يتفق النقاد ورجال الفنون في تايوان على تأثر كافة القطاعات الفنية والثقافية والاجتماعية في بلادهم بطبيعة العلاقات السياسية وتطوراتها مع الصين مدا وجذراً, مما حدا بالكثير منهم الى ضرورة البحث عن مخرج حقيقي يتمثل في رعاية الفنون التراثية والقومية التايوانية خارج البلاد، الى حين استقرار العلاقات بين بكين وتايبيه وذلك بحجة الحفاظ على هذا التراث الغني المعبر عن حياة الشعب التايواني على مر العصور. والسطور التالية توضج الطبيعة الواقعية للاوبرا في تايوان والظروف التي عاشتها منذ انطلاقتها المتجددة قبل 8 سنوات. بدأت الاوبرا التايوانية في انقى صورها في مدينة ايلان (الواقعة في شمالي شرقي تايوان التي تشتهر بالفاكهة المجمدة ووجود نهر نانفشال المشهور بسباقات القوارب, اضافة الى النهضة الموسيقية التي شهرتها مع ولادة وتطور الاوبرا التايوانية والاهم ان يلان هي مدينة يانغ لي هوا نجم الاوبرا التلفزيوني الاشهر هناك. حيث كانت الحكومة المحلية فيها تحاول الاحتفاظ بها وتطويرها للاجيال المقبلة. وبعد ذلك اسست جمعية (لان يانج) للاوبرا التايوانية في عام 1992 ومن هنا كانت البداية المتجددة. ويرى استاذ الادب الصيني في جامعة تايشنج (ليناماو هشاين) ان ثلاثة وتسعين بالمئة من سكان ايلان يعودون بنسبهم الى شانجشو من اقليم فوجا وهو المحور الاساسي للاوبرا التايوانية. ولذلك لا نستغرب اذا عرفنا ان اهالي ايلان لهم الفضل الاول في الحفاظ على الاوبرا التايوانية في شكلها الاقدم والأنقى الذي يطلق عليه اسم (لوتيساو) وتعني التقديم على الارقى وهي متأثرة بالاوبرا الصينية وتقدم في الهواء الطلق من خلال مجموعة من المنشدين يؤدي كل واحد دوره في الغناء وتندرج هذه الاوبرا في سياق يعتمد على تكرار بعض الجمل اللحنية. اما الالات الموسيقية المستخدمة في الاوبرا فهي بصورة اساسية خشبية ادخل عليها فيما بعد بعض الالات الشائع استخدامها في الاوبرا الصينية. ومع مرور الايام اصبح من الصعوبة بمكان تقديم اوبرا تايوانية في الهواء الطلق بلا مسرح وديكورات واضاءة بسبب ادخال عناصر جديدة ومجاراة العصر من النواحي التقنية والصوتية والفنية. ويقول لينن انه يدرس الاوبرا التايوانية والفلكلور ويرى ان هذه الاوبرا اليوم في صراع من اجل البقاء واضاف (اصغر فنان هذه الايام يبلغ من العمر سبعين عاما وان اشكالات اخرى تنافس الاوبرا التايوانية وتستقطب اهتمامات الجمهور كالأفلام والتلفاز واشكال الترفيه الحديثة الاخرى. ومن الجهود التي تبذلها المراكز الثقافية للحفاظ على الاوبرا عرضها لتسجيلات على الفيديو لاداء الاوبراليين المشهورية بالاضافة الى دعوتها للمحترفين والخبراء من مغني الاوبرا لاحياء العديد من الحفلات في المدينة وذلك للمساهمة في نشرها وزيادة قاعدة جمهورها وخاصة من الاجيال الشابة. ورغبة في تغيير الشكل التقليدي للاوبرا التايوانية ومحاولة لازالة الملل قاموا بتعديل تركيبته بصورة عامة وتغيير اساليب الماكياج والاداء والتمثيل كي تأتي في صورة حديثة تناسب العصر ومحببة لدى القلوب وتصل الى مرحلة جيدة من التنافس مع الوسائل الترفيهية الاخرى. وضمن جهود المدينة للحافظ على الاوبرا قامت ببناء متحف المسرح التايواني حيث يقدم عروضا