في هذا العالم المضطرب الباحث عن السلام تتراجع أولويات تطوير وتنمية الانسان والخير الملائم لحياته على هذا الكوكب, وتتقدم اهتمامات لا تنتج إلا الحروب والكوارث المدمرة على كافة المستويات بما فيها المستوى البيئي على الرغم من الاهتمام الواسع الذي نلمسه دوليا, سياسيا واجتماعيا .. مع ذلك فما زلنا نلمس ضعف الاهتمام بموضوعات البيئة في المنطقة العربية لأسباب كثيرة تقع في اطار الأولويات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية. ورغم ان دولا عربية تدعم معاهد ووزارات ومراكز وهيئات ومنظمات بيئية الا انها ما زالت بحاجة إلى تفعيل دورها الاجتماعي بمعنى أن يكون في المجتمع العربي ارادة بيئية تقدم الوعي الحقيقي بالدعوة إلى (ادخال البيئة في الجسد الثقافي التغييري والحضاري كآلية من آليات الثقافة والتفكير) بصنع الخطط وبنائها في رعاية مباشرة من الإعلام التنويري الذي يقع على عاتقه الخروج من الدعوات المظهرية الى الدعوات الفعلية لممارسة هذا الوعي عبر الوسائل الارشادية المتوفرة التي يمكن تيسير مرور المعلومات البيئية وتدعيم المصطلحات البيئية بإبراز خصوصياتها ونشرها في الخطط العملية والعلمية لتحقيق السلام البيئي الذي لا يقل عن أي سلام آخر يمكن في ظله مواصلة تنمية الانسان في مواجهة الكوارث البيئية المهددة لوجوده, والتي تعتبر كارثة بوبال في الهند عام 1984 وتشيرنوبيل عام 1986 مقدمات لاحصائيات ترى أن 10% من المفاعلات في العالم مهددة في هذا القرن لتسربات مماثلة إن لم تكن أكثر تأثيراً. أن ترى العالم في حبة رمل والسماء في زهرة برية وتحمل اللانهاية في راحة يدك وتضبط الأبدية في ساعة من الزمن الشاعر وليم بليك هكذا هو الكون, أو هكذا يتم فيه التبادل, الكل في الجزء والجزء في الكل محققا (اللوجوس) أي الكون في معلمه الحياتي أو الذاتي, أو الحقيقة في تجليها المفهومي حيث كل مخلوق يحمل في داخله نمطه الخاص الذي يحدد تمايزه الفردي وتطوره وكماله النهائي أو ما يمكن دعوته على مستوى الكائنات بالذات التي تحمل صيرورة ما تبدعه. الانسان سعى منذ البداية إلى إيجاد مفهوم يحدد الحياة ككل متناسق في الفضاء الشاسع لحركة وعيه فأخضع نفسه لمجموع النظريات المتطورة بتطور وعيه, إلى أن وصل إلى التفكير البيولوجي المعاصر. ان الانسان فيما يبدو قد وضع نفسه مرة أخرى في مادية النظرة إلى بنية الجسم كمعلومات لا تخرج عن كونها وهماً. في هذا الاطار التبادلي بين المعرفة وجهلها, بين النور والظلمة, جهد الانسان لتفسير حقيقة وجوده وارتباطه بكوكب الأرض والذي من الهجس به تولد ما ندعوه اليوم (فن البيئة) . من فنون ما بعد الحداثة بسبب التعديات البيئية, والتجاوزات التي سببت كوارث باتت تحيق بالانسان اينما كان على هذه الأرض تحددت معالم (فن البيئة) كأحد الاتجاهات الفنية لفنون ما بعد الحداثة الذي أكدت وجوده الجماعات الفنية والأفراد في مختلف أنحاء العالم, فمنذ أواخر السبعينيات بدأت تتضح معالم (فن البيئة) في مواجهة المستقبل الغامض الذي ينال التهديدات المختلفة والقاسية للوجود الانساني على هذا الكوكب .. بعد ان كان يدعى (بفن المناخ) الذي يمكن ارجاعه إلى بداية القرن العشرين حيث استطاع الانطباعيون اعادة تقييم العمل الفني من خلال مجموعة معطيات تمحورت حول النور والانعكاس وعلاقتهما بالطبيعة, الأمر الذي طرح المواجهة المباشرة بين الفنان