هناك أسباب عديدة للحفاظ على الغابات الطبيعية, فنحن نستخدم خشب الأشجار في البناء وفي أغراض الوقود, كما أن المساحات الخضراء بأنواعها المختلفة تمثل عنصرا حيويا في مقاومة مشكلات التصحر والتلوث فضلا عن أهميتها كمخزن مياه طبيعي وكمصدر جمالي يزين اللوحة الكونية. البشرية إذن في حاجة دائمة للغابات, لكن الحفاظ عليها وتنميتها مهمة بالغة الصعوبة. فالأشجار تحتاج إلى تغذية منتظمة من التربة ومن الشمس ومن الأمطار أو مصادر المياه الأخرى, والأهم من هذا حاجتها إلى رعاية وحماية مستمرة.. وهنا يلعب الإنسان دورا أساسيا. دعنا نتخيل هذه الدورة بالترتيب التالي: أولا - التغذية: حين تضرب الشجرة بجذورها في أعماق التربة لاستخلاص المعادن والغذاء الذي تحتاجه, وفي الوقت نفسه توجه أوراقها أو (أشواكها) إلى السماء طالبة أشعة الشمس لكي تستخدمها في تصنيع السكريات والكربوهيدرات اللازمة. لكن جذور الشجرة لا تكفي وحدها لامتصاص ما يكفيها من طعام لأنها تعيش في بيئة تحتوي على كائنات دقيقة مثل البكتريا والفطريات التي تعيش في التربة المحيطة بجذعها وتتولى مسئولية الهضم الأولية وهي عملية ضرورية قبل أن تستطيع الجذور امتصاص الأغذية الطبيعية من التربة. ومن ثم فإن من غير المحتمل أن تمتلك منطقة فقدت غاباتها قبل زمن بعيد أو لم تنم بها أي غابات مسبقا التربة الملائمة لنمو الأشجار أو بقائها على قيد الحياة. ولكي تقيم مساحة خضراء في منطقة مثل تلك فسوف تحتاج مبدئيا إلى اصلاح تربتها وإلى توفير نوع من الكائنات الدقيقة على الأقل حول الشجيرات الصغيرة التي ستزرعها, وربما تحتاج إلى استخدام الأسمدة الملائمة في السنوات الأولى من عمر الشجرة. ثانيا - الماء: الذي بدونه لا يكتمل أبدا القدر الصحيح من الغذاء الضروري للشجرة. بعض الأشجار مثل الصفصاف والسرو تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وتنمو بالأساس في تربة رطبة مشبعة بالماء, بل إن نوعا مثل أشجار القرم الاستوائية تعيش فوق بركة ماء بشرط أن يكون مالحا. فيما تستطيع أنواع أخرى كالمسكيت الشوكي والسنط (الذي يستخرج منه الصمغ) والطرفاء الاستغناء كليا عن الأمطار ما دامت قادرة على مد جذورها الطويلة إلى عمق كاف لتزويدها بما تحتاج من مياه جوفية.. وهو ما لن يتوفر في المناطق ذات التربة الفقيرة أو الصخرية. علاوة على أن لعامل المناخ دورا كبيرا في توفير بيئة ملائمة لنمو الغابات, فبعض الأشجار لا يستطيع تحمل درجات الحرارة المرتفعة وبعضها الآخر لا ينمو في الأجواء الباردة. ومن ثم يتطلب نجاح عملية التشجير أكثر بكثير من مجرد انتقاء سلالات معينة من الأشجار وايجاد موقع لزراعتها, إذ تقتضي الحكمة أن نبدأ أولا بتحديد الموقع الملائم لنمو الغابات ثم نقوم بتحليل تربتها ودراسة مناخها ومصادر المياه بها قبل أن نحدد أي الأشجار سنزرع في هذه المنطقة. العامل الايجابي الذي حبا الخالق به هذه الطبيعة أن هناك أنواعا وسلالات متنوعة لا حصر لها من الأشجار, وأنه في أغلب بقاع الأرض توجد امكانية ما لنمو نوع أو أكثر منها. ثالثا - نشأة الشجرة أو بداية الحياة: فشجرة الحور تمنح الحياة للشجيرات الجديدة من سلالتها بنشر كميات هائلة من شعاب جذورها التي تخترق التربة على مساحة مئات الهكتارات فتنمو مئات الأشجار في المنطقة وكلها مرتبطة عبر الجذور تحت سطح الأرض فيما يشبه كائنا نباتيا عملاقا إذا ما نظرنا إليه بنوع من التجريد. بينما يستطيع غصن شجرة صفصاف مكسور ملقى في الطين أن ينبت جذورا سرعان ما تمتد إلى أعماق الأرض وأوراقا ترتفع في الهواء ليتحول في النهاية إلى شجرة صفصاف قائمة بذاتها. وفي المناطق الاستوائية تكفي قطعة خشب مقتطعة من إحدى الأشجار لكي تتحول لاحقا إلى شجرة كاملة النمو. لكن هذا لا يمنع أن تكاثر الأشجار في أغلبه يحتاج إلى بذر البذور الملائمة, فإذا كانت جميع البذور المتاحة مكتملة الاستدارة وغير صالحة للأكل تكون مهمة الطبيعة في تأسيس غابة جديدة أصعب ما يكون. لأن هذا النوع من البذور سرعان ما يتساقط على الأرض قرب أصل الشجرة ويبدأ في النمو, وفصلا