باستخدام الالات الموسيقية منذ عام 1990 فيما تم في عام 1998 تأسيس مكتبة مجهرة باحدث الوسائل السمعية والبصرية والكتب والمجلات والتسجيلات والاقراص المدمجة وشرائط الفيديو في كل ما يتعلق بالاوبرا التايوانية. وتبذل الحكومة المحلية في ايلان جهودا حثيثة لنشر الاوبرا في المدارس من خلال تعيين مدرسين في هذا المجال في المدارس لتعليم الطلاب كما يسمح باستخدام بيانو او اورغن في الفصل مع الاوبرا لانه من النادر وجود من يتقن العزف على آلة ايرهو وهي الكمان ذات وترين خاص بعزف الاوبرا التايوانية. مدارس خاصة للاوبرا في بعض المدارس انشئت نواد للاوبرا تتلقى الدعم ومن الحكومة لتدرب الطلاب على اداء الاوبرا والاستعداد الجيد للاداء الجماعي واحياء الحفلات بصورة احترافية. وفي العام 1992 اسست جمعية لان يانج للاوبرا وأدت دورا مهما في الحفاظ على الاوبرا وهي المؤسسة الاوبرالية الوحيدة التي تديرها الحكومة في الجزيرة, وتضم الان ثلاثة عشر ممثلا واحدى عشر موسيقيا واعمارهم في العشرينات وهو مستوى العمر الاقل لفناني الاوبرا في تايوان. وفي بداية تأسيس الجمعية كانت اعمار معظم الاعضاء في الثلاثينيات ولكنها مع مرور الوقت وصلت الى العشرينيات. ويطمح مؤسسوها في زيادة اقبال الشباب عليها كي يقدموا بدورهم بنشر الاوبرا والحفاظ عليها ونقلها الى الاجيال القادمة. فالجمعية برأي مؤسسيها بحاجة الى جهود الشباب وحماسهم للنهوض بها ومواصلة مسيرة الاحياء والحفاظ على الفنون الفلكلورية التقليدية بالاضافة الى روح الشباب والمرح والانطلاق التي يضفيها المنشدون الشباب على الاوبرا وتصل بالتالي الى اقرانهم ومن هم في سنهم بصورة اسرع. وبهدف التوصل الى نتائج افضل قاموا باستخدام المدرسين المحترفين لتدريب الاوبرا والموسيقى والباليه والعزف والعلوم الصوتية والتمثيل والرقص وكل ما يتعلق بالاوبرا من قريب او بعيد. وعلى الرغم من ان بعض الخبراء يعتقدون بان الاوبرا التايوانية بدائية وهمجية الا انهم دهشوا عندما حضروا حفلة لمؤسسة لان يانج في سنغافورة وخاصة عندما شاهدوا تفاعل الجمهور الشديد مع الابورا وتجاوبهم معها بصورة كبيرة مما دفعهم لتغيير رأيهم في هذه الاعمال بنسبة 180 درجة. وطافت الفرقة بلاد وراء البحار وقدمت حفلاتها في فينسيا ونيويورك وسان جوزيه في كوستاريكا وتورنتو وفاك كوفر. كما احيوا العديد من الحفلات في المدارس والمؤسسات المحلية والحكومية في تاييبه اضافة الى احياء بعض الحفلات في السجون. ومن عادة الفرقة احيانا ان تبدأ وصلتها بمحاضرة صغيرة وسريعة عن تاريخ الاوبرا التايوانية مع عروض تمثيلية حية مشوارها الفني. وتدفع المؤسسة لاعضائها البدلات النقدية بصورة شهرية تشجيعا منها لهم كي يقوموا بالتفرغ للاوبرا الا ان هذا يلقي اعتراض بعض الأهالي لان الرواتب برأيهم زهيدة ولا تكفي لمصاريف الاسرة, لذلك نجد ان معظمهم اعضاء الفرقة من الاناث اللواتي بدورهن يتقلص عددهم اذا تزوجت احداهن وانشغلت بشئون بيتها وصارت تساعد زوجها في محله او مؤسسته او مهنة خاصة يقوم بامتهانها. طموحات كبيرة ويطمح لان يانج مؤسس الفرقة الى زيادة عدد المنشدين كي يصلوا الى ثمانية عشر وهذا باعتقاده امر ليس سهلا فهو المؤدي الذكر الوحيد الدائم في الفرقة