في هذا الأسبوع صدمت صدمة كبيرة, فلقد اكتشفت تشابه بعض العبارات في ثلاث مقالات كتبتها عن زيارتي للبنان, وفكرت أن أكف عن الكتابة ولو لفترة طويلة, فأنا لا أحب أن أكرر ما أكتب. وكثيرا ما طلب مني اعادة موضوع كتبته في مجال ما, ليظهر في مجال آخر, ولكنني كنت أعارض الفكرة تماما, وأرى في ذلك افلاسا من الكاتب.وأذكر أنني ضبطت نفسي أكرر جملة في عملين, فتوقفت عن الكتابة لأكثر من عام. فالكاتب يجدد نفسه بالقراءة والمعايشة والتأمل. وما يستطيع كاتب - بين من تعرف من كتاب - أن يظهر في كل يوم بفكرة جديدة وتعابير جديدة. لذلك اذا أكثر من الكتابة فلابد أن تتكرر المعاني والألفاظ. ولقد بدأت حياتي وأنا أكره الأكليشات الجاهزة, وكانت في زماني كثيرة جدا, فلقد كان العهد قريبا بالمنفلوطي وأترابه وكان التلحين البارع في (الانشاء) الذي يستخدم تعبيرات مثل: أتوا زرافات ووحدا - وقامت ريح صرصر عاتية - وافترش الغبراء والتحف السماء - وقلب له ظهر المجن - وزرفت السماء دموعها الخ. وكلما وصل التلميذ الى عبارة متعقدة وزين بها موضوعه, كلما رضي عنه أستاذه وزاده علامات تكاد تصل به الى النهاية العظمى. وكنت كما ذكرت أكره هذه العبارات وأرفض تكرارها. وحتى الآن لا أدري هل كانت طبيعة خاصة, وأغلب الظن أنها كذلك, أو أنها نتاج قراءة سلامة موسى الذي كان يهاجم الأسلوبية ويدعو الى لغة تلغرافية معبرة, أو أنني كنت ساخطا على المحسنات التي أغرقت المعاني وأبعدتها عن ذهن القارئ. المهم أنني في موضوعات (الانشاء) لم أكن استخدم هذه التعبيرات المتوارثة. وكنت أحيانا أبحث عن تعبيراتي الخاصة فكنت أقول له: أظن من غدره ما كان خافيا بدلا من قلب له ظهر المجن. ولا حاجة لأن أشير الى أن بعض حلولي للمشكلة كان يمثل كارثة أكبر من كارثة التكرار. إذ كنت أقع في أخطاء فادحة. ولكن الأخطاء لم تكن هي سبب كراهية الأستاذ بيومي لي, بل كان (الفذلكة) كما كان يسميها . ويعني بها محاولة التميز بتعبيرات جديدة, ولكنها قاصرة, وكان يعنفني دائما على تقصيري وعدم (حفظي) للتعبيرات الجميلة. وكان الأستاذ بيومي يضرب المثل بي على انهيار اللغة وتراجع مستوى التلاميذ, الى أن حدثت الواقعة التي حددت مشاعره ضدي. فلقد كلفني بكتابة موضوع لا أذكره, وفي غالب الأمر كان عن الوطنية أو الواجب أو ما شابه.. أي أنه كان موضوعا عاطفيا. وطلب من كل تلميذ أن يقرأ موضوعه. وعندما أتى دوري أشار لي بسخرية: هيا يا فذلوك! وهكذا كان يسميني, وقرأت موضوعي الذي كان يختلف تماما عن تعاليم الأستاذ بيومي, حتى أنني أدخلت فيه قصة قصيرة. وما أن انتهيت حتى دوى الفصل بالتصفيق. وصعق الأستاذ بيومي, فأخذ يضرب المكتب بالعصا ليسكت التصفيق. لم يسمع موضوعا مؤذيا فقط, بل فقد تلاميذه الذين يتحمسون لهذه القفشات. وأظن - الآن - أن التلاميذ كانوا يصفقون لزميلهم نكاية في الأستاذ الذي يمثل السلطة الأبوية. وكنت آنئذ أظنهم معجبين بما سمعوا, واليوم أشك في أنهم ميزوا بين هذا وذاك, لكنهم أرادوا أن يبدوا انحيازهم لزميلهم. وأعتقد أن الأستاذ بيومي - في تلك اللحظة - رأى في شخصي الضعيف تهديدا للغة التي عاش حياته يقدسها, وأنني لم أتوقف عند حد (اعتناق) لغة رديئة بل أثرت في عدد من التلاميذ, وحماية لهم قرر ابعادي عن الدراسة بقية السنة, فعندما