كثيرون هم اولئك الذين رأوا ان الموسيقى في القرن العشرين قد فقدت قدرتها على التأثير في المستمع, انها وصلت الى درجة من التعقيد تجعلها صعبة المنال, وانها تبتعد اكثر فأكثر في تيار تقنيتها المستحدثة. لكن الحقيقة هي ان التيار الذي جرفها ليس الا تيار فكر المرحلة وما تبعه من اتجاهات فنية. يقول ميشيل فوكو: (ما يدهشني هو الروابط والعلاقات المتعددة التي تربط بين الموسيقى الحديثة وكافة عناصر الحضارة الاخرى) . لم تتأثر الموسيقى بتيار فكري واحد بطبيعة الحال. ومن الصعب حصر كافة التيارات الفكرية وراء كل من الاتجاهات الموسيقية. لكن قد يساعدنا في فهم احد الاتجاهات الموسيقية المسيطرة في النصف الثاني من القرن الفائت القاء نظرة على ثلاثة من رواد الفلسفة في مطلع ذلك القرن. الاتجاه الموسيقي الذي اخصه بالذكر لم يخضع لتصنيف او تسمية واضحتين لأنه يشمل بدوره اتجاهات عدة. لكنه ذاك الذي دفع جاك اتالي الى التنبؤ بمرحلة موسيقية مستقبلية تكون فيها غاية الموسيقى الفريدة هي متعة الموسيقيين في سماع ما يؤلفونه او يعزفونه. وهو ذاك الذي جعل من التجريب في الموسيقى الحديثة اولوية كبرى. وهو ذاك الذي كسر الهالة البراقة التي تحيط بالموسيقى وتعزله بالتالي عن المستمع فتجعل من الطقس الموسيقي عملية ارسال واستقبال لا حوار فيها. ما هو الفن لليو تولستوي, مبادئ الفن كتجربة لجون ديوي بالتأكيد ليست وحدها صاحبة الفضل في هذه الحركة الموسيقية لكنها تلخص الاتجاه الفلسفي الجمالي الذي كان وراءها اذ تطرح نظريات في اهمية الفن, وتوضح طبيعة القيمة الفنية. تتفق الكتب الثلاثة في مهاجمة النظريات التقليدية التي تربط قيمة الفن بالجمال. ويبرهن كل من الكتاب بطريقته الخاصة, كيف ان مفهوم الجمال لا يوضح قيمة الفن. وان ما يكسب الفن اهميته هو دوره في حياة الفنانين وجمهورهم, وقدرته على تحويل الاحساس اللاواعي الى عاطفة مدركة من خلال التعبير عن هذه العاطفة. النتاج الفني ويلخص الكاتب فريد موس في احدى مقالاته فكر هؤلاء الفلاسفة الفني في اربع نقاط: اولا: يعتقد هؤلاء الفلاسفة بأن الفعالية الفنية اكثر اهمية من النتاج الفني. فالفن يتمثل في عملية الابداع وليس في نتاج فني ينتظر التأمل. يعرف تولستوي الفن كما يلي: (الفن فعالية انسانية تشترط ان ينقل شخص ما, بشكل واع ومن خلال دلالات خارجية معينة, مشاعر سبق ان خبرها, وان يتأثر الاخرون بهذه المشاعر ويعيشوها بدورهم) . والفن تجربة تواصلية, وينبغي ان نفهم العمل الفني من خلال دوره في هذه التجربة. يقول كولنجوود: (عندما نخلق لأنفسنا تجربة من الفعالية الخيالية, فاننا نعبر عن عواطفنا. وهذا هو ما نسميه الفن) . ويميز كولنجوود بين الفن السليم والفن الزائف من خلال قيمة التجربة التي يخبرها الفنان في طور انجاز العمل والتي يعيشها الجمهور في عملية تذوقه. ولا تأتي قيمة النتاج او الحدث الفني بحد ذاته الا بالدرجة الثانية. ينكر كولنجوود في الوقت ذاته امكانية التخطيط المسبق لما سيكون عليه النتاج الا بعد اكمال التجربة الفنية التي ينتهي بها العمل. (ان الفن السليم نشاط ابداعي متكامل يعيه الشخص الذي يستمتع به ويدركه من خلال استخدام الخيال) . كذلك يميز جون ديوي بين (المنتج الفني) و (العمل الفني) بقوله ان الاول مادي يتمتع بطاقة كامنة. اما الثاني فهو فعالية وتجربة. يعطي ديوي اهمية اكبر من كولنجوود لمادية المنتج الفني, لكنه يؤكد ان الفن لا يمكن ان يفهم الا من خلال التفاعل بين العمل الفني ومتذوقه خلال التجربة الفنية. ثانيا: يرفض هؤلاء الكتاب التمييز السائد بين الفن والفعاليات الاخرى اذ يرون في الكثير من النشاطات التي لا تصنف عادة على