بعد آخر تتزاحم الشجيرات الجديدة حول جزع الشجرة الأم ثم ما تلبث أن يخنق بعضها البعض الآخر حتى لا يتبقى منها في النهاية واحدة على قيد الحياة. ولذا تحتاج تربية هذه السلالة إلى نقل البذور بعيدا عن الشجرة الأم وكذلك إلى الفصل بين الواحدة والأخرى حتى لا تشتبك في مرحلة النضج ويكتمل نموها. وعادة ما تقوم الرياح والحيوانات بمهمة نقل البذور بشكل طبيعي من موقع إلى آخر, وتحتاج البذور التي تعتمد في انتقالها على الحيوان إلى تقديم نوع من الاغراء أو (الرشوة) لتجتذب الحيوان إليها, فيتخذ بعضها أغلفة حلوة المذاق (مثل الفاكهة والتوت), ومن ثم يقبل الطير والحيوان والإنسان على نقلها بكل ترحاب. وتلجأ أنواع من البذور إلى ايجاد ممر في أحشاء الحيوان أو الطائر قبل ان يخرجها لاحقا مغلفة بسماد طبيعي. وحين ازدهرت تجارة الرق قبل بضعة قرون, كان التجار يقتادون العبيد في افريقيا ويسيرون بهم مسافات طويلة وهم محملون بسلال المانجو عبر الأرض التي تعرف حاليا بتنزانيا حتى يصلوا إلى الموانئ على المحيط الهندي حيث يتم شحنهم في سفن إلى القارتين الأمريكية والأوروبية. واليوم تكثر على طول المسار القديم الذي قطعه أولئك المستعبدون غابات غنية بأشجار المانجو. في الولايات المتحدة الأمريكية تدير حضانات الأشجار وكالات حكومية وغير حكومية. وتتخصص كل حضانة في عدد معين من سلالات الأشجار تلائم موقعها ومناخ المنطقة التي تزرع بها. وبعض هذه المزارع - مثل مشروع الغابات الجديدة - ينتج سلالات ملائمة للمناطق الاستوائية والجافة. فيما ينتج البعض الآخر - مثل مزرعة ويرهاوزر في ولاية واشنطن - بذورا صالحة للنمو في مناطق شمال غرب أمريكا المعروفة برطوبتها وبرودة طقسها. وبغض النظر عن مواقعها ونوعية السلالات التي تنتجها, تتشابه هذه الحضانات الزراعية جميعا في أنها تنتج بذورا وتقوم بتغذيتها حتى تتحول إلى شجيرات صغيرة يتم تصديرها بعيدا ليعاد زراعتها في المناطق التي تحتاجها. وبالطبع يحتاج نمو الشجيرات تربة صالحة لتنمو وكوادر بشرية مدربة لتزويدها بما تحتاج من تغذية ورعاية. وحين تبلغ الشجيرة عاما أو عامين من عمرها وتصبح جاهزة للتصدير والاستقرار في موطنها النهائي, تتحول إلى استثمار حقيقي, والجهد والمال في أشد الحاجة إلى اهتمام خاص لضمان استمراره ونموه. وحين ترسل هذه الشجرات إلى بعض المناطق ذات التربة الفقيرة, يتم تزويدها بقواعد أرضية تحتوي على النسب الصحيحة من المعادن والرطوبة التي تحتاجها فتعمل عمل الكائنات الدقيقة في التربة الحقيقية قبل أن تغرس في الأرض. وثمة أسلوب جديد يعتمد على اسقاط الشجيرات الناشئة في حاويات باليستية من طائرة طراز هركيوليز سي 130 المزودة عادة بأجهزة زرع الألغام. لكن ما زال تكنيك زراعة الأشجار جويا يحتاج إلى المزيد من الاختبارات على الرغم من انها تتيح للإنسان زراعة كميات كبيرة من الشجيرات ذات الكفاءة العالية في وقت قصير نسبيا مقارنة بطريقة الحضانات التقليدية. كما ان زراعة الشجيرات بهذه الطريقة يقترن بنسبة فاقد أكبر وحوادث أكثر مثل ارتطامها بالصخور أو فشل بعضها في ايجاد المهد الزراعي الملائم للنمو. نعود إلى دورة النمو التي تصورناها في البداية ونصل إلى المرحلة الرابعة والأخيرة, ألا وهي الحماية: إذ تتطلب الشجيرات المزروعة حديثا إلى رعاية وحماية متصلة حتى تكلل مهمة التشجير أو اعادة زراعة الغابات بنجاح. فالنباتات الوليدة قد تظل لخمسة عشر عاما أخرى في حاجة للنمو والعناية دون أن تكون صالحة للحصاد أو الانتفاع من ثمراتها. وقد يأتي قطيع من الأغنام الشاردة على غابة حديثة المولد بكاملها في ليلة واحدة, وقد يدمرها حريق كبير في دقائق معدودة. تشارلز داروين كتب عن المروج في الجزر البريطانية التي تحولت إلى غابات كثيفة فور ابعاد الحيوانات العشبية عنها. وعلى سفوح جبال الغرب الأمريكي ازدهرت الغابات الخضراء مجددا بفضل تطوير نظام متقدم ومكلف لمكافحة الحرائق. المؤكد ان انشاء غابة ليس بالأمر السهل أبدا أو بالرخيص, والحفاظ على الغابات مهمة أكثر صعوبة أحيانا وأبهظ تكلفة.