مسئولية أهل الفكر والرأي والمشورة هي من اخطر المسئوليات التي تقع على الافراد في حياة الامم والشعوب, انها مسئولية ذوي الضمائر الحية واصحاب الكلمة الصادقة التي ينطلق منها ادراك عقول البشر نحو حسن الرؤية وحماية الاخلاق والدفاع عن الحق والعدل. وتأتي في المقدمة مسئولية رجال الفكر الذين يأخذون بالامة الى الرشاد والصلاح والنقاء, متى ما صدقت النيات وصلحت الاعمال, وطابت النفوس. وكم يروي لنا التاريخ من قصص علماء الفكر الذين كان لهم ادوار مشرفة واعمال مشرقة عندما آثروا الا ان يقولوا الحق ويقدموا النصيحة, فهم لا يخافون في الله لومة لائم, بل ان بعضهم صبر على كثير من الاذية والبلايا في سبيل كلمة حق تمسك بها فذهبت عبر التاريخ عبيرا يعطر الاجواء, كلما ذكرت او رويت. ويأتي في مقدمة اصحاب العمل المخلص, هؤلاء المراسلون المنتشرون في كافة انحاء العالم بحثا عن معلومة جديدة او خبر حديث, وهم فضلا عن المتاعب النفسية الخطيرة التي يتعرضون لها يوميا, يعاني الكثيرون منهم من مصاعب جسدية عديدة, والتي تصل احيانا الى حد السجن او الاختطاف او الموت, وقد نشرت منظمة (مراسلون بلا حدود) الدولية احصائية جديدة اوضحت فيها ان عدد المراسلين الذين قتلوا تضاعف في عام ,1999 ووصل الى 36 مراسلا, وذلك بسبب الصراعات المسلحة, ففي كوسوفو قتل ستة مراسلين وفي سيراليون قتل عشرة, كما ألقي القبض على 446 مراسلا واودعوا السجن, بالاضافة الى تعرض 653 مراسلا للهجوم والضرب في كافة انحاء العالم. وهناك ايضا جانب اخر في وضع قناصة المعلومات هؤلاء, لا يقل اهمية عن العوامل النفسية والمتاعب التي يتعرضون لها, وهو الجانب المالي, فغالبا ما يعاني اصحاب العمل المخلص الجاد من متاعب مادية كثيرة بشكل يحد بوضوح من تفكيرهم وحركتهم في جمع المعلومات. فهذه المهنة النبيلة قدرها ان تصطدم بهذه المتاعب المتعددة والمتنوعة حتى بات معها انه من الاصح ان تسمى هذه المهنة بمهنة للبحث عن الموت بدلا من البحث عن المعلومة, ولأن البحث عن الموت اشكالا والوانا مثل ما هو الموت, اشكال وألوان ايضا, فليس بالضرورة ان يكون الموت جسديا حتى تكتمل صورة الفناء ولكن الموت قد يكون تقييدا للحرية كما قد يكون تضييقا لأبواب الرزق والاخطر من كل ذلك ان تكون صورة الموت ممثلة في الافتقاد والافتقار الى الامان الاجتماعي والاقتصادي وقتها يطرح السؤال الكبير هل اخطأ الذين اختاروا الكلمة والمعلومة خيارا في الحياة ام ان قدر الكلمة ان تكون المعاناة من الازل الاول وحتى الازل الخالد؟. محمد خليفة