(المرأة زاحمت الرجل أو هي تزاحمه في مجالات شتى) . لم نكن نعرف لهذه العبارة معنى إلا بعد أن تحققنا من مغزاها ودلالتها في الأيام العشرة الأولى من شهر يونيو (الفضيل) . هي الأيام التي شهدت بالتحديد انعقاد (بيجين زائد خمسة) وتلك هي الترجمة الفصيحة للدورة الاستثنائية، التي عقدتها مؤخرا الجمعية العامة للأمم المتحدة وخصصتها على سنّ ورمح للمرأة وقضاياها ومشكالها وهمومها وتطلعاتها.. وربما طموحاتها ومشاغباتها أيضا! وكان العالم قد شهد منذ خمس سنوات بالتمام والكمال انعقاد المؤتمر العالمي المعني بالمرأة وقد التأم عقده في العاصمة الصينية التي كنا نتعارف عليها في الاعلام العربي باسم (بكين) فإذا بالأصدقاء الصينيين أنفسهم يرفضون هذه التسمية المأخوذة عن اللغة الفرنسية ويقولون على نحو ما أكده لنا زملاؤنا في الدائرة الصينية بالأمم المتحدة إن النطق الأصيل المقبول لعاصمتهم الغنية هو (بيجين) . ورغم أن الاسم الجديد لايروق لنا لفرط بشاعته إذ يذكّرنا باسم واحد من الارهابيين الدمويين هو مناحيم إياه, الذي تسلم يوما زمام الزعامة ورئاسة الوزراء في الكيان الصهيوني ثم جاءت الأيام السود التي تلقى فيها هذا السفاح الصهيوني لقب (صديقي..) من المرحوم أنور السادات. رغم هذا فلابد كما ترى مما ليس منه بدّ.. وليس من مناص سوى التسليم بأن عاصمة الصين أصبح اسمها بيجين.. الذي أقامته الأمم المتحدة بمناسبة انقضاء خمس سنوات على مؤتمر المرأة إياه حيث استعدت المنظمة الدولية لاحداث (بيجين+5) كما صاغوها ولاستقبال أفواج من بعد أفواج من نساء الشرق والغرب وفدن بعونه تعالى على ضاحية مانهاتن في نيويورك حيث نسكن ونكتب هذه السطور مندوبات للدول صغيرها وكبيرها.. وممثلات عن منظمات غير حكومية وغيرها مما اصبح يعرف في زماننا باسم مؤسسات المجتمع المدني.. وهي مؤسسات ومنظمات بعضها فاعل ومهم ونشيط وجاد لأنه يؤدي خدمات جليلة في مجالات قضايا المرأة أو الطفل أو الشباب أو متحدي الاعاقة.. ناهيك عن مجالات التنمية البشرية بالذات المتصلة بالفئات المذكورة .. وبعض هذه المؤسسات الأهلية أو غير الحكومية تصدق عليها مقولة (ما أنزل الله بها من سلطان) وما ظنك مثلا بمؤسسة من الهند الصديقة أيضا.. تقدمت بأوراقها تطلب بإلحاح شديد الحصول على المركز الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة وتلك مكانة مرموقة من حيث الاعتراف الدولي وترنو اليها كل مؤسسة غير حكومية.. والطريف أن هذه المؤسسة الهندية كتبت اسمها على الشكل التالي ونحن ننقله لك حرفيا وأرجو أن يكون صبرك طويلا بقدر طول الاسم وهو (بوشاسا نواسي شيري اكشار بورتونام سانشا) .. في شاهبورج, أحمد أباد. وبعد هذا الاسم.. الأشبه بقطار الضواحي أو فلنقل بعد هذه الخطبة المسهبة الطويلة تشرع المؤسسة إياها في تعداد مآثرها وانجازاتها التي تفخر بها وتعتز, فإذا في مقدمة هذه المآثر أن منظمة بوشاسا نواسية الخ.. الخ.. أرسلت خمسين فردا من شباب أعضائها المحروسين, للمساعدة, لا في انقاذ ضحايا فيضانات نهر الجانجز ولا في اصلاح ما أفسدته الأعاصير الموسمية في هضبة الديكين ولكنها أرسلتهم الى أفريقيا.. للمشاركة تحديدا في اصلاح سفارات أمريكا التي تعرضت مؤخرا لحوادث انفجارات! يرجع مرجوعنا الى مواكب النساء القادمات من كل شعاب العالم وقد حولن شوارع مانهاتن ولاسيما تلك المحيطة بمقار الأمم