في مجال الاستدلال على ان التراث العربي قد عرف الكثير من النماذج, التي تتعامل مع اللغة دون هذا الحرج المرضي تجاه بعض المفردات, لأنها ـ كما يرون ـ مفردات جنسية محرمة أو معيبة في ذاتها, أورد البعض, بعض النماذج من التراث العربي ـ شعره ونثره ـ تفيد أن العربي تعامل مع هذه المفردات بحرية أكبر كثيرا مما يتعامل معها المبدعون الحاليون, وهي نماذج يعرفها المطلعون على كتب التراث العربي, بل ويعرفون أن ما نشر ليس إلا النذر اليسير مما حوته كتب التراث. ولم يكن القصد من ذلك ـ حسبما أرى ـ الإساءة إلى التراث, فهم لم يفعلوا أكثر من (نشره) ليطالعه من لم يتح له أن يطالعه, وخاصة هؤلاء الذين يحكمون حكما أخلاقياً, بل ودينيا على من يستخدم بعض المفردات الجنسية في أدبه, ولم يكن الاعتراض على التوظيف, بل كان على الاستخدام نفسه. القصد الأول الذي سعى إليه هؤلاء, أن يثبتوا بالدليل العملي القاطع أن بعض الأدباء حينما ينحون هذا النحو, لا يأتون ببدعة, وإنما يحاولون رصد النفس الانسانية في بعض صورها, وحالاتها, وذلك أمر بديهي لأنه من أهم وظائف الأدب, تلك الوظائف التي عرفها السابقون من المبدعين العرب وغير العرب, بل ان اجدادنا العرب كانوا أكثر جرأة, أو فلنقل أكثر حرية في التعامل مع كل ما هو انساني في تجربة الكتابة. وإضافة الى ذلك كان يمكن أن نضيف هدفا رئيسيا آخر من وراء نشر هذه النماذج, وهو ان الذهاب إلى إدانة استخدام بعض المفردات الجنسية, التي يرى البعض انها معيبة في ذاتها, وانها مفردات (تخدش الحياء العام) أمر حديث, استدعاه الحراك الاجتماعي في ظل منظومة القيم التي قدر لها أن تسود الحياة العامة, ولم يفرق هؤلاء بين الحياة العامة, ومنظومتها الأخلاقية, وبين قوانين العمل الأدبي, التي تتميز بالانتقاء وإعادة التكوين, وليست مجرد محاكاة (أمينة) للواقع, فليس الأديب مصورا فوتوجرافيا, ولا ينبغي له أن يكون. واعتقد اننا يمكن أن نضيف هدفا آخر من وراء نشر هذه النماذج, وهو هدف أدبي أصيل وضروري لفهم الظاهرة الابداعية العربية في تاريخها الأدبي, ويتمثل في إلقاء الضوء على هذا الجانب (المسكوت عنه) في الثقافة العربية, واخضاعه للدرس العلمي الأكاديمي الجاد, للكشف عن مبرراته, وما يطرحه, ودلالاته الأدبية وما يكمن فيه من قيم جمالية, نتيجة شبكة العلاقات الفنية التي تطرحها مثل تلك الأعمال, فاعتقد ان هذا النوع من الطرح الأدبي قد استدعى تشكيلات فنية مغايرة, والبحث عن هذه التشكيلات, وإماطة اللثام عنها أمر ضروري, لفهم الظاهرة الثقافية العربية بعمق ووضوح. وكان من المتوقع أن تؤدي إعادة نشر مثل هذه النماذج, إلى أن يعيد الطرف الآخر التفكير في الاتهامات التي وجهها, وفي وجهة النظر التي تبناها, وانحاز إليها, خاصة وأنها وجهة نظر متشددة وعاطفية وحادة وغير موضوعية, وتحتكم لما هو غير أدبي, في محاكمة نص (أدبي) أساساً, وأن تفكر في الأمر بآليات جديدة, بعد ان اتضحت له (معطيات) جديدة, تستوجب إعادة النظر في القضية برمتها. ولكن الأمر جاء على النقيض تماماً من ذلك, حيث علت في الأفاق دعوة صاخبة تنادي بـ (حرق) و(استبعاد) و(إقصاء) هذه النماذج, بل وذهب البعض إلى أن هذه النماذج, شاذة في التراث العربي, حرصاً على أن يبقى ناصعاً ومضيئاً. ولقد هالني هذا الاتجاه كثيرا, كما أثق انه قد هال الكثيرين, ان الجرأة على الآني والحالي والمعاصر, أمر معروف ومقبول, وإن كنا نرفض ما يتسم به من انفعالية أبعدت عنه الموضوعية, وأوقعته في العديد من المغالطات التي لا تثبت أمام البحث والتعمق, أما الجرأة على التراث, وبمثل آليات الجرأة المستخدمة مع الآني, أمر فاق كل توقع. كنا نتوقع أن يبرر هؤلاء استخدام السابقين لهذه المفردات, وأن يتحدثوا عن الفرق الزمني بين فترتين, لكل منهما خصائصها, وأخلاقياتها .. إلى غير ذلك من مبررات, يمكن أن تقال, حتى مع عدم صمودها أمام البحث والتحليل. أما ان يذهب البعض إلى (استبعاد) هذه النماذج من التراث العربي, فهذا أمر لا يمكن تصديقه, ولا التعامل معه, كما انه لايمكن وصفه, فوصفه قد يجر إلى أسلوب لا نوافق عليه ولانشجعه, ولا نتبناه. التراث ظاهرة انسانية لايمكن اعادة تشكيلها, فهو قد تشكل وتكون, وصارت له هوية مستقلة, ولا يمكن أن يخضع إلا لظاهرة التحليل العلمي والبحث والنقد, ومن خلال ذلك يتم استنباط القوانين وآليات الحركة الثقافية, التي تتحكم في الظاهرة الثراثية. ولعل هذا الاتجاه في المطالبة بمصادرة ما لا توافق عليه أهواؤنا من التراث, يبرر الرفض الحاسم من قبل المثقفين, لمنطق المصادرة والاقصاء التي نتعامل بها مع ما نراه مخالفا, ليس ذلك دفاعاً عن عمل أدبي بعينه, وانما هو دفاع (عن آليات تعامل وقوانين تحكم هذا التعامل, وخوف من أن هذا المنطق ـ إذا قدر له أن يسود ـ سنجد أنفسنا أمام منطق يطالبنا بإقصاء أنفسنا ذاتها, لأنها تحتوي على بعض المفردات والسلوكيات, التي قد يراها البعض تخدش الذوق العام. د. مشهور فواز