انها فنية نشاطا فنيا. يؤكد تولستوي: (الحياة الانسانية مليئة بالاعمال الفنية من اغاني المهد, الحركة, الايماء, تزيين البيوت, اللباس والادوات, الى الاحتفالات الكنيسة والابنية والصروح والمواكب الاحتفالية.. كلها فعاليات فنية) . كمثال عن الفن يذكر تولستوي صبيا ارعبه ذئب: اذ عاش الصبي مشاعر الخوف نفسها اثناء رواية تجربته, وتمكن من خلق هذه المشاعر في المستمعين, فإن حكايته فن. التجربة الجمالية ويرى ديوي ان وظيفة علم الجمال الاساسية هي الكشف عن استمرارية التجربة الجمالية في الحياة العادية. وكتابه مليئ بالامثلة التي توضح هذه الاستمرارية. ويصف ديوي مثلا رجلا منزعجا قام بتنظيم عاطفته تلك واعطائها بعدا ماديا من خلال ترتيب غرفته. (اذا كانت عاطفته الاصلية من الانزعاج فارغ الصبر قد هدأت وانتظمت من خلال عمله, فإن الغرفة المرتبة ستعكس له التغير الذي طرأ في نفسه. انه لن يشعر بأنه قد انجز مهمة ضرورية, بل انه قام بعمل يملأه عاطفيا. عاطفته تلك, وبكونها اكتسبت بعدا ماديا, اصبحت استاتيكية) . اما كولنجوود فنظريته بهذا الخصوص هي الاكثر تطرفا اذ انه بعد جعله الفن تعبيرا, يرى ان (اي تعبير حركي او صوتي يؤديه اي منا هو عمل فني) . ثالثا: يميل الفلاسفة الثلاثة الى اسقاط التمييز بين (الفنان) و (اللا فنان) وذلك بالطبع بديهي توافقا مع اعتبارهم لبعض الاعمال اليومية التي يقوم بها الناس العاديون, اعمالا فنيه. لكن الكتاب الثلاثة يتجاوزون ذلك الى اعطاء قيمة فنية متساوية للفنان ولجمهوره. والى التأكيد على التشابه بين نشاط الفنان ونشاط المتلقي. ففهم التعبير يعني لهم العثور في دواخلنا على الحالة الذهنية التي يتم التعبير عنها والتي تنطبق مع المادة الفنية الخارجية كما كان الفنان قد فعل اثناء ابداع العمل. يضيف كولنجوود الى ذلك كله دور الجمهور في تكوين وتأكيد وعي الفنان لذاته, وبالتالي في تحديد الكثير من تفاصيل ادائه, مؤكدا ان هذا الدور اقل من غيره من الكتابة بسبب الحاجز بين الكاتب وقراءه. رابعا: تركيزهم على اهمية التجربة والتواصل يجعل هؤلاء الفلاسفة يحذرون الاكاديميين والمؤسسات والمدارس الفنية. يقول تولستوي عن المدارس الفنية انها (تحطم القدرة على انتاج فن حقيقي.. وتولد كميات هائلة من ذلك الفن الزائف الذي يشوه ذوق الجماهير ويفيض على العالم) . ويكتب ديوي عن الالتباس الذي تخلقه المتاحف, حيث تفصل الاعمال الفنية عن السياق الذي كان سيعطيها معنى. ويكتب كولنجوود بغضب عن فنانين وكتاب (يشكلون بصورة اساسية جماعة تبيع التسلية لأناس يريدون ان يتجنبوا اعتبار انفسهم مبتذلين بأي ثمن, وتحت مؤامرة تسمح بتسمية ما يعرضونه فنا لا تسلية) . وتشكل المؤسسات الفنية لكل من هؤلاء الكتاب مصدرا هاما لسوء الفهم حول الفن ولإضعاف الصلة بين الفن والتجربة الشخصية الحية واستبدال الفن بالمعلومات, واستبدال الفن بالمركز الاجتماعي. مفهوم الفن العيني لم تنشر الكتب الثلاثة في فترات متقاربة اذ ان اولها وهو كتاب تولستوي نشر في عام 1904. يليه كتاب كولنجوود عام 1938 واخيرا كتاب ديوي الذي لم يظهر في المكتبات حتى عام 1980. لكن ابكر الامثلة عن اتجاهات موسيقية تبنت هذا الفكر تعود الى الثلاثينيات وتستمر حتى يومنا هذا. يعود الاتجاه الموسيقي الذي يعطي متعة التجربة الفنية اهمية اكبر من قيمة النتاج الفني (نقطة مور الاولى) الى اخر العشرينيات حين يطرح المؤلف الامريكي هاري بارتش مفهوم (الفن العيني) corporeal art الذي يجعل من الفن تجربة جسدية عمادها الصوت, الكلمة, الاسطورة والفعالية. ويبلغ هذا الاتجاه اوجه في اواخر الستينيات حين يقدم الفرد ستوكهاوزن فكرة (الموسيقى