الذاكرة .. هذه البؤرة اليقظة, والامتداد العميق, والخزين الذي لا يمتلئ أبداً .. والدراية التي لا يراد لها أن تغيب .. صارت ديوان شعر, حتى إذا كانت هذه الذاكرة مسننة, فأنها بالتأكيد ستكون محفوفة بالخطر والانتباه والترقب. أما إذا كانت هذه (الذاكرة المسننة) ، في موقع المكان مثلما هي في موقع الزمان .. فان الذاكر لها والمستيقظ لوجودها, يجد نفسه في (بيت الريش) في مكان آمن هو (البيت) وفي ذاكرة تتجلى وتتألق وتذهب إلى البعيد مثل (الريش) فان مآل ذاكرة كهذه لابد أن تكون ذاكرة حرة. هذا ما يوحيه عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الأردني: محمد العامري (الذاكرة المسننة / بيت الريش) . ومنذ الاهداء الذي يفتتح به هذا الديوان .. يبدأ وشم الذاكرة التي هي محور الاهداء, وما دامت قد استيقظت من غفوتها طويلة الأمد, فانها لابد ان تستعيد جزءاً من حياة معاشة: (تحدثت يوماً عن الكرم العامري / وعن خبزة القمح بين الرفاق / أحاديث كانت تطرز ثوباً الصبايا بكحل الغواية) . إن: اليوم, الخبز, الأحاديث, ثوب الصبايا .. كلها مؤشرات على ذاكرة مسننة, جمعت صوراً, ورسمت ملامح الماضي بتماس مباشر .. حتى إذا جاء زمن آخر .. كانت تلك الصور حية تملئ العين والقلب والحواس .. وقبل ذلك كله ذاكرة لا تعرف النسيان. يقول العامري: اتكأت على النهر / طوقت خيل القبائل بالعشب / كانت المياه مجلوة بالشموس / وكنت وحيداً/ / على مرمر صقلته المياه / .. أغيب بظلي / وأمشي على قلق بنهار تفسخ بالناي / أغزل من معطفي شجراً يتبتل بالغيم / يؤوي عصافيره بقرون البراعم ..) . الاتكاء هنا على الحركة والامتداد والانسيابية التي يمنحها النهر لعشاقه .. والوحدة هنا تعادل وحدة الاهداء البكر .. وعالم محمد العامري, عالم يفتح آفاقه لعوالم حرة تريد أن ترى الأشياء مجلوة على حقيقتها, على عذريتها السامية, وغزلها العميق والمحمل والمعطر بالأسرار. إنه يذكر: (امرأة تطحن الليل بالسهر الكامل / مشغوفة بالشخير الطويل) , إن كلمة (تطحن) هنا بمعنى تسحق وتذيب من ألم وحسرة وبلوى, وكل هذا السهر البطيء والمدمر .. هو من ركام وثقل وعذابات .. ورغبة في النوم العميق .. المستحيل على المرء .. على امرأة مهمومة تحديداً. الشاعر إذن لا يذكر ذاكرة تشتهي اليقظة المنفصلة عن سواها, انه يوجد علاقة حميمة مرة أخرى بين ذاكرته وذاكرة الآخر .. مما يجعل الذكرى .. خزيلاً من حياة تبعث عن سعادتها الكلية, والفتها المرجوة. ويقول: (حبيبي .. / أنا أول الورد في كفل النهر ../ خذني قليلاً إلى شمعدان الطفولة والطين .. خذني / قليلاً .. سأروي إليك فراغي / فقل للذين أسورهم بالعقيق .. / إلى الطيور التي حلقت في البعيد ../ لتلقي على الماء أسمالها وتشيخ/ قليل علي الغناء / كثير علي الهواء) . وعندما يكرر العامري مفردات كالنهر .. انما يريد الايحاء بالامتداد .. دون مصدات توقف هذا الامتداد .. ومثل هذا المد .. مد آخر في سماء تتسع لرؤية مفتوحة. غير اننا قد نختلف مع الشاعر في أن المزيد من الهواء .. يعني المزيد من الفناء .. فالهواء هنا .. حرية, أفق مفتوح .. وكل ما يؤكد هذه الصفة ويديمها, يديم إلى جانبها شغفاً بالغناء, وأفراحاً لا تهدأ. ويشعل الشاعر قناديل ذاكرته, وما دامت قناديل القلب قد أضاءت, فان كل شيء بات واضحاً .. ولأن الضوء كاشف, فان الوحشة لابد أن تبدد .. والوحدة التي يعاني منها الشاعر في سائر قصائد ديوانه, يمكن أن تأخذ نقاءها لكن الشاعر يرى ما لا نراه .. بحيث ان بهاء الصباح لا يجلو عماه, ولا يمسح عنه عتمة العمى التي يحس بها .. حتى ان المدى يضيق ويجعل من نهاره نهاراً مخبأ .. مآله إلى النهاية القاتمة التي يربطها الشاعر بالاحباط ومن ثم تراب الأفول. ومثل هذه الصور التي يستعيدها الشاعر في ذاكرته المسننة المحفوفة بالخطر .. يبدأها في لحظة يراها مثل ريش .. مثل هباء لا يفلح في إمساكه ولا يمكنه الحيلولة دون مساره المتخذ .. لكن الشاعر يملك خزينا حياً من الذكريات, يمكنه أن يستعيده ضمن فهم خاص للتجربة المعاشة والنظرة الحالمة, مقابل نظرة الحقيقة, والنظرة في موقع الرؤى التي تكشف عنها كل حالة على وجه منفرد لا يختلط بالوجوه الأخرى .. ولا عوالم الآخرين. الشاعر هنا .. شاعر حلم ونحيلة ووقائع .. وهي جميعاً عوالم الشاعر الحقيقي الذي يملك دقة في الملاحظة, وعدة وافية في اللغة, ونبوءة يثري بها نحيلة المستقبل, الذي يدركه الشاعر بحسه المسئول وقراءته الحلمية وتشوفه غير المحدود. من هنا كانت قصائد محمد العامري: (الذاكرة المسننة/ بيت الريش) قصائد نظرات تفي الشعر حقه في اكتشاف الأفق, ومشروعه في رؤية الآتي.