في شهر مايو قبل 20 عاما اندلع بركان جبل سانت هيلانة بقوة انفجار تفوق 500 قنبلة نووية من النوعية التي اسقطت على مدينة هيروشيما اليابانية, اما اليوم فإن الحياة آخذة بالعودة للمنحدرات المدمرة لأكثر البراكين في شمال غرب المحيط الهادي شبابا ونشاطا, ذلك البركان الذي كرر طويلا دورة الدمار والتجدد مرة بعد اخرى.وبعد ان هدأ غبار الدمار, اخذت الفوهة التي خلفها الانفجار, والتي يتجاوز عرضها الميل, تجذب سنويا اكثر من 600 ألف سائح, للوقوف عند حافة جبلية سميت باسم عالم الجيولوجيا ديفيد جونستون والتي تبعد 5 اميال عن الفوهة, وهو العالم الذي لقي مصرعه في ذلك الانفجار البركاني الهائل, كذلك كان الانزلاق الارضي الذي رافق الانفجار هو الاضخم من نوعه الذي تم تسجيله حتى الان. وربما كانت الحيرة الازلية بين النار والثلج التي طالما تغنى بها الشعراء هي اول ما يخطر على بال المرء وهو ينظر الى جبل سانت هيلانة الذي اطلق قبل عقدين من الزمن نيرانا عصية على الاخماد. بدأ هذا الجبل البركاني الذي يكسوه الثلج ويرتفع 9677 قدما يوم 27 مارس 1980 باطلاق دخان اسود كثيف مجتذبا اليه انظار العالم. وفي 18 مايو من ذلك العام حدث الانفجار الهائل الذي قصم ظهر الجبل حيث تدهور 1300 قدم من قمته الى القاع محدثا اكبر انزلاق ارضي سجله البشر في التاريخ. ومات في هذا الانفجار 57 شخصا كما قضى على اعداد كبيرة جدا من الحيوانات, فيما تحول 230 ميلا مربعا من الغابات والسهول حوله الى اراض يكسوها رماد اسود رمادي. ذلك الرماد الذي حول ظهيرة شرق ولاية واشنطن الى ظلام ووصل الى كل انحاء الارض. اما اليوم فتبدو الفوهة الهائلة وديعة وهادئة وهي تقبع تحت اطنان من الثلج والجليد لا يغادرها بعضه حتى في شهور الصيف. ونتيجة عوامل الطبيعة يبلغ ارتفاع القمة الان 700 قدم وعرض الفوهة اكثر من ثلاثة ارباع الميل. علامات انبعاث الحياة من جديد بدأت تظهر على المنحدرات المحيطة بالجبل البريطاني, بل ان اكثر سفوح الجبل عمقا بعد الانفجار يمكن العثور فيها على ارهاصات فتية لغطاء نباتي. في عام 1980 كانت المنطقة بأكملها اشبه بسطح القمر خالية من اي شكل من اشكال الحياة. لكن الحياة عادت ثانية. لقد تعرضت الحياة في التلال المحيطة بالبركان لأقسى اختبار اثناء البركان حيث ردمتها غضبته بركام القمة المنهارة لتحولها الى اكثر الاراضي يبابا تحت مزيج من الرماد والحجارة قبل ان تصلها الحمم المنصهرة السائلة من الفوهة. لكن من يمشي اليوم في دروب المشاه الملتوية في تلك التلال سيمر بحدائق طبيعية من الازهار من شتى الالوان والاشكال, حتى اشجار الصفصاف والتنوب عادت لتشمخ نحو السماء من جديد. لقد شكلت جذور واوراق وجذوع تلك الاشجار الميتة تحت نار البركان المواد العضوية التي انبعثت منها الحياة الجديدة. حتى الحيوانات عادت الى جبل سانت هيلانة. اذ تؤوي برك وجداول الماء انواعا كثيرة من الضفادع والخنافس وغيرها. ولم لا مادامت الرياح قادرة على حمل بذور مختلف انواع النباتات القادرة على الانتشار في بقايا الحياة السابقة المتفسخة. وحيث يوجد النبات ستجد انواع الحياة الاخرى الطريق اليه. وحينما تأتي الطيور والحيوانات تقوم هي بدورها بتسريع عملية نشر البذور عبر اكلها للنباتات ورميها لبذورها في مناطق اخرى مع فضلاتها. اولئك المسئولون الامريكيون الذين يريدون هذه المنطقة استخذوا قرارا مهما يقضي بترك الطبيعة تأخذ دورها في اعادة تأهيل المنطقة المنكوبة دون تدخل منهم وهذا بحد ذاته فرصة نادرة امام الانسان ليراقب ويتعلم من تحول اراض ميتة الى ارض تضج بالحياة. يقول احد هؤلاء ان ما يجري الان امر مهم جدا لأنه من الفرص النادرة لندرس تركة ثقيلة من تركات غضب الطبيعة. وهو نسخة مصغرة عن عمليات ازلية شهدها كوكب الارض قديما بين فترة واخرى, وربما يساعد في الاجابة عن اسئلة مهمة تراود اذهان العلماء حول بداية الحياة على الارض. جلال الخليل