الانطباعي وعناصر تكوين اللوحة الجديدة باعتبارها (المختبر النهائي أو الحيز الطبيعي لانجازها) وهكذا بدأ التعامل مرة أخرى مع مفردات الطبيعة ذات الصلة (الانعكاس, الانكسار, الماء, الأثير الهواء, الموج, البحر, الغيم, الشمس, الضوء .. الخ) والتحولات المختلفة الناتجة عن تداخل هذه المفاهيم في المدى الفرضي للعمل الفني, وما يقابله من مدى حسي في الطبيعة أو البيئة, وهذا ما طبقه جماعة التنقيطية أمثال (سورا) أو جماعة الوحشية (لوتريك) باضافة المواقع التشكيلية المختلفة إلى العمل الفني, بعد أن حقق (مونيه) متابعاته لتحولات الضوء والمكان في مرسمه العائم المتحرر من الجاذبية الأرضية إذ حقق توازناً حركيا ذاتياً في جعل مرسمه يطفو فوق الماء ليتحرر من جبرية الثقالة الأرضية العمودية مستبدلا الأرضية بأرجوحة الماء والنور وتبعه آخرون من الفنانين الانطباعيين حينذاك أمثال (سينياك). وتمثل أعمال مونيه (الدائرية بخاصة - 360ْ) فن المناخ بحق وقد استطاعت أن توصف هذا الفن بالاعتماد على تطابق الاحساس البصري بالمدى البيئي عبر (تصوير المسافة الأثيرية الممثلة للغلاف القزحي المتأرجح بين الراسم والمرسوم) معتمداً على التحولات الضوئية في بحيرة منزله باعتبار ان الطبيعة المصدر الأساسي لاستنباط المعلومات البصرية والناظم الشكلي للامتدادات والتوليدات الشكلية المرئية وغير المرئية المستخدمة في لانهائيات التحقق الجمالي. في هذا المستوى من التفكير بالاحتضان البيئي للفن, وعبر علاقة التجاذب الملحوظة فيما بينهما, بقي الفن يراوح بين محاكاة الطبيعة وتجاوزها, بين افتعال المماثلة واستلهام الواقع لبناء الصورة الحقيقية لوجوده والوقوف على قوانين تحقق الجمال في الطبيعة, وإذ تراوحت النظرات وفقا للفلسفات ووجهات النظر المختلفة, فإن موقف الفن من الطبيعة بقي موقفا ايجابيا في عمقه وغايته, يعتمد في الغالب على البصر الى جانب الذاكرة لبناء الموقف الذهني الذي يقتضي التفكير في الأثر المباشر ليس من حيث تحققه في الوجود, بل عبر الاطر البيئية المحيطة بتحققه على الهيئة التي تجعلنا نستجيب لبثه الجمالي المتدفق والذي يفترض التعامل معه على أساس التوازن لا الخلل اللاحق أو الموازي لوجوده, فليس كل ما نراه مجردا هو الصورة الحقيقية لوجوده, ولا يمكن لنا ونحن نقف على أطراف الصحراء أن نحكم على هدوئها أو حركتها أو حرارتها أو تناقضاتها فقط .. فهناك القوانين التي تجعلها متحولة في أنظمة تحققها كعالم منفتح على اتصاله الكوني بالحرارة والبرودة والانتهاء إلى الجبال أو البحار وهذا هو حال البحر أو النهر في صياغة القوانين الخاصة بتحققهما وهو ما حاول الشاعر بليك أن يعبر عنه حين قال (ترى العالم في حبة رمل, والسماء في زهرة برية) . كتب العالم الفيزيائي دافيد بوهم وهو من المتأثرين بأينشتاين: (كل ما يبدو لنا في العالم مستقرا, ملموساً, مسموعاً, لا يخرج عن كونه مجرد وهم, وحقيقة العالم هي انه ديناميكي, لا نهائي في أشكاله وألوانه وليس في حقيقته, فما نراه على نحو قياسي ونظامي هو نظام الأشياء المنبسط القابل للتفسير والتوضيح, لكن هناك نظاما تحتياً يشتمل على الكل ويعد أباً لهذا النشوء الثاني, ووصف (بوهم) هذا النظام الثاني بأنه متضمن ضمني أو منطو ومنغلق, ويضمر هذا النظام المنطوي الضمني واقعنا ويخفيه, تماما كما يضمر أو يخفي الـ DNA الموجود في نواة خلية الحياة