بدأت مع صدور الجريدة الجديدة عام أربعة وأربعين, ولكنه كان يجمع بين مهنة التدريس والصحافة إلى أن حسم أمره عام تسعة وخمسين وقرر التفرغ للصحافة. ** يؤمن بيكار برسالة مضمونها ضرورة توصيل أسرار الجمال إلى أوسع قاعدة ممكنة من البشر, ويضرب مثالا باللغة, أن اللغة أدة للتواصل بين البشر, لكنها على أيدى الأدباء يتم تهذيبها فتؤدى وظيفة أرقى, اللغة تنتقل وترتقي من الإشارة إلى الأدب ومن الصراخ السوقي إلى النص الأدبى ثم تشف وتتكثف فتصبح شعرا. هكذا نجد أن اللغة ترتقي عبر مراحل, من لغة الحياة اليومية إلى الشعر, وهكذا الفن. يقول بيكار ان رسالة الفنانين الحقيقية تقتضي الأخذ بين الناس فلا نفاجئهم أو نتجاهلهم, يتعامل الإنسان بالتدرج المعرفي مع الطفل حتى يصل إلى الادراك, والمعرفة لها خطوات, والتذوق أيضا له خطوات, أما عن اللغة الجمالية فى النحت والتصوير فهناك أعمال عظيمة لمايكل انجلو وليوناردو دافنشى معروضة فى الكنائس المفتوحة أمام جميع البشر, وتلك الأعمال لقوتها وعظمتها ينبهر بها الإنسان البسيط والمثقف والعالم, فالفنان يخاطب عددا أكبر, أما العبقرى فيخاطب الجميع. ولبيكار رأى سديد فيما يتعلق بالفن التجريدى, يقول ان فى مصر نسبة أمية مرتفعة هل نخاطبهم بلغة معقدة مثل الفوازير أم بلغة يدركون أسرارها ومفاتيحها؟, ماذا نقول لهم؟, تلك هى المهمة الصعبة, المعقدة أمام الفنان. ويقول بيكار انه ليس ضد تطور الفكر أو الفن, بل بالعكس يجب أن نساير العصر. ويؤكد بيكار أن الفن إذا فقد الشحنة الروحية فسوف تفقد الفنون مصداقيتها الإنسانية, فالإنسان جسم مادى وعقل مفكر, وروح هى مجمع الوجدانيات, فيجب عدم الفصل بين كل هذه المقومات, العمل الفنى يجب أن يشيد بعناية, وأن يكون مشبعا بالمعانى ومخاطبا للوجدان والروح. وإلا يصبح ناقصا. لقد خضت تجارب تجريدية خلال الأربعينيات. لكننى شعرت أننى كاذب وأننى أتكلم بلغة لا يفهمها الناس ولا تصل إليهم. يقول بيكار ان الأشجار تنقسم إلى نوعين, النخلة مثلا وشجر الجميز, النخلة ترتفع مستقيمة وعالية وتعطي تمرا جميلا. لكنها لا تعطي ظلالا. أما الجميز فهى لا تعطى ثمارا حلوة مثل التمر, لكنها تعطي ظلا جميلا فلا الظلال أهم من الثمار ولا الثمار أهم من الظلال. النمو الرأسى هو نمو تخصصى مثل العالم الجالس اينشتاين كلما يبحر فى عمله لا يقدر على فهمه إلا القلة النادرة من الصفوة. لكن هناك نوع من العلماء أكثر اقترابا من الحياة اليومية للإنسان وقد يكونون أكثر بساطة. ثم يقول: بالنسبة لنفسى أنا أعتبر نفسى فنانا جماهيريا أخاطب الأمي والمثقف, رسمت للأطفال وللشباب. وخاطبت حكمة الشيوخ, وجميع المستويات, ويقول بيكار:ان المواهب الفنانة المبدعة هى قبس من الحب الالهى للبشرية, وهى منحة عالية, فإذا قبلت البشرية التنازل عن الفن والإبداع فإن الحياة سوف تصبح بلا شك فى حالة رهيبة من العماء الجمالى, فلا العمائر تصبح فى بهائها, ولا أصبح للزهور والكائنات وجود, ولتحولت كل توابع الفن مثل الحلى والملابس والموضات وتصميمات الآلات والسيارات والأجهزة إلى أشياء لا طعم لها أو لون, ولأصبح الإنسان أشبه بالحيوان, الفن أخرج البشرية من بداوتها الأولى كى تخطو إلى التمدين والتحضر. ** هكذا تحدث بيكار. وهذا قبس من آراء هذا الانسان الجميل والفنان النادر الذى صاغت ريشته مخيلتى الأولى, وقد ظل حياته كلها مخلصا لآرائه, وظل يسري كالنسمة المرققة, لذلك كان فوزه بأرفع جائزة فى مصر مثار ارتياح وتقدير من كافة الناس.