مع تزايد درجات الحرارة والرطوبة وانتهاء الفصل الدراسي يحل موسم الاجازات الصيفية التي يحتاجها الجميع لشحن بطارياتهم الانسانية كما يقول التعبير الشائع , وكان بعض أهل الإمارات ـ لان اكثر الرجال القادمين ينشغلون في اشهر الصيف شديدة الحر، بالغوص بحثا عن اللؤلؤ ومعاناة تلك المهنة الشاقة ـ قبل النفط يقضون اجازاتهم في واحات ومناطق يتوافر فيها الماء العذب (الذي كان نادراً) والرطب الشهي (الذي كان يكاد الفاكهة الوحيدة) مثل الذيد ورأس الخيمة ورؤوس الجبال وساحل الباطنة وغيرها. ومع التغير الاقتصادي النسبي الذي حدث في الستينيات اتجه ابناء الإمارات في اثناء الصيف الى بعض المدن العربية والاقليمية القريبة مثل بيروت ودمشق والقاهرة وبومباي وشيراز, اما هذه الايام فمع ازدياد الدخل وانتشار التعليم فقد تعددت وتنوعت المدن والدول التي يقصدها ابناء الإمارات اثناء العطلة الصيفية, فبالاضافة الى العواصم السياحية العربية والآسيوية المعروفة لديهم سابقاً اتجهوا الى اوروبا وخصوصا بريطانيا وألمانيا وفرنسا واسبانيا وبلجيكا والنمسا وسويسرا وغيرها, كما اتجه آخرون الى ماليزيا وسنغافورة وتايلند واندونيسيا وكمبوديا وغيرها من دول جنوبي شرقي اسيا, وأخذ الفضول بعض ابناء الامارات للتصييف في الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا ونيوزيلندا وجنوب افريقيا وغيرها, وهكذا لم تبق قارة او منطقة او بلاد الا وزارها بعض ابناء الامارات . وقبل ان يحزم ابناء وطني حقائبهم الى عطلتهم الصيفية احب ان اذكر لهم بعض هموم وشجون هذا الوطن الصغير, وقد يقول قائل: وهل هذا وقته يا أخي, هموم في البلاد وهموم في العطلة الصيفية؟ اننا لم نأخذ العطلة الصيفية الا لنتخلص من هذه الهموم ونحصل على قسط من الراحة وهدوء البال! والحقيقة انني كنت سأشاطرهم هذا الرأي لو كانت الهموم بسيطة لاتؤثر سلبيا في كيان الوطن, ولو كانت الشجون هينة لا تزعزع اساسيات وجودنا الوطني. ولكن لما كان اهمال هذه الهموم والشجون سيؤدي إلى ضياع كياننا الوطني برمته وبالتالي القضاء في قادم السنوات على كل اجازات صيفية سعيدة وهانئة فانني اجد ان الواجب الوطني يدفعني ان انعش ذاكرة ابناء وطني بجانب من هذه الحقائق المقلقة. اهم مشكلة يعاني منها كياننا الوطني هي محنة الخلل في التركيبة السكانية التي تزداد عاماً بعد عام ويكفي ان نذكر انه على الرغم من كل الحبر الذي ارقناه واراقه كل الكتاب المخلصين فان الوقائع تذكر انه في سنة واحدة وهي العام الفائت بلغ عدد فيز الاقامة الجديدة للوافدين (وليس للزيارة) رقما يصل إلى مئات الآلاف!!, هل تتصورون حقيقة اكثر من هذه اثارة للخوف بل وللرعب , وطبعا ستضاف هذه المئات من الآلاف الى ملايين الوافدين المقيمين قبلهم في بلادنا . هنا احب ان اذكر لبعض الاخوان الذين يقولون لنا: (لقد اضجرتمونا بالكتابة عن خلل التركيبة السكانية, يا اخي كل المواطنين يعرفون الخلل في التركيبة السكانية وكلهم يعرفون خطورته) , يا اخوان اذا كان كل المواطنين يعرفون