استطاع الاديب العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي عبر رحلته الطويلة مع فنون الكتابة ان يكون نموذجا حيويا للمبدع المعرفي والمتنوع العطاء, واذا كانت شهرة الربيعي قد جاءته من القصة القصيرة والرواية تحديدا فإنه الى جانب ذلك اصدر العديد، من الكتب في الشعر والنقد والسيرة الى جانب اهتمامه الملحوظ بالفن التشكيلي خاصة وانه حصل على شهادتين (الدبلوم والبكالوريوس) في الرسم من بغداد وكان ينوي الحصول على شهادة الماجستير فيه لولا نصيحة الناقد د. عبدالمنعم تليمة الذي قال له: (ماحاجتك للماجستير او الدكتوراه؟ انت كاتب قصة ورواية. فدع الاخرين يكتبون عنك الماجستير والدكتوراه) وهو ما حصل فعلا فيما بعد. والربيعي, صاحب الروايات المهمة في مسيرة الرواية العراقية والعربية الوشم, الانهار, القمر والاسوار, الوكر وغيرها يصر على تسمية نصوصه الشعرية بـ (قصائد نثر) وهو خياره الجمالي الذي ينحاز دائما للتجربة المغايرة الجديدة وفي ذلك كتابه الشعري الاخير (فصول في كتاب الحب التونسي) الصادر حديثا ضمن سلسلة كتب (الحركة الشعرية) والتي تصدر في المكسيك باشراف الشاعر قيصر عفيف والذي يثبت على غلاف الكتاب ان الروائي عبدالرحمن مجيد الربيعي يجمع في شعره (ما اتقنه من اساليب السرد والرسم. تتآلف في قصيدته الوان اللوحة وحركة الرواية فيضيء المشهد ويكتمل. تلتقي اصداء المكان واصواته بعبير المرأة وحضورها فيأتي النص عابقا بأريج الحب, خافقا بالحياة. هذه القصائد لهفات قلب عاشق تحمل بين حروفها حرارة خاصة بها) ونجد في هذا التشخيص اقترابا كبيرا من تجربة الربيعي الذي ينطلق في مجمل اعماله من نظرة متوازنة الى المكان, الوطن والمنفى, والمرأة ولعل في دلالات عنوان الكتاب المكانية (تونس تمديدا) تأكيد لما ذهبنا اليه, فهو, ومن خلال اقامة متواصلة ولسنوات طويلة في تونس لا يجد امامه غير الاندفاع بقوة العشق الرومي لهذه المدينة وفاء لها وانتماء, ونجد هذا التوجه ذاته في اهداء الكتاب حيث يقول الربيعي: (الى العراق الجرح, الى تونس الملاذ, الى لبنان الحنين) وهي موجهات مهمة تمثل مفاتيح اساسية للدخول الى مدينة الربيعي المليئة بالحب والرموز والاساطير. عن موعده مع تونس والحبيبة يكتب الربيعي: من اي جهة تأتين؟ من بائع الصحف على شمالي؟ من اسواق القصبة عن يميني؟ من باعة الازهار في قلب شارع بورقيبة؟ تهبطين بمظلة من طائرة غامضة او تخرجين المي من (قاعة الاخبار) بعد ان استغرقتك الوان رسام مجنون. وفي هذا المقطع المجتزأ من نص عنوانه (موعد) يلحظ القارئ ما اشرنا اليه من خلال حضور المكان التونسي في ذات الشاعر, وحضور المرأة ثم التواصل الحي مع الرسم برغم شبه انقطاع الربيعي عنه, فهو يعود الى الرسم بالكلام, وايضا فقد ضمن ديوانه هذا العديد من التخطيطات بريشته وكذلك لوحة الغلاف التي اختارها من اعماله الشخصية. وعن (الجرح العراقي) كما اسماه يكتب الربيعي متحدثا بلغة لا يخفى دفقها الاسطوري وهي تعمد الى استقدام نبوءة ما بعد الخراب: تلك الاسلاك الصدئة نبضت وارتجفت من دفق التيار فانثري شعرك ليغمره حنان الشلال تذوقي طعم الشمس والندى انبثقي مثل الثأر في عيون اطفال (العامرية) سأسامرك حتى موتي انا نصف الحي نصف الميت من تلاقى بصدر عار مع طائرات الشبح وقارع اطنانا من حقد شوارتزكوف نادي بصوتك المليء انهض ايها السومري امنع عن (اور) الحريق عانق طيف (شبعاد) وهذا المقطع الذي اخترناه من نص بعنوان (شبعاد) الملكة السومرية, وان كان الشاعر فيه يلبس قناع من يخاطب المرأة ـ شبعاد, الا انه من جهة ثانية يدور في فضاء المكان الاول لا المتخيل, انه المكان الاحب, مكان الولادة والانبثاق, ولهذا تجد في خطاب النص, لغة عنيفة تحاول ان تصل الى اتون حريق عام 1991. وللمكان اللبناني حضوره هو الاخر عبر اكثر من نص وابرزها نص (افياء لبنانية) المكون من عدة مقاطع اخترنا منها: (الطريق الى بكفيا), حيث يقول الشاعر: لا السماء تتصل بسماء ولا الطريق يقود الى طريق يد اجهدها التلويح فانكفأت مسبلة انقسم كتاب الحب التونسي الى قسمين, ويسميهما المؤلف: اصحاحين, الاصحاح الاول عنوانه (نصوص اللهفة والعشق) والثاني (نصوص الخراب والخذلان) , وهو في الاصحاحين لا يفارق اسى الغياب واشتعال الذاكرة, كما وانه يجد نفسه وباستمرار مقذوفا به في خضم حالة في الهياج العاطفي الناتج عن التعلق بوطن او بأمرأة, اذ لا فرق بين التعليقين ما داما يمثلان في جوهرهما التصاقا بالذات وملاذا لابد منه.