ستتخذ كنوز روسية مؤلفة من الذهب والمجوهرات التي نجت من الاضطرابات على امتداد عقود عديدة من الثورة البلشفية, من الولايات المتحدة مقاما لها طيلة الأحد عشر شهراً المقبلة. ويقول جيم ويفر رئيس ومدير مجلس ادارة متحف هيوستن لعلم الطبيعة حيث يقام معرض (ذهب الكرملين: 1000 سنة من الجواهر والمجوهرات الروسية) : (تخيل إذا جمع معهد سميشونيان خلال 700 سنة 140 قطعة من أروع الكنوز الأمريكية وأرسلها إلى روسيا ليستمتع بها الشعب الروسي, عند ذاك سترى ما فعلوه من أجلنا) . وستعرض القطع في هيوستن فقط ثم تنتقل إلى متحف فيلد في شيكاغو في شهر اكتوبر المقبل, وستعود الكنوز إلى موسكو في نهاية شهر مارس سنة 2001 ولن تسافر مرة أخرى, حسب مديرة متحف الكرملين ايرينا روديمتسيفا. وتعود فكرة إقامة المعرض الذي استغرق اعداده سبع سنوات إلى رئيس متحف هيوستن ترويت لاتيمر والمسئول عن الجواهر والأحجار الكريمة جويل بارتش اللذين اقترحا اقامة معرض لمجموعة واحدة تتوزع قطعها على ألف سنة. وقال بارتش ان الكرملين هو أحد عدد قليل من المتاحف التي تحتوي على قطع تستطيع أن تجلب لنا ألف سنة) . ومع ان الناس يعرفون الكرملين من ناحية كونه محور الحياة السياسية الروسية, إلا ان هذا المجمع المقام في موسكو منذ 633 سنة هو أيضاً المركز الثقافي والتاريخي للبلد, والمتحف التاريخي ـ الثقافي فيه يضم 65000 قطعة في مجموعته وسجلاته التاريخية. وينقسم المعرض المقام في هيوستن الى قاعتين تغطيان أكثر من 1000 سنة, ويركز القسم الأول على مرحلة ما قبل القرن الثاني عشر فيما يمثل القسم الثاني الفن الروسي من القرن الثامن عشر حتى الوقت الحاضر. والقاسم المشترك بين القطع المعروضة هو المشغولات المعدنية المشهورة والمصنوعات المرصعة بالجواهر والأيقونات الدينية التي تعكس الأثر البيزنطي القوي على الفن الروسي. في العام 1557 كلف إيفان الرهيب فنانيه بصنع إطار ذهبي لتغطية أيقونة خشبية. هذه القطعة تعتبر أفضل نموذج لمهنة الصناعة الروسية في القرن السادس عشر, ولا يحتوي هذا الاطار المرصع بالجواهر والمحفوي سوى على قطعة مخمل سوداء مكان الأيقونة, وقد استغرق صنعه ثلاث سنوات. والأكبر حجماً من هذا الإطار هو الغطاء الذهبي لناووس الأمير ديمتري, ابن ايفان الأصغر الذي توفي في العام 1591 عن ثماني سنوات, وجرى تطويب الصبي في العام ,1603 وأمر القيصر ميخائيل فيودروفيتش بصنع صورة محفورة في الذهب له سنة 1630. وقد زين فنانو الكرملين الغطاء بثلاثين كيلو جراما من الذهب والنقوش ومختلف الجواهر وصورة صغيرة لمختلف شفيعي العائلة المالكة, وهو من سمات التحف الفنية الدينية في روسيا, ويعتقد ان ثلاثة أغطية نواويس من هذا النوع فقط موجودة. وتقول عميدة متحف الكرملين مارينا مارتينوفا ان الناووس الحقيقي ضاع خلال حملة نابليون سنة ,1812 الا ان مجموعة من أكبر صانعي الجواهر نقلوا الغطاء وخبأوه خارج المدينة, ولم يعثر على الضريح الفضي الذي كان يضم رفات الصبي أبداً. وتضيف مارتينوفا ان الروس كانوا حريصين جدا على إخفاء كنوز بلدهم الفنية في أوقات الحروب والغزوات وكانوا يضحون بحياتهم من أجل حمايتها, وثمة عدة قطع بين المعروضات استعيدت بعد ان ظلت قرونا عديدة مخبأة أو ضائعة. وهناك اسوارة ذهبية مجدولة وقلادة ذهبية مرصعة بالزجاج الملون, وكلاهما يعودان إلى القرن الرابع ويقعان ضمن مجموعة أقدم المعروضات, اكتشفهما فتيان كانوا يلعبون قرب منزلهما على البحر الأسود سنة ,1927 ويعتقد ان القطعتين خبئتا خلال غزو جحافل الهون, وعندما سلم والد الأطفال القطعتين إلى الحكومة كافأته الدولة بحصان ـ والحصان كان يعتبر ثروة في أيام المجاعة القاسية التي أعقبت قيام الثوة البلشفية. وثمة غطاء للرأس من القرن الثاني عشر مزين بميداليات منقوشة اكتشفها عمال في العام 1988 في أثناء تركيب كابلات داخل متحف الكرملين نفسه, ويعتقد خبراء الآثارات ان غطاء الرأس المصنوع من الفرو والفضة جيء به خلال غزو التتار في القرن الثالث عشر. ومع ان الذهب والمجوهرات المحفوظة في الكرملين كانت رمزاً لحياة البذخ لدى الطبقة الارستقراطية الروسية التي أطاحت بها الثورة, إلا ان الحكام البلشفيين الجدد حافظوا عليها بعد استيلائهم على الثورة سنة 1917. غير ان مجموعة عائلة رومانوف المؤلفة من 54 بيضة فصح من صنع فابيرجيه ـ ولعلها اشهر القطع الفنية الروسية ـ اعتبرت بذخاً (مفرطاً) وبيعت في الثلاثينيات, ويعتبر مؤرخو الفن الروسي ان البيع كان خطأ, حيث لم يبق في البلد سوى 10 بيضات, فيما الباقي موجود في حوزة أصحاب المجموعات الشخصية. وتقول ايرينا بوليانينا وهي احدى عمداء الكرملين: (عندما بدأت العمل لأول مرة كمرشدة سياحية قبل 36 سنة, قيل لي ان معروضات فابرجيه لا تمثل شيئاً) , وخطوة بعد خطوة غيرنا ذلك المفهوم. وثمة بيضتان بين المعروضات الحالية, صنعت أحداهما احتفاء بإنجاز بناء الخط الحديدي العابر لسيبيريا سنة 0190_ والثانية في العام 1909 بمناسبة إنجاز بناء اليخت (ستاندارت) الخاص بآل رومانوف, وقد صنعت البيضتان بأمر من القيصر نيقولاس الثاني كهدية لزوجته. وتفاصيل النقوش الدقيقة على البيضتين أصغر مما يمكن مشاهدته بالعين المجردة من وراء غطاء نافذة العرض الزجاجية. وتحتوي البيضة التي صنعت لتخليد ذكرى الخط الحديدي على مجسم صغير للقطار الأول الذي انطلق على ذلك الخط, وهو مصنوع من الذهب والبلاتين بطريقة تسمح بطيه ليصبح بحجم علبة ثقاب, أما نوافذ القطار, وهي أصغر من ظفر طفل رضيع فمصنوعة من الكريستال واللازورد, أما مجسم اليخت دقيق الصنع فهو يمخر على بحر من الكوارتز منحوت بشكل أمواج تشقها مقدمة اليخت.