الكامنة أو الموجودة بالقوة ويوجه طبيعة انفتاحها وكشفها) , ويضيف (بوهم) اننا (منذ جاليليو ونحن ننظر إلى الطبيعة من خلال العدسات وان تصرفنا أو سلوكنا في موضع الشيء أو التشيؤ, كما هي الحال في ميكروسكوب الكتروني, يبدل أو يعدل ما نأمل أن نراه .. فنحن نريد أن نكتشف أطرافه وحدوده, ونجعله يهدأ لوقت قصير, لكن طبيعته الحقة تكمن في نظام آخر للحقيقة هي بعد آخر, لا توجد فيه أشياء ..) (مدخل إلى المبدأ الكلي ـ ندرة اليازجي). حقول البصر لم تتطور المفاهيم والتصورات الانسانية إلى ما آلت إليه الا وفق التحولات الطارئة على آليات وعي الانسان, وفن البيئة الذي نحن بصدده الآن انما تلاحقت تحولاته على مر السنين إذ يمكن ان نلاحظ ما سجلته الاكتشافات الانسانية في الكهوف البشرية الأولى (التاميرا ولاسكو والصحراء الجزائرية وشوفي وغيرها) من رسوم وألوان استخلصها انسان ما قبل التاريخ من بيئته الطبيعية محققا ما ندعوه اليوم (الصباغات الطبيعية) المستخلصة من الأتربة الحمراء والفلزات وأغصان الأشجار والعروق المتفحمة والكلس الأبيض وأوراق النباتات وغيرها من المواد التي عالجها كي تبقى ثابتة على مدى الزمان محولا كل ذلك إلى (إشارات سحرية تصدر عن التلاقح بين طبائع المواد الحاملة والمواد المحمولة وحواس مبدعها) . وبغض النظر عن موضوعات هذه الرسوم وأهمية مضامينها التي تكشف عمق علاقة الانسان بيئته ومحيطه الطبيعي فإن هذه الأعمال تؤكد العلاقة الأزلية بين الفنان المبدع والطبيعة .. ولعل هذا ما دعا ليوناردو دافنشي (للعودة إلى خزان الطبيعة المترع بالحكمة والكمال) أو ما جعل نظرية كنظرية الشعث تتصدى الى النواظم البيولوجية ـ الجرافيكية بعد عجز المناهج الرياضية عن رسم صيرورات العناصر الطبيعية والتنبؤ بأنوائها .. ونظريات الشعث واحدة من حداثات الحساسية الموجهة إلى البيئة وتعتمد أطروحتها على الرسم لاقتراح برامج بصرية ممكنة الحدوث في عالم البيولوجيا (أسعد عرابي ـ وجوه الحداثة في اللوحة العربية). لقد بقيت الألوان على مر الأزمان وفية لمصادرها الطبيعية, ولم يخرج الفنان عن المرجعية الطبيعية لاكتشافاته اللونية, وإذ حاول بعض الفنانين الخروج على نمطية العلاقة ما بين اللون والطبيعة أو البيئة أمثال إيف كلاين, محاولين الايحاء بالاستعارة من التراث البوذي فإن بواطن البراكين دحضت أفكارهم بوجود الدرجات اللونية اللا محدودة العدد من هذه الألوان .. وهذا ما دعا الفنان المسلم أو الفنان الصيني لزيادة التأمل في الطبيعة ساعات طويلة قبل بدء الرسم لتحقيق أعلى تواصل مع حكمة الطبيعة بوجود المادة النورانية (الضوء) محور المادة التصويرية حيث يمثل النور النظام (الجزئي ـ الشمولي) الذي يعني الديمومة في الحركة الدورانية التعاقبية في الوجود أو في ديمومة النواظم الايقاعية بالتناوب مع الظلمة. وإذا كان الخروج على الآليات الطبيعية للتفكير بهذه الألوان والصباغيات يمثل خروجاً على سرية الحكمة الشرقية لمعانيها ومفاهيمها وقيمها الرمزية, الأمر الذي جعل التناقض يبدو جليا في علاقة كل من الشرق والغرب ببعضهما البعض على المستوى الفني, مما أدى إلى تبدل واضح في الموقف من العلوم والثقافة والحضارة, بل يمكن القول ان الموقف من العقل والمهارة التقنية بات دافعاً للتحقق من المصائب التي جرها التطور والتقدم التكنولوجي المفجع على النظم البيئية العالمية في مواجهة