رواية الخلود لميلان كونديرا عمل ادبي تشتبك فيه الاجناس الادبية كلها من بحث وقصة ومقالة وشعر وسيرة ذاتية ويوميات وبحرية شاسعة من الحركة والمناورة, يحرر كونديرا نفسه من كل القيود مما يجعل نصه عملا ابداعيا كريستاليا فريدا ومفتوحا وبلا ضفاف, نص غير قابل للامساك والتأطير والتجنيس حيث تصغر فيه الشخصية الى الحد الادنى بل انها ليست شخصية بالمعنى المعروف, انها طيف شخصية او شخصية مخترعة او اقتراحلدواعي الكتابة او لضرورات ادبية, انها خيانة موصوفة للوصايا الادبية (ارى آنيس بطلة روايتي عارية للمرة الاولى انها واقفة قرب السرير جميلة ولا استطيع ابعاد ناظري عنها اخيرا كما لو انها شعرت بنظراتي فرت الى الغرفة المجاورة وارتدت ثيابا)!!, وفي فصل الخلود يحاول استكناه هذا العنوان فيختار غوته في الستين من العمر شخصية رئيسة لهذا الفصل, ويوقع (بتينا) في غرامه وهي في السادسة والعشرين.. وفي هذه الخلفية يبحث عن معنى الخلود ويعرف الخلود بما يبقى في ذاكرة الاجيال لا الخلود الروحي الاخروي, ويستشهد بعمدة قرية مورافية كان يتمدد في تابوته, (كان يتمدد في خلوده) الخلود الصغير, والخلود الصغير في التعريف (ذكرى انسان في ذهن اولئك الذين عرفوه) اما الخلود الكبير (فهو ذكرى انسان في ذهن من لم يعرفوه), الخلود توأم الموت لكنه ليس هو تماما فهو زوج لا ينفصم مثل ماركس وانجلز وروميو جوليت ولوريل هاردي. لكنه يعتبر الخلود ـ ايضا ـ كلمة جوفاء.. هبة ريح نلاحقها بشبكة صيد الفراشات اذا قارناه بجمال شجرة الحور الذي ينظر اليها الرجل التعب من النافذة. الخلود شيء لا يعود الانسان التعب يفكر فيه اطلاقا ويعتبر ان غوته كان واثقا من خلوده مثل شكسبير الذي سار الى خلوده دون دعم دون مبشرين ولا مباليا بالنماذج الكبيرة ويرى ان غوته تحكم بخلوده وسيطر عليه وخاف من التصرفات الغرائبية في الوقت الذي شعر فيه بانجذاب كبير الى بتينا وفي مرة استخدم فيه وصفا لامرأة بأنها ذبابة طاوون لا تطاق, اعتبر كونديرا هذا خروجا عن ادارة خلوده ويعتقد كونديرا ان قادة الحرب الاستراتيجية اكثر خلودا ويبحث في خلود ميتران الرئيس الفرنسي الاسبق وفاليري جيسكار ديستان الذي اراد التشبه بعمال النظافة فلم يفلح فتشبه بالموتى مما ينم عن قدر كبير من الحكمة (يصبح الشخص الذي يختلط وجه بوجوه الموتى خالدا وهو حي) ويدير فاصلا دراميا بين خالدين غوته ونابليون, راسما لقاء لا ينسى بين شاعر خالد وقائد خالد وفي اللقاء يقترح نابليون على غوته موضوعا في الكتابة. ويرى ان الخلود لم تتغير خصائصه في عصر الكاميرا فهي كانت موجودة في العمق, الخالدون منذ الغابر كانوا يتصرفون وكأن الكاميرا موجودة. ويفترض حوارا بين همنجواي وغوته عن الخلود (من اين جاءتني فكرة وضع هذين الاثنين معا, هل يمكن لأحد ما يتخيل ثنائيا اكثر تعسفا ليس لديهما شيء مشترك) يقول له غوته: فعلت كل شيء لتكون خالدا. هراء الفت كتبا هذا كل شيء. ويتابع: اما تكون كتبي خالدة لا امانع قط, لقد فعلت كل شيء لكي تقاوم تقلبات الجو اما انا ارنست همنجواي فلا ابالي بالخلود. افهمك يا ارنست ولكن كان عليك ان تكون اكثر حذرا وانت حي اما الان فلا يمكن فعل الكثير ويتابع يستطيع الاستراتيجي وضع حد لحياته لكنه لا يستطيع وضع حد لخلوده عندما يأخذك في سفينته لن تستطيع النزول منها ابدا واذا احرقت دماغك مثلي ستبقى على السفينة ومعك انتحارك. ويبدي همنجواي رغبته في مصاحبة غوته في خلوده فالناس يرتجفون امامه من فرط الاحترام ويتجنبونه من ابعد نقطة بسبب زيه العجيب ويضيف كونديرا في لفتة غفرانية (رسالة الغفران للمعري) عندما يؤكد ان الخالدين في العالم الاخر يسمح لهم باختيار هيئة الجسم التي يفضلونها من بين جميع الهيئات الجسدية التي اتخذوها وهم احياء, اما غوته فيدافع عن زيه الغريب بأنه من اجل الصغيرة بتينا التي وقعت في غرامه والتي ما ان تراه بهذا الزي الغريب حتى تفر هاربة. ويرى ثمة خلود مضحك مثاله الرئيس جيمي كارتر الذي كان يركض امام الكاميرات لا لإظهار شبابه الدائم الا انهم اضطروا اظهاره شيخا وعلى فمه تكشيرة حزينة ويدعو للرثاء و(تيشو براهيه) وهو عالم فلك كبير الذي كبح بحياء رغبته بالذهاب للمراحيض فانفجرت مثانته والروائي روبرت موزيل, كاتب ميلان المفضل الذي توفي تحت التدريب على رفع الاثقال الرياضية. يحاول كونديرا بموهبته الكبيرة استنزال المعنى بمعول القلم وازميل الحبر, يناوشه اكثر من مرة ومن اكثر من جهة, يقلبه ويحاول سلخه فلا يعثر الا على سراب هو المعرفة والجمال المستعصين على التوصيف والقبض, ويشبه الناقد فرانسوا ريكار في نصه النقدي المرفق بالرواية ذيلا عمل كونديرا هذا (بأعمال موتزارت الاوبرالية التي هي اولا اصوات او الوان صوتية وبالتالي تناغم او تنافر.. تنويعات لا نهائية حول تيمة مشتركة). دمشق ـ احمد عمر