خطورة الخلل السكاني اذن فكيف سمح المسئولون الاداريون المواطنون باضافة مئات الآلاف من الوافدين الجدد في عام واحد الى الملايين الموجودة سابقا, ولماذا قام الكفلاء المواطنون في شركاتهم ومؤسساتهم الحقيقية والمزيفة التي تتخفى بحيل التستر التجاري بزيادة الهرموز ملح كما يقول المثل الشعبي عندنا في الامارات. لنعترف بالحقيقة المرة وهي ان العديد من المواطنين على مختلف المستويات لا يدركون ابعاد الكارثة التي نتجه اليها وان تصورهم لهذه المسألة ضبابيا بسبب عدم توفير الارقام الصحيحة لعموم المواطنين وعدم استغلال وسائل الاعلام الجماهيرية في مصارحة الشعب بالحجم الحقيقي لمأزقنا السكاني الخطير بالاضافة الى المصالح الشخصية الضيقة وتراخي السلطات الاتحادية والمحلية في السيطرة على هذه المشكلة الكيانية الكبيرة. والى ان يتحمل الجميع المسئولية فاننا ككتاب وطنيين نخاف على مستقبل بلادنا لن نكف عن القيام بواجبنا الوطني في قرع الاجراس ولفت الانظار واستنهاض الهمم وتحذير كل من يهمه مستقبل ومصلحة وطنه وعروبته وهويته وابنائه واحفاده . اقول لاخواني واخواتي من ابناء الامارات اذا وصلتم الى المراكز والبلدان السياحية التي تقصدونها فتذكروا الإمارات, وانا عندما اقول تذكروا الامارات اعرف معرفة اليقين ان وطنكم في حبات قلوبكم وان هذه الاسابيع القليلة لن تنسيكم اياه وهو الوطن المعجون بدمائكم ودموعكم ونبضات افئدتكم, ولكن التذكر هنا يكون للمقارنة والعبرة, المقارنة التي تفتح العيون والعبرة التي تنبه الاذهان وتوقظ الهمم: - تذكروا الامارات عندما تصلون الى مطارات البلدان التي تقصدونها عندما تجدون ان طاقم ادارة وخدمة تلك المطارات هو من مواطني ابناء تلك البلدان بينما اغلبية طاقم ادارة وخدمة مطاراتنا (اذا استثنينا موظفي وموظفات الهجرة والجوازات) هم من الوافدين الآسيويين. - تذكروا الامارات عندما تستقلون التاكسيات او الحافلات والسيارات العامة في تلك البلدان وتجدون ان كل او الاكثرية الغالبة من السائقين من ابناء تلك البلدان, بينما تكاد لا تجد مواطنا واحدا يسوق تاكسياتنا وحافلاتنا وسياراتنا العامة. - تذكروا الامارات عندما تصلون الى فنادق وابنية الشقق المفروشة في تلك البلدان فتجدون ان طاقم الادارة والخدمة في تلك المؤسسات الفندقية هو من مواطني تلك الدول بينما كامل طاقم الادارة والخدمة في فنادقنا ومؤسساتنا الفندقية هو من الوافدين. ـ تذكروا الامارات عندما تنزلون الى الاسواق والمحلات والدكاكين لتتبضعوا فتجدون ان تجارة الجملة والتجزئة هي في ايدي مواطني تلك البلدان بينما نجد في الامارات ان كل تجارة التجزئة وجزءا كبيرا من تجارة الجملة هي تحت سيطرة الوافدين وخصوصا الوافدين الآسيويين. - تذكروا الامارات عندما تتجولون في قلب تلك المدن فتشاهدون ابناء تلك البلدان عن يمينكم وشمالكم وامامكم وخلفكم يملأون البنايات التي توجد بالقرب من الفنادق التي تقيمون فيها, بينما كلكم تعرفون ان قلب مدن الامارات واحياءها العريقة القديمة قد اخليت من المواطنين واصبحت حكراً على الاجانب, وانك اذا نزلت الى قلب مدننا الاماراتية فانك ستكون محاطا بمئات الآلاف من الوافدين الآسيويين لدرجة ان زائرا عربياً من الشمال الافريقي اوقف مواطنا في قلب احدى مدننا الاماراتية وسأله: هل انت عربي؟ فلما اجاب المواطن بنعم . استغرب الزائر العربي وقال : لقد خرجت من الفندق وتجولت ساعة واحدة ولم اشاهد عربيا واحدا ولم اسمع كلمة عربية واحدة!!.. وتذكروا ان ابناء الامارات ينحسرون سكانيا الى الاطراف الصحراوية لمدننا الاماراتية. - تذكروا الامارات اذا احتككتم بالادارات الحكومية والعامة والمؤسسات الخاصة في تلك البلدان ووجدتم ان كل كوادرها الادارية والفنية وكل موظفيها وعمالها من مواطني تلك الاقطار وقارنوا بين ذلك الوضع الاداري الصحي والوضع الاداري المريض والمختل الذي نعاني منه حيث يشكل المواطنون الاماراتيون 48% من القطاع الحكومي الاتحادي, و15% من القطاع الحكومي المحلي, و12% من القطاع العام, وواحد في المئة من القطاع الخاص!!. - تذكروا الامارات اذا ذهبتم الى تلك البلدان ووجدتم ان ابناءها يعتزون بأوطانهم ويحافظون على كيانها بترسانة من القوانين والانظمة ويفدونها بالغالي والنفيس وقارنوا ذلك بالوضع عندنا حيث تقودنا بعض المصالح الخاصة التي زيفت الفهم الصحيح لحرية التجارة وأدت الى تغيير قوانيننا وخرقها والتحايل عليها, وكل ذلك للتسهيل لمئات الآلاف من الوافدين الآسيويين لغرس جذورهم في بلادنا عن طريق جلب المدارس والجامعات والمستشفيات والاذاعات والمؤسسات التجارية والصناعية الاجنبية والتمكين لها في ارضنا , وقد أصبح ذلك الخطر واضحا عندما ذكرت جريدة الفاينانشيال تايمز الانجليزية في احد اعدادها الاخيرة ان دبلوماسياً من احدى الدول الآسيوية طلب من المسئولين عندنا اعطاء الجنسية لابناء الوافدين التابعين لتلك الدولة المقيمين في بلادنا, وذكرت الجريدة ان المسئولين في دولة الامارات ردوا بحزم وبصلابة وطنية على ذلك الدبلوماسي, ولكن ماذا سيفعل المسئولون الغيورون على مستقبل الوطن في المستقبل, وهم يصلحون السفينة وغيرهم يثقبها, وغرس جذور الوافدين يتعمق في بلادنا يوماً بعد يوم؟! - تذكروا الامارات وانتم تشاهدون الاستثمارات العقارية الكبرى في تلك البلدان التي يخطط المستثمرون لاسكان مواطنيهم فيها بالدرجة الاولى بينما اغلبية استثماراتنا العقارية هي لجلب المزيد من الوافدين, وقد ذكرت احدى جرائدنا الاماراتية الصادرة باللغة الانجليزية مؤخراً في ملحق لها عن العقار في الامارات ان خبراء الحركة العقارية في الامارات يذكرون ان عدد الشقق غير المؤجرة في البنايات الجاهزة في مدينتي الشارقة ودبي بلغ هذا العام خمسين الفا!, واذا عرفنا ان هنالك أرقاماً كبيرة من الشقق غير المؤجرة في باقي مدن الإمارات الكبرى, واذا شاهدنا مئات البنايات الجديدة التي في طور البناء أو التخطيط والتي ستخصص بالطبع لسكن الوافدين وليس المواطنين فهل تدركون الضغوط الذي ستمارس على مؤسساتنا وسلطاتنا السياسية والادارية