القيم والأخلاق والروحانيات. التوازن والاضطراب يذكر النص الصيني ان الـ (يانج) وقد بلغ حده الأقصى, ينسحب لمصلحة الـ (ين) , واننا نشهد صحة هذه العبارة في التحول الذي طرأ خلال ستينيات وسبعينيات هذا القرن, فقد نشأت متتالية كاملة من الحركات الفلسفية, والدينية والسياسية التي ـ كما يبدو ـ تتجه وجهة واحدة, فالاهتمام الناشئ بالإيكولوجيا ـ والاتجاه القوي إلى السرية والحكمة, واعادة اكتشاف الطرائق الكلية في مجال الصحة والشفاء, وأهم من كل هذا, الوعي الأنثوي المتنامي, ظهورات أو تجليات لنزعة تطورية واحدة, فهي, برمتها تعادل المغالاة في التوكيد على المواقف والقيم العقلانية والذكرية, وتحاول جاهدة أن تستعيد التوازن بين الجانب الذكري والجانب الانثوي للطبيعة البشرية (مدخل إلى المبدأ الكلي ـ ندرة اليازجي). في الاطار الفني, حاولت جماعة الباوهاوس في فترة ما بين الحربين دمج الفنون وتقريب وجهات نظرها بالدعوة إلى وحدة الفنون في اطار تعاليمها التربوية والعقيدية, وادماجها في النسيج الحضاري والبيئي (فرانز مارك ـ فاك ـ بول كلي) وفازاريللي بأوهامه البصرية المستخرجة من الالتباس اللوني للانطباعية, وارباكات ادراك الحقول البصرية المغناطيسية منذ مونيه وحتى فازاريللي حسب تعميم الناقد أسعد عرابي مما أدى فيما بعد لتدخل المشاهد في العملية الابداعية, لهذا فإنه يؤكد أن طقوس فن البيئة تتحول الى نوع من الأشواق الشفائية أو التطهير الجماعي من مغبة اغتيال الطبيعة واقتراف ذنوب القضاء عليها, بالقضاء على ما يقرب من مليون من الأجناس الحية خلال العقود الثلاثة الأخيرة) فالانسان يدمر بسرعة ما انجزته ملايين السنين (ثقب الأوزون) واغتيال المساحات الخضراء إذ أن خلف كل جريدة اعلامية يومية مأساة اغتيال شجرة وتحويلها إلى قمامة. لهذا يهجس فن البيئة بمصير هذا الكوكب المرتبط بحقيقة وجودنا عليه ويدعو الى اعادة التوازن الى كل ما من شأنه تهديد الأحياء وما يدفع الجمادات الى الاضطراب ووقف كل ما يرفع درجات حرارة الكوكب .. ولهذا ايضا يدعو فن البيئة الى وقف الاغتيال المباشر للكون, إذ كلما طغى الانسان في الاستثمار الفوضوي لمقدرات هذا الكوكب كلما ازداد التلوث الصناعي والاشعاعي والقيمي, ولابد أن نذكر هنا ما يدعى بالتشخيصية الايكولوجية وهي احدى توجهات الفن البيئي التي من أعلامها الفنان جراتلوب ودومينيك تينو وفريق جون الياباني ولبيروجير وغيرهم كثير ممن توجهوا هذا التوجه (كالشامانية) (وهي جماعة في أمريكا الشمالية تمارس بعض فئاتها عبادة الطبيعة عن طريق ممارسة طقوس التواجد والتوحد مع عناصرها, وبهذا فإن الشامانيه هي غواية الطبيعة والتعلق بحكمتها إلى حد العشق, ولهذا تؤكد الشامانية على همجية التقدم التقني وفظائع العقل, التي قادت إلى معلوماتية الصورة الرقمية والتوليفية وأنواع الهولوغرافي ورياضيات المينيماليزم واشاعة اللدائن الصباغية الملوثة للبصر والبصيرة). الشجرة رمز لقد اعتمد بعض فناني البيئة على الشجرة كرمز وكذلك الغابة, وكل ما يتعلق بتفاصيلهما لانشاء مادة طبيعية لمناهج فنون المينيماليزم أو ما ندعوه الفن الاختزالي أو الاختصاري (جي جراتلوب بأحراشه المنداة بالحلم, وأغصان دومينيك تينو العائمة في مياه آسنة والطافية إلى حتفها المعلوم, وحدائق لبييروجيرا المغلفة بالنايلون وفيديو وعروض الفنانة التركية سوزي هاج). لقد سعت الفنانة