الحدسية) التي تعتمد على حدس العازف اثناء العزف. فالمؤلف يضع العازف من خلال تعليمات او رسم او اية وسائل اخرى في حالة ذهنية تحرض امكانياته الحدسية بطريقة معينة. والعازف لن يكون محترفا بالضرورة وقد لا يحتاج الى اية خبرة موسيقية على الاطلاق مما يؤكد النقطة الثالثة من مقالة مور وهي اسقاط التمييز بين (الفنان) و (اللا فنان) وكسر الهالة المحيطة بالموسيقي على انه بالضرورة شخص عالي الاحترافية والبراعة. ان الاعمال التجريبية التي كتبها كيج وغيره من موسيقيي النرد تؤكد على هذه النقطة. اذ تصبح الموسيقى في الكثير من الحالات ما يصدره الجمهور من اصوات عشوائية ردا على فعل معين او نتيجة للتواصل بين الموسيقيين والجمهور. هذا ما ينقلنا الى النقطة الثانية من مقالة مور وهي ان الفن موجود في حياتنا اليومية وفي افعالنا واصواتنا. فيبدأ الموسيقيون منذ اوائل القرن وتحت لواء ما بعد المستقبلية بادخال عناصر صوتية من الحياة اليومية المدنية في موسيقاهم كضجيج الشارع والكلام العادي. او باستخدام اصوات الطبيعة كما فعل الفرنسي ميسيان حين دون اغاني الطيور في الحقول, واستخدمها في اعماله الاوركسترالية. وبلغ هذا الاتجاه اقصاه مع مقولة جون كيج: (كل صوت هو موسيقى) التي بدت كأنها تردد صدى كولنجوود حين كان قد قال: (ان اي تعبير حركي او صوتي يؤديه اي منا هو عمل فني) . رعاية المؤسسة اما النقطة الرابعة من مقالة مور وهي الارتياب بالمؤسسات الفنية, فهي اكثر تعقيدا مما سبقها فالمؤلفون في القرن العشرين اصبحوا اكثر من اي وقت مضى, بحاجة الى هذه المؤسسات بعد ان تصدعت علاقتهم مع الجمهور واصبح انتاجهم بحاجة الى رعاية مؤسساتية تعرض عن دعم الجمهور الذي كان قد اعالهم طيلة القرن التاسع عشر. يقول ريتشارد كروكر في كتابه (تاريخ الاساليب الموسيقية) : (فيما تحطمت علاقة المؤلف بالجمهور, بدأ يكون صلات اخرى مع المجتمع. بعد قرن من العمل الحر الفخور, اكتشف المؤلفون مجددا اهمية الرعاية.. برز نوع خاص من الرعاية في الولايات المتحدة. فقد اصبح المؤلفون في كثير من الاحيان اساتذة في الجامعات في اوروبا عرضت رعاية مشابهة من قبل الاذاعات الحكومية. اصبح الكثير من المؤلفين وبسبب علاقتهم الجديدة مع هذه المؤسسات يغوصون اكثر في اكادميتهم ووسطهم الاختصاصي وينحرفون ابعد فأبعد عن الجمهور العريض. فئة منهم ادركت خطورة هذه الانعزالية فوجهت اهتمامها كلية الى رغبات الجمهور, واصبحت متهمة بالرخص والتجارية من قبل الاكاديميين. لكن هنالك فئة اخرى صغيرة من المؤلفين الذين تمكنوا من التوفيق بين ماهية الفن الذي يبدعونه وبين قدرته على كسب اهتمام الجمهور والوصول اليه. هذه هي الفئة نفسها التي تبنت الفكر الجمالي المطروح في هذا النص. وهي الفئة نفسها التي ستعيد بناء الرابط بين الموسيقى الحديثة الجادة وجمهورها. للوقت ان يكشف ما ستؤول اليه الموسيقى الجادة الغربية في المرحلة المقبلة لكن ما هو مؤكد ومتفق عليه هو انها اصبحت بحاجة الى دور جديد فعال في حياة الناس حتى لا تختفي في زحمة معامل الموسيقى وتجارها. وهذا الدور الجديد بامكانه الاستفادة من التجارب الموسيقية اللا غربية عموما والتجارب الجادة في الموسيقى العربية والاسيوية بشكل خاص. وهذا ما فعله فعلا عدد غير قليل من الموسيقيين المعاصرين اذ وجدوا ان هذه الموسيقات تمنح عملية التواصل مع المستمع الاولوية الكبرى. وانها باعتمادها على الارتجال والجمل الموسيقية القصيرة المتكررة والقوالب الواضحة تجعل من نفسها مادة مفهومة للجميع وتتجنب الفصل القائم في الموسيقى الغربية الحديثة بين اولئك الذين يقدرون الموسيقى واولئك الذين لا يقدرونها. بقلم: زينة العظمة