المتحدة والمفضية اليه الى ما يشبه مهرجان الأزياء الوطنية. نبادر بالاحتراز فنقول انه كان مهرجانا شائقا ومتنوعا في كل حال بقدر التنوع الثقافي الذي انعكس في الدورة الاستثنائية للجمعية العامة حيث ضمت مندوبات من نحو 150-160 من أقطار العالم منهن السافرات والمحجبات.. بل والمنقبات ومنهن الأفريقيات ذوات الملابس البديعة من حيث الألوان والتطريز وقلنسوات الرأس التي يمكن أن تميز نساء غانا عن نساء مالي عن نساء النيجر.. فضلا عن أردية نساء الشرق الأفريقي من أثيوبيا وجيبوتي وتنزانيا وأريتريا ولباسهن أقرب الى الثوب السوداني الخفيف.. الجميل والأصيل.. وربما كان هذا كله مستجدا على أهل مانهاتن من الأمريكان الذين كانوا قد تعودوا على الساري الهندي ومشتقاته الآسيوية لفرط اعتيادهم على رؤية خبراء وخبيرات من شبه القارة الهندية وما حولها يعملون لدى الأمم المتحدة لفترات تطول أحيانا وقد تقصر في بعض الأحيان. وليس لدينا في كل حال, احصاءات موثوقة تؤكد بالأرقام أن المرأة زاحمت الرجل. ولكن الموثوق لدينا هو ما شاهدناه وعايشناه طيلة النصف الأول من يونيو الحالي من مزاحمة المرأة للرجل في مطاعم ومشارب ومقاصف الأمم المتحدة ويا مولانا.. أينما تولي وجهك كنت تواجه بزحام كثيف في كل كافيتريات تقصدها من أجل لقمة تبتلغ بها أو حسوة تروي الظمأ طيلة يوم العمل الطويل الطويل.. والزحام لم يكن مجرد تجمع لأفواج البشر وحسب بل كان زحاما ديناميا فعالا تسوده ضجة نسائية صاخبة ورطانات أشبه بلغات البرج التاريخي الشهير في بابل القديمة. كأنما لم يكف الأخوات الفضليات من نساء العالم.. تلك الساعات الطوال التي أمضينها في اطار المناقشة العامة (جنرال ربيت) في رحاب الدورة الاستثنائية.. هاهن يستكملن الكلام والانفعال والحماس والحوار والزيطة - كما يقول مؤرخنا الجبرتي - في أنحاء المطاعم الكائنة في الطوابق الأربعة الأولى من مبنى الأمم المتحدة (39 طابقا) يستوي في ذلك مطعم الوفود الفخم في الطابق الثالث ويؤمه السفراء ومندوبو الدول وكبار الزوار (ولا مانع من أن يرتاده أمثالنا ممن هم على باب الله.. معزومين في غالب الأحيان) ويستوي أيضا مطعم الموظفين المتواضع في الطابق الرابع وأسعاره متوسطة وأصنافه تكاد تعلم المرء آداب الطعام بسبب محدوديتها من حيث التنوع والكمية.. دع عنك كافيتريا إخدم نفسك أو مطعم الشعب كما قد نسميه حيث الأسعار مدعومة من ميزانية اتحاد الموظفين وحيث الأصناف متنوعة على قدر التنوع في الثقافات والأذواق بين شعوب الدنيا (يقدمون أحيانا أطباقا رمضانية شهية عند حلول الشهر الكريم) وحيث المساحات واسعة والمجال فسيح والبساط أحمدي على ضفاف نهر الايست.. في كل من هذه المواقع التغذوية حدث تبادل جذري في المواقع: لقد أصبح الموظفون الأصليون في المنظمة الدولية ضيوفا وأقلية مضطهدة وربما مطاردة وسط زحام الاوانس والسيدات اللائي كن يتصرفن في المكان تصّرف المالك الأصيل فيما يملك.. هكذا ظل الموظفون يعّدون على أصابعهم انقضاء الأيام الحافلة الخمسة التي استغرقها اجتماع الجمعية العامة.. بعدها.. بدأت الوفود النسائية في الانحسار والاضمحلال استعدادا للعودة الى الأمصار والأقطار التي جاءت منها. ومن عجب أن بعضنا ظل يفتقد وجودهن رغم الزحام في الابهاء والصالات والرواقات والمقاصف.. بصراحة كانت جموعهن تملأ المكان صخبا ولكن تفيض عليه وهجا وحيوية.