ما بال العيون الغريبة والنظرات الجائعة تفترسهن.. والألسنة الشرهة تتكلم عنهن.. تراقب خطواتهن, وتحسب عليهن كل تحرك يقمن به. وفي أول سوء تفاهم يقال عنهن (عانسات) هن لم يخطئن في شيء لو تعرفون وتقدرون ظروفهن.. هن ما أذنبن لأن قطار العمر يفوت وما حققن حلمهن في الزواج أو في تكوين بيت وزوج وأسرة وأطفال يكونون كل العالم بالنسبة لهن. أعتقد جازما أن هذه الظاهرة الحساسة جدا تتطلب منا الوقوف عندها لنتائجها وأبعادها الاجتماعية والنفسية خاصة في الوقت الراهن.. إذ لا ذنب للفتاة التي لم تجد رجلا يناسبها ويطابق أوصافا طالما رسمتها في مخيلتها أو لأن الظروف المادية السيئة تحول دون جمعها بمن حلمت به وبالطبع فإن تأجيل الزواج لمرحلة متأخرة من العمر, يترتب عليه عدة مشكلات لا تشعر بها الفتاة ولا أهلها إلا بعد فوات الأوان.. فحين يجيء الخاطب للفتاة بعد أن تقدم بها العمر تضطرها ظروف المجتمع القاسية وضغوط العائلة وخوفها من شبح (العنوسة) إلى قبوله حتى ولو كان الرجل لا يناسب عمرها وطموحها فإما أرمل أو مطلق أو كزوج ثانية تعويضا لعقم الأولى.. أو مرضها أو عجزها عن أداء مهامها اليومية أو واجبها كزوجة. وحين تستحيل المعيشة معه لعدم التكافؤ الاجتماعي والعاطفي تعود أدراجها إلى بيت أبيها وهذه المرة باسم جديد.. ولافتة أفظع.. (امرأة مطلقة).. ليعود المجتمع إلى حساب عدد خطواتها ومراقبة تصرفاتها ولون الكحل الذي تفكر في وضعه إن رغبت في أن تتجمل.. وتقديم التبريرات والشروح والأدلة والأعذار كلما فكرت في تجاوز عتبات الدار لضيق في النفس وقلق في العمق وذلك ارضاء لأنانية المجتمع واشباعا لفضوله وإسكاتا للناس الذين حتما يتكلمون حتى لو أغلقت الباب على نفسها. فبأي حق يتحدث هؤلاء, وبأي صفة يسمحون لأنفسهم بالكلام المهين للمجتمع كله, وعلى أي أساس وحقائق يستندون؟ متى نتحول إلى مجتمع واعٍ.. حكيم.. عقلاني.. عادل.. ومتفهم.. يعطي لكل ذي حق حقه في الحب.. في الحياة.. في الاختيار.. ألستم معي؟! محمد خليفة