ان من تتاح له الفرصة للاطلاع على الادب الياباني سوف يكتشف ان الرواية هناك تحتل مكانة مرموقة بين فنون الابداع الاخرى, وهي بالتأكيد لا تقل اهمية عن الرواية في امريكا اللاتينية, وفي هذين الموقعين المتباعدين يشكل هذا الفن الملحمي الجميل, القائم على السرد والتخييل والصراع الجمعي, ارقى مستوى بلغته الرواية في عصرنا. لكن المشكلة تبدو صارخة حين نطرق باب الترجمة الى العربية. والسبب ان نسبة كبيرة من تلك الروايات تنطوي على (محظورات) او (محرمات) لا تسمح الرقابة العربية, في العديد من الاقطار والعواصم بنشرها بين الناس.. ربما لأن مجتمعاتنا لم تدرك سن (الرشد) بعد او ربما لأننا لم نخرج من القرن التاسع عشر, حيث لاتزال اغلال السلطة العثمانية هي المسيطرة على حياتنا وعقولنا ومعاييرنا النقدية. وهذا يعني اننا لم نشهد القرن العشرين ولم نتمكن من العيش فيه, بل قفزنا بطريقة بهلوانية او سحرية الى القرن الجديد, دون ان نمر بسابقه او يمر بنا! ومن حقنا ان نتساءل هنا عن الحد الاقصى لعدد قراء الكتاب الادبي الجاد. ان شكاوى اصدقائنا من اصحاب دور النشر تقول: ان الكاتب العربي الوحيد الحائز على جائزة نوبل, لا تغامر اي دار للنشر بطباعة اكثر من خمسة آلاف نسخة للرواية الواحدة.. وتستمر الشكاوى بالقول: ان هناك لصوصا يطبعون او يصورون تلك الرواية سرا, لكن عدد هذه النسخ المسروقة لا يزيد على ألفين او ثلاثة, ويكون المجموع اقل من عشرة آلاف. اذا افترضنا ان في البلدان العربية مئة مليون متعلم, لا اكثر.. وان عشاق الادب لا يقلون عن مئة الف قارئ, ومن هذا العدد يكون عدد قراء الرواية لا يزيدون ـ في احسن الاحوال ـ عن ثلاثين او اربعين الفا. (وانا اتصور ان كل نسخة من الرواية المطبوعة لنجيب محفوظ ـ امد الله بعمره ـ بتداولها ثلاثة او اربعة قراء). وهنا يأتي السؤال الاهم: كيف نحرم القراء العرب ـ على قلتهم ـ من ترجمة الروايات اليابانية, اكراما او مراعاة لمشاعر المحرومين من نعمة القراءة؟ ومن اعطى اوصياء الرقابة على الفكر والادب صكوك التحدث باسم من لا يعرف القراءة ولا همومها؟ اعرف ان عددا من الروايات اليابانية تمت ترجمته وطباعته في بعض البلدان العربية, لكن نسبة كبيرة من اهم روائع الفن الروائي في ذلك البلد البعيد مازالت تنتظر التسلل ـ ولو خفية ـ الى ايدي القراء العرب, بالرغم من ترجمتها الى معظم اللغات الحية في عصرنا. ان احصائية بسيطة تبين ان في اليابان نحو سبعين كاتبا روائيا بلغ مستوى عالميا.. واعمال كل واحد من هؤلاء المبدعين تتراوح بين خمس وسبع روايات ـ في اقل تقدير ـ هذا فضلا عن الكتاب الشباب الذين مازالوا تحت سن الاربعين. هذا يعني ان مئات الروايات اليابانية ستبقى (محظورة) او (محرمة) على القارئ العربي الذي لا يجيد لغة اجنبية. وامام هذه الحقيقة المرة, يكفي ان نصرخ بصمت مخنوق: يا حرام! علي كنعان