سوزي هاج إلى تحقيق عروضها الفلمية أو عبر البيروفورمانس الهابينيج كي تزيل الحاجز بين التعبير الفني عن قضايها الايكولوجية والحياة اليومية, وذلك لمزج الطبيعة بالمجتمع والجمهور وايصال خطابها الى الشارع المتحرك حيث يحقق خطاب البيروفورمانس التحريض البصري والذهني لاستعادة الوعي الايكولوجي وهو يشكل لغة احتفائية بفن البيئة, لقد غلف الفنان كريستو المدى البيئي بطريقة ملفزة بواسطة الحواجز القماشية (جدار الصين 1975 ـ شق الاطلسي 40 م.ط ـ جسر البون نوف 1985 ـ برلمان برلين). فهو يتعامل مع القياسات الطبيعية والأحجام الحقيقية التي ينبغي الغاؤها من الذاكرة البشرية لفترة زمنية لاحلال مكان آخر جديد محل العورة البيئية أو (الفساد البيئي) الذي يتعامل معه بشكل مباشر. وإذا كان الحوار منقطعا فيما بين الطبيعة والثقافة في مجالات الفنون فإن جماعة البيرفورمانس تدعو لبناء الحوار ما بين الجماعات الانسانية والمادة الطبيعية في حيزها البيئي وهذا ما فعله الفريق الياباني (جون) حين غطى ما مقداره كيلو متر مربع باللون الأحمر المتمثل بلدائن تبعث سمومها البصرية في صفاء الثلج الأبيض ولأن فن البيئة يهتم بعناصر الطبيعة المختلفة كالبحار والجبال والأنهار والسموات وغيرها, فإننا لابد نذكر تجربة (روبرت سميستون) الواقعة بين فن التصحر وفن البيئة عبر تجربته (الجزيرة الحلزونية) وقد انطلق الفن المتصحر في السبعينيات من القرن المنصرم من ايطاليا وهو قريب جداً لفن البيئة, وقد تجلى بما دعي بالفن الأرضي في الولايات المتحدة فيمابعد .. كما انه لايمكن إغفال دور فناني البوب فيما عرضوه من ديكورات وصالات منسقة وحديثة في اطار فن المناخ الذي بدأ في البيت والشقة ثم انتقل إلى المدينة حيث نتلمس تواجده بوفرة في مدينة كباريس وخاصة في البرك (بركة سترافنسكي ـ بحيرتا تاكيسي في الديفانس, بركة بومبين وقرب مركز بومبيدو). فن البيئة عربي على المستوى العربي, فقد ارتبط فن البيئة بالتراث البصري حيث نرى ان البيئة تمتد إلى الثقافة والنفس والمجتمع وكل ما هو معاش ثقافيا وحضاريا (الرقش ـ الشعبيات, الحروف, الفنون التقليدية) ولهذا لم تبالغ جماعة الدار البيضاء حين دعت في الستينيات من القرن الماضي للاقتصار على المادة المحلية في الصباغة واستخدام الجلود والمواد الأخرى لتحقيق وانجاز الأعمال الفنية ويمكن أن نذكر الرايات الملونة التي انجزها القاسمي 1977. وكذلك تجربة ضياء العزاوي من العراق وفاتح المدرس من سورية وسليمان منصور من فلسطين, أو ما قام به عبدالله بن محجوب العام 1987 (حين فرش عدة كيلو مترات بالحروفيات العربية المستمدة من المخطوطات والتعاويذ العربية على طريق الشمال الفرنسي, ورغم أهمية هذه التجربة إلا أنها إلى جانب تجربة المصري عبدالرحمن النشار تقع في اطار الفن المناخي أكثر مما تقع في اطار فن البيئة. في العام 1995 عرضت سهى شومان في باريس (رمل وحجر) وهو معرض تصويري يستعيد المادة الجغرافية الكنعانية وكذا فعل ناصر السومي بحصاة الكنعانية ورنا بشارة بصبارياتها كمادة انشاء بيئي ومحمد أحمد ابراهيم من الامارات الذي له مساهمات فعالة وهامة فيما ندعوه فن البيئة إلى جانب عبدالله السعدي ومحمد كاظم وقد قدم فيصل سمرة من السعودية تنويعاته على الخيمة والصحراء كل هذا استمرار لما بدأه مهدي مطشر في باريس ومنى حاطوم في لندن وأحمد معلا في سورية وغيرهم.