والقانونية, الاتحادية والمحلية لخرق والغاء كل ما تبقى من قوانين ونظم ولوائح تحمي كياننا الوطني ولفتح ابواب بلادنا على مصاريعها لكل من هب ودب وللقضاء التام على هويتنا الوطنية وعروبتنا وسيادتنا. - تذكروا الامارات, وهنا اوجه الحديث لامهات الامارات: عندما تأخذن اطفالكن لحدائق تلك البلدان لكي يلعبوا وتشاهدن اطفال تلك الدول وهم يمرحون ويلعبون واثقين بمستقبل وطنهم الذين يشكلون اكثريته السكانية, ماذا سيكون الوضع في وطن يتزايد الخلل السكاني فيه بوتيرة مفزعة بكل المقاييس مبددا الامل بالمستقبل الزاهر والسعيد لاطفالكن وزارعاً تحت اقدامهم الحبيبة القنابل الموقوتة التي ستحمل لهم كل المشاكل المفزعة في قادم الايام اذا لم ننتبه ونتيقظ ونصلح اوضاعنا بأسرع وقت وبكل التضحيات المطلوبة؟ كنت اود ان استرسل في التذكير ولكنني لا اريد ان افسد عليكم عطلتكم الصيفية واعتقد انكم ستعقدون العديد من المقارنات المماثلة عندما تصلون الى تلك البلدان بدوافعكم الوطنية المخلصة. في الصيف الماضي ذهب احد دكاترة القانون من ابناء الامارات الى مؤتمر دولي كبير وهام للقانون في احدى الدول الاوروبية , وكان جانب كبير من ذلك المؤتمر مخصص لمناقشة وضع الاقليات السكانية في العالم وكان اكثر رجال القانون والتشريع الاوروبيين يركزون على ضرورة وضع قوانين وتشريعات تحمي حقوق تلك الاقليات في البلدان الاوروبية مثل الاقلية التركية في المانيا واقليات الشمال الافريقي في فرنسا وبلجيكا والاقليات الآسيوية في بريطانيا..الخ ودخل دكتور القانون الاماراتي ليستمع الى مناقشات احدى اللجان فوجد ان المحاضر الاوروبي يركز على ضرورة حصول العمال من ابناء تلك الاقليات على الحقوق النقابية والسياسية مثل التصويت في الانتخابات البلدية وغيرها من الحقوق التي ذكر المحاضر انها جزء لا يتجزأ من اعلان حقوق الانسان العالمي, وعند انتهاء المناقشة رفع الدكتور الجامعي الاماراتي يده وسأل المحاضر: ولكن كيف يكون الوضع اذا كان ابناء بلاد معينة هم الاقلية وكان الوافدون هم الاكثرية؟ وهنا التفت اليه المحاضر الاوروبي بامتعاض وقال : يا استاذ, نحن نتكلم عن امور واقعية ولا نناقش مسائل فرضية وخيالية. تأملوا هذا الرد, المحاضر الاوروبي استهجن ملاحظة الدكتور الاماراتي لانه لا يعرف وضع الامارات, ولم يتصور ان هنالك دولة في هذا العالم سيسمح ابناؤها لانفسهم بأن يصبحوا اقلية سكانية في بلادهم تصل إلى أقل من عشرين في المئة, اما آن لنا أن نتعظ ونراجع انفسنا؟ ام اننا يجب ان نمضي في اغماض عيوننا وننتظر الكارثة؟ لنأمل ان يستنير الجميع بحكمة قيادتنا الوطنية الممثلة في قائد المسيرة ورئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان اطال الله في عمره وأخيه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي, لكي نخرج بحلول صحيحة وواقعية لهموم الماضي والمستقبل ولتكون بداية القرن الحادي والعشرين تصحيحاً للخلل السكاني الواضح ولتكون اكثر قدرة للاستجابة لتحديات المستقبل الأخرى وما اكثرها.