تراب, رمل, حجارة كلسية وآثار الحريق الأسود على قبتين مفتوحتين من القباب المبنية بالحجر الصخري, احداهما متخمة بالاشكال الفخارية المختلفة والاخرى فارغة. مساحات بعضها مزروع بالطين على شكل كتل حمراء كبيرة والبعض الآخر معرضا للسلع النصف معدة يحيطها كسر الفخار وأدوات اخرى لا نعرف اسمها ولا وظيفتها. ومن وسط كل ذلك يبرز بقامته الطويلة وبكتفيه العريضتين بثياب العمل التي يختفي لونها الحقيقي تحت طبقات الطين على انواعه. يبرز باسما مرحبا فاصحا للزائرة الاتية ومتجنبا مد يده للسلام خشية ان تتسخ أيدينا. امد يدي و.. اصافح صخرا, جبلا, ترابا, عمرا بل اصافح ارضا. ـ أنتم الصحافة.. يأتون من وقت لآخر حين يشتاقون للتراب. يدير ظهره ويسير امامي ليجول بي في انحاء المحترف (الفاخورة). جرار, اباريق, زهريات, صحون فخارية, شمعدانات, اشكال كبيرة وصغيرة بعضها للاستخدام اليومي والجزء الكبير للزينة تطلبه معارض (الارتيزانا) والفنانون والافراد لاستخدامه في زخرفة المنازل والمطاعم والاماكن السياحية والفولكلورية بهدف اضفاء مسحة اصالة وتراث على الجو العام بات تراثا وزخرفة بعدما حل مكانه في المنازل الادوات والاوعية البلاستيكية والزجاجية والمعدنية على انواعها فلم تعد على (الموضة) طنجرة اللبن الرائب الفخارية, ولا جرة المياه او الابريق, ولا زهرية الفخار المطلية, ولا وعاء قلي البيض واللحم الفخاري او صحن الطعام. يداعب الكتلة الطينية وهو يحملها من (العجان) في طريقه الى الدولاب المرتكز الى طاولة خشبية, موصولا بعجلة تحت الطاولة. يدوس على لوحة تدير العجلة التي تحرك الدولاب الافقي الذي يضع عليه الكتلة امامه, فيختفي نصفه السفلي من الجذع نزولا تحت الطاولة وتبدأ قدماه بالعمل, ليبدأ الجزء العلوي من الجسد بالتمايل مع بدء عمل اليدين ودوران العجينة التي تبدأ بالتشكل الذي ترعاه الاصابع اللينة على ضخامتها. يرفع اصبعا ليضع الاخر طالبا خطوطا محددة للكتلة التي تدور وتدور بين الكفين المبللتين بالماء الذي يساعد على الانسياب السلس والممتع للقطعة التي تبدأ بالصعود والتشكل متلقية اوامرها من الصانع الذي يفرد يديه قليلا ليتسع الشكل ويتدور حينا ثم يعود ليضم الاصابع فيضيق الشكل ويكاد يقفل عند الفوهة لافظا كتل الطين الزائدة عن الشكل المطلوب. وها هو الجزء الاساسي من الجرة قد اصبح جاهزا, يركن في الضوء والشمس ليجف منتظرا دوره للاكتمال بفتحة مميزة للجرة او مسكتين على الجانبين تسهلان حملها وتضفي عليها الشكل الاخير, او اي زيادة زخرفية اخرى, كوردة فخارية تزين البطن او قطعة على شكل قلب او دائرة في الرقبة من الاعلى (انظري ما اجملها وارشقها) يقول: ثم يتناول باسما عجينة اخرى وتلمع العينان مستهلة من جديد رسم الجمال. كنا نعجن قديما بواسطة الهرس بالقدمين والتدليك بالعصا المبرومة الشكل: كعجينة الخبز تماما, وذلك قبل شراء الآلة التي تقوم بهذه العملية بسهولة ويسر وتوفر علينا العناء نلقمها الطين الخام الذي يحتاج احيانا لبعض الرمل نضيفه اليه ليزيد من خشونته فهو لا يصلح ناعما, ويتكسر عند وضعه في الفرن, فالرمل يزيد من تماسكه. نجفف النموذج بداية في الشمس والهواء ثم نعيده الى الدولاب لاضافة الاقسام الناقصة, كباب الجرة مثلا (الرقبة) او اليدين, ونعود لنضعه في الشمس والهواء كمرحلة اولى قبل ان تجمع النماذج وتوضع كلها في الفرن الذي يشويها لتصبح اكثر متانة وقساوة. نبيعها سمراء, بسيطة, وجميلة من دون الوان ولا صبغات, والزبائن احرار في زخرفتها وتلوينها كما يشاؤون وخصوصا اولئك العاملين في المحترفات الفنية (الارتيزانا) ومعاهد تعليم الرسم والزخرفة على الزجاج والفخار. المواد الأولية الفخار مادة متواضعة لا تقبل الالوان الخاصة والمستوردة التي تستخدم في زخرفة السيراميك الذي يدخل بعد زخرفته الى فرن خاص للالوان فيما بعد. انه يتقبل انواع الدهان العادي ويترك ليجفف على الطبيعة. والمادة الاساسية التي يعتمد عليها صنع الفخار هي التربة الصلصالية بانواعها: الكلسية,والحديدية والتربة الحمراء. يأتي بعد ذلك, الماء الذي يلعب دورا اساسيا في التكوين, التذويب, والفرز. الخطوة الاولى تبدأ بتحضير انواع