كان يدخل الى غرفة الدراسة يشير لي بالخروج. وكنت أسارع بالخروج سعيدا, ومحسودا من زملائي لهذا العقاب اللذيذ. وبدلا من أن أخرج لألعب مثل بقية التلاميذ كنت أذهب الى مكتبة المدرسة, أو أقرأ في كتاب كنت دسسته تحت ثيابي. وبالطبع كنت أكره الأستاذ بيومي آنئذ, على الأقل لأنه يعاملني معاملة سيئة, لكنني اليوم أقدره كثيرا, فرغم كل ما حدث كان هو الذي أعطاني أعلى العلامات الى حد أنه كان بيني وبين الدرجة النهائية نصف درجة فقط. هذا الحياد والموضوعية لم أجدهما كثيرا فيما بعد, وأذكر طالبا في الجامعة اضطهده أحد أساتذتنا, وظل يرسب في مادته أكثر من مرة, فلما ذهب اليه مستسلما طالبا قبول اعتذاره, راجيا نصحه, قال له: حول الى كلية أخرى! الأستاذ بيومي الذي لا أذكر ملامحه اليوم, كان على قدر كبير من الشرف والشجاعة لكي يتراجع أمام أحد تلاميذه عندما يقتنع بذلك. ولقد ذكرت سلامة موسى منذ قليل, وكان أحد كتابنا الأفذاذ وكان في مواجهة أكثر كتاب العصر انتشارا وهومصطفى لطفي المنفلوطي الذي اشتهر بترجماته. وعرفنا بعد ذلك أنها لم تكن ترجماته. ولو كنا عرفنا ما أبهنا لهذا, فلقد كان المنفلوطي ينتقي أعمالا ذات صفات عاطفية ويطلب ترجمتها ثم يصيغها بأسلوبه الفخم فيجعلنا نبكي على صفحات الكتاب. وكانت رواية (الشاعر) هي أحد هذه الأعمال. ومن الطريف أن الأصل فيها كان مسرحية أدمون روستان الشهيرة (سيرانو دي برجراك) ولاذكر القارئ الكسول, والقارئ دائما عزيز حتى لو كان كسولا, أقول له أن سيرانو هو الفرنسي صاحب الأنف الكبير, الذي أحب دون أمل لبشاعة وجهه, ولذلك وقف الى جوار صاحبه الغبي في حبه لفتاته روكسانا. وليس هناك من لا يذكر العاشق الغبي وهو يناجي روكسانا في ضوء القمر, وسيرانو خلفه مختفيا وراء شجرة يلقنه كلمات الغناء. وهو المشهد الذي تكرر بعد ذلك في السينما والمسرح آلاف المرات! ولا أدري هل تتذكرون أولا مشهد المبارزة فسيرانو يبارز بالسيف على ايقاع مقاطع شعرية ينتهي كل منها بطعنة لمنافسه. وهو المشهد الذي استوحاه الكاتب الكبير عبدالرحمن الشرقاوي في رائعته (الفتى مهران) . والمنفلوطي عندما صاغ (سيرانو) أو (الشاعر) حطم بناءها المسرحي وحولها الى رواية, وحذف وأضاف ما يساعد على جمالية أسلوبها الذي كان متميزا في عصره. وباقي ترجمات المنفلوطي وأشهرها (ماجدولين) وأحبها الى قلبي (في سبيل التاج) كانت بعيدة تماما عن أصولها. لكنها كانت غنية بالأسلوبية. وكان هناك كثيرون ضد أسلوب المنفلوطي ولكن أكثرهم شراسة كان العقاد والمازني وشكري الذين يمثلون مدرسة الديوان, وخاضوا حربا شرسة ضد المنفلوطي وأسلوبه وعودة الى موضوعنا الذي خرج بنا الحديث بعيدا عنه, الاحظ أن بعض أساتذتنا وزملائنا, يكتبون عملا ثم يستثمرونه أسوأ استثمار. يبدأون به رواية مثلا فيحولونه الى فيلم سينمائي ومسرحية ومسلسل اذاعي ومسلسل تلفزيوني وربما كان ذلك أكثر من مرة في نفس المجال. والبعض يرى أن هذا من قبيل الافلاس. فالموضوعات أكثر من أن نكررها. والحديث النقدي القديم عن الأفكار الملقاة على قارعة الطريق ليس صحيحا, لكن الأفكار تملأ الدنيا, وصنعة الكاتب هي ما يميز تقديمها. ومازالت الأزمة داخلي, صحيح أن أحدا لم يضبطني متلبسا بتكرار بعض العبارات في ثلاثة مقالات متقاربة الزمن, لكنني ضبطت نفسي.