كانت موسيقى وصفت بأنها (ترانيم الملائكة) تعزف في حفلة مقامة في الهواء الطلق في المانيا قبل قرنين عندما سقط احد العازفين ميتا. ولم يعرف احد سبب موته, وعندما توالت وفيات غامضة اخرى اخذت الشائعات تتحدث عن تفشي وباء ما وعن اداة موت. القاسم المشترك بين الضحايا كان ما يلي: هارمونيكا زجاجية تشبه الكزيلوفون تحدث اصواتا مخيفة بحف اصابح مبلول على حوافي اوان زجاجية من مختلف الاحجام. وقد حرم مسئولون المان خائفون الهارمونيكا الزجاجية التي اصبحت, ربما, الاداة الموسيقية الوحيدة الممنوعة لاعتبارها تشكل خطرا على الصحة. الا ان الاداة اخذت تستعيد الحياة بعد عشرات السنين من التعطيل, وتشتهر بأن لها قدرة شفائية. وقد تجمع عشرون فنانا دوليا بأدواتهم الزجاجية في فيلادلفيا مؤخرا لاحياء حفلة حية نادرة. وتضمن (مهرجان الموسيقى الزجاجية) السابع عروضا ومحاضرات تنغيم وعرض سلايدات لنفخ الزجاج. وقد اختيرت مدينة فيلادلفيا لهذه المناسبة وتكريما لذكرى بنجامين فرانكلين الذي ابتكر الاداة في العام 1761. وكان مضيف الاحتفالات رالف ارتشبولد, مقلد فرانكلين المعروف والذي يملك هارمونيكاتين زجاجيتين. وأمل منظمو المهرجان ان تساعد الانغام المهمة والآداء المتقن على حفز واحياء الهارمونيكا الزجاجية. قال تيم نيكرسون, وهو احد القلائل من صانعي الهارمونيكا الزجاجية في العالم انه يريد ان يضمن استمرار وبقاء هذه الموسيقى, وانه وقع في هوى الاداة من اول نظرة وظل يعزف عليها طيلة ساعة كاملة. وفي اواخر القرن الثامن عشر اصبحت الهارمونيكا الزجاجية موضة دارجة في المجالس والصالونات, وقد درجت شعبيتها الى درجة ان وولفجانج اماديوس موزارت, بعد سنة, وقبيل وفاته, الف معزوفتين للموسيقى الزجاجية للعازفة العمياء ماريان كيرشجيسنر. وفي اواسط القرن السابع عشر سرت شائعات حول اسباب الوفيات ومجموع من الشرور الاخرى, مثل حدوث مشاجرات منزلية واضطرابات عصبية وولادات في غير اوانها, بل وحتى ظهور امراض قاتلة بسبب الآلة في جميع انحاء العالم فانقرضت. والعلماء اليوم يعزون كل تلك الحوادث الى التسمم بالرصاص, ففي ذلك الوقت كان الزجاج يحتوي على كمية كبيرة من الرصاص, ولعل اجسام العازفين على الآلة كانت تمتص الرصاص عبر اصابعهم. واليوم تصنع الاداة من الكوارتز, وهو انقى انواع الزجاج, ويعتقد المعاصرون انه يحتوي على طاقة شفائية, وقد حسن سمعة الهارمونيكا. واصواته الاثيرية تعوم عبر الالحان السينمائية والمؤلفات الكلاسيكية على حد سواء. وتقوم ليندا رونستاد حاليا بانتاج اسطوانة عن تاريخ الموسيقى الزجاجية. ومن هو الذي اخرج انغاما موسيقية من الزجاج؟ ليس هناك جواب مؤكد. فالفرس والصينيون واليابانيون القدامى جربوا صنع ادوات بدائية بتعبئة اكواب الشرب بالماء وضربها بالعصي. وانتقل هذاالاسلوب الى نقطة تحول حاسمة في العام 1743 وذلك عندما بدأ الايرلندي ريتشارد باكريديج يحف اصابعه على حوافي الاكواب. وعدل فرانكلين تلك الفكرة. فبدلا من تعبئة الاكواب بالماء استعمل الاواني الزجاجية المنفوخة ذات الاقطار المتفاوتة كل منها تتوافق مع نوتة معينة. ثم ثبت تلك الاواني بعضها ببعض بقضيب عامودي وادارها بدواسة, فزاد بذلك من تعقيد الاوتار واتقان الموسيقى. وعادت الآلة الممنوعة الى الظهور بمساعدة معلم نفخ الزجاج جيرهارد فينكنباينر الذي كان يشبه فرانكلين كثيرا. ومع انه ألماني المولد, حيث كانت الاداة لا تزال معروفة, انبهر فينكنباينر لأول مرة بالآلة في باريس, ولكنه صنع اداة خاصة به بعد 25 سنة, في اواخر القرن التاسع عشر. ثم اخذ يصنع منها للبيع بصورة منتظمة بعد ان عثر على سوق لها. وفي لغز اخر اختفى فينكنباينر في السنة الماضية فيما كان يقود طائرة صغيرة فوق غابة كثيفة ومستنقعات العليق في كارفر بولاية مساتشوستس, ولم يعثر على جثته. وكان فينكنبايز قد ساهم في تنشئة جيل جديد من العازفين والمؤلفين وصانعي الهارمونيكا. والعديد من هؤلاء مرتبطون مع (الشركة الدولية للموسيقى الزجاجية) في بوسطن التي نظمت سبعة مهرجانات لكارولين سكايلر, العازفة العمياء في مساتشوستس هارمونيكا زجاجية بارتفاع خمسة اقدام ـ وهي الاكبر من نوعها ـ. وفي منزلها تقوم بطقوس معينة عندما تهم بالعزف. فهي تملأ بوتقة بمكعبات الثلج ومياه الينابيع الطبيعية ثم تغسل يديها لعدة دقائق حتى تصبح نظيفة تماما. وتتحدث سكايلر عن اول لقاء لها من الاداة قبل خمس سنوات بقولها: (لقد انبهرت بها بقدر ما يمكن ان ينبهر المرء. انني الخادمة السعيدة للهارمونيكا الزجاجية, ومكرسة نفسي لعزف هذه الموسيقى في اي مكان وزمان.