التربة اللازمة وتنشيفها. الخطوة الثانية هي بركة المياه التي نملؤها ثم نضع فيها التراب بمعدل ثلثي الارتفاع ويبدأ العمل بالتحريك الدائم لهذا المزيج لتذويبه, فتطفو الطبقة الطينية على السطح وتترسب الحصى في ارض البركة. الطين الذي يطفو على السطح هو الذي يستخدم في صناعة الفخار. وللبركة فتحات في الثلث الاعلى منها, تفتح ابوابها بعد انتهاء عملية التذويب لتتسرب منها المادة اللزجة التي ستصبح بعد تنشيفها بواسطة الشمس والهواء عجينة الفخار. المدة اللازمة لتجفيف هذا السائل تتراوح بين 15 الى 20 يوما بحسب قوة الشمس وجفاف المناخ. (الفرز يتم اذا بواسطة المياه, يقول الفاخوري) كاستخراج الذهب تماما. (عملنا هذا بدائي, وتتم هذه العملية اليوم بواسطة الخلاط الالي الذي يفرز تلقائيا بعدما يجف التراب بالدرجة المطلوبة يحمل الى المستودعات تحت الارض ويخزن للشتاء بتغطيته بالنايلون بعدما تؤخذ منه الكمية المطلوبة للعمل في الصيف. يبقى طين المستودعات صالحا لمدة عامين او ثلاثة اعوام اذا منع عنه الهواء وحفظ بطريقة صحيحة) . ان تأسيس هذه المصلحة يعود الى خمسين عاما, يقول الفاخوري (اسسها والدي وطورناها انا واخي, ولدنا في المصلحة, وهذا ابني والاخر ايضا هو ابني وهذا ابن اخي, والشاب الواقف هناك هو قريب لنا, لا نستعين بالغرباء فنحن اقدر على حفظ مصالحنا. تعلمت حتى الصف الخامس الابتدائي ولكن اولادي جميعهم في المدارس والجامعات عندي 12 ولدا 5 اولاد و7 بنات. المصلحة تسترنا وتكفينا وكما يقول المثل: (فلاح مكفي سلطان مخفي) . احب العلم والدراسة, ابني الكبير يحمل دبلوما في التجارة والمحاسبة وها هو يعمل كاخوته معي في الفاخورة حتى بعدما تزوج. الثاني يدرس الهندسة المعمارية وابن اخي كذلك, وهو موهوب ايضا في الرسم والزخرفة. يتعلمون لتأمين مستقبلهم والضمانة هي المصلحة والعمل الحرفي, فهذا يكفيهم شر الايام وغدر الزمن. ومهما تعلموا فيجب ان يتقنوا حرفتنا هذه. الفتيات عندي يقفن عند حدود الشهادة المتوسطة ليتعلمن الخياطة بعد ذلك. ممنوع تخطي هذه الحدود ولو رغبت احداهن باتمام تعليمها. هذا لم يكن قراري. كنت اود تعليمهن حتى المرحلة الجامعية. ولكني عدت وغيرت رأيي بناء على نصيحة مديرة المدرسة التي اشارت علي بتعليمهن صنعة تعينهن على الحياة وغدرها, والاكتفاء من التعليم المدرسي بالمرحلة المتوسطة, اطعتها في ذلك فهي متعلمة وتعرف اكثر مني. وقعت تحت ضغط احدى بناتي الراغبات في التعليم الجامعي, وهي فتاة ذكية جدا ومجتهدة, ولكني قاومت وأجبرتها على التوقف بعد الشهادة المتوسطة, فمثلها مثل اخواتها وممنوع ان تتعلم بنت اكثر من اخواتها! منافسة اجنبية نحن الفاخورة الوحيدة في هذه المنطقة رغم ذلك فالاسواق ميتة مضاربة السلع الاجنبية قوية, خاصة تلك المصنوعة في الصين, فهي تستورد باسعار مخفضة بحسب كلفة اليد العاملة لديهم, حاولنا التصدي لهذه المضاربة بتسليم المستورد بنفس السعر الخارجي, اي بتخفيض اسعارنا. وهذا ما وفر عليهم معاملات ومشاق الاستيراد. فالنوعية لا تختلف بل ان فخارنا اجود من الفخار الخارجي ونحن لا نستخدم الآلات, الربح قليل ولكننا زدنا من تنويع الاصناف ومن ساعات العمل حتى نزيد الانتاج ونعوض تخفيض الاسعار. انا اعمل 14 ساعة في اليوم تقريبا. لقد ارهقني التنوع في الاصناف لا كثرة ساعات العمل فحين اعمل على صنف واحد تعتاد يدي على حركة واحدة ولا استخدم سوى قالب واحد واتجاه واحد للدولاب, اما حين اعمل على 15 او 20 صنفا ترتبك حركة اليد ويلزمني وقت اطول لاعتياد الحركة الجديدة. الاسواق ايام الحرب كانت افضل. فلم يكن هناك من حركة استيراد وتصدير كاليوم وهذا ليس حالنا نحن فقط, فكل انواع السلع اللبنانية الزراعية والصناعية تتعرض للمضاربة الخارجية والدولة لم تنفذ الخطوات اللازمة والضرورية لحماية الانتاج الوطني صناعيا او زراعيا. يكمل حديثه من دون النظر الينا, تأخذه القطعة التي يعمل عليها بعيونه ويديه وقلبه. (علاقتي بالقطعة التي أعمل عليها تشبه علاقة المزارع الذي ينتظر الثمر, فاذا اعجب الزبون بالنموذج ورآه جميلا, احس بالفرح وامتلئ بالزهو, فهذا ما صنعت يداي) . لبنان ـ سلام بدر الدين