وحتى يكون هو وزوجته اكثر المتفرغين للفرقة والمكرسين وقتهم وحياتهم لخدمة الاوبرا التايوانية. وفي ايلان اربع فرق اوبرالية منها فرقة هان يانج التي تواجه ايضا تحديات كبيرة واعضاؤها في الاربعينيات والخمسينيات من اعمارهم وتقدم حفلات في المناسبات الدينية وهي ليست بقوة فرقة لان يانج وتتمثل مشكلتها الاساسية في ضعف الموارد المادية وعدم كفايتها واستقرارها بحيث لا تتمكن الفرقة من صرف رواتب شهرية لاعضائها ومع قلة اعداد المجهور قلت موارد الفرقة وبالتالي قلت مدفوعاتها للممثلين والمنشدين وصارت مرتبطة باقامة الحفلات فقط اي اذا لم تكن هناك حفلات لا يدفعون مالا للاعضاء. ومع تأسيس الفرقة في عام 1986 كانت تقوم باحياء مئتي وثمانين حفلة في العام ولكن بعد ذلك انخفض عدد الحفلات الى مئة وعشرين فيما قل عدد المؤدين من ثلاثة عشر الى مرحلة تتوقف فيها عن الغناء وتختفي من الوجود اذا استمرت الاحوال في التردي. ومع ذلك لا يشعر القائمون عليها بالتشاؤم حيال مستقبل الاوبرا التايوانية عموماً حيث سيبقى الطلب عليها في الاحتفالات الدينية بحيث تمثل محطات مضيئة من التاريخ والتراث التايواني وتبقى مرتبطة في اذهان الشعب بالتاريخ والايام الخوالي والهوية والانتماء لكنها بحاجة الى المزيد من الدعم على المستوى العام ومن التبصرة باهميتها وقيمتها وكذلك انها بحاجة الى نشرها في المزيد من المناطق والا تكون قاصرة فقط على ايلان. وهناك عنصر اخر يعزز التفاؤل لدى هؤلاء ويتمثل في نشر تعليم العزف على الالات الموسيقية التقليدية التي تضفي على الاوبرا مميزاتها الخاصة وطابعها الفريد وخصوصاً في ظل موسيقيين اساتذة يقومون بتعليم طلابهم الذين يأتون من بيوتهم بصورة مجانية ايمانا منهم بضرورة نشر الموسيقى الفلكلورية والحفاظ على الاتها. ومنهم اساتذة خبراء نالوا العديد من الجوائز, ويسري حب الموسيقى والاوبرا في دمهم ولا يدخرون وسعا في اعطائهم المزيد. هذا بالاضافة الى تدريبهم على وسائل العزف المختصة بالحفلات والاداء العلني سواء كان في مكان مفتوح في الهواء الطلق او على مسرح او في احد الاحتفالات والمناسبات الدينية وفي الحفلات داخل تايوان او خارجها. ويعتبر معظم سكان ايلان ان فرقة لان يانج هي الاكثر قدرة على ايصال الاوبرا الى مستويات اعلى ويعقدون الآمال عليها. ويقول احد المسئولين فيها بان الفرقة ترمي الى تطوير حفلات الاوبرا لتصبح جزءا اساسيا من صناعة ثقافية كبيرة منسجمة في سياق الصناعة السياحية. ولهذا الغرض اقيم مسرح يتسع لستمئة متفرج قرب محطة القطار في ايلان خلال ابريل الماضي. برامج مدروسة واذا سارت الامور على ما يرام وكما هو مخطط فانه سيتم تأسيس برنامج مدروس وموضوع لحفلات فرقة لان يانج يستقطب من الفنادق حتى انه اذا لم يتمكن اي سائح ان يحضر احدى حفلات الفرقة شعر بالندم وبأن شيئا ثمينا فاته لدى زيارته للمدينة وذلك في صورة تشبيه قوية حينما يشعر الانسان بالخجل اذا ما ذهب الى موسكو وعاد دون ان يحضر عرضا للبالية او اذا ذهب الى بانكوك دون ان يشاهد فيها عرضا ملكيا. ومن المشكلات التي تواجهها عروض الاوبرا ايضا قلة وجود الممثلين المحترفين والموهوبين الذين يتمكنون من اداء ادوار الاوبرا على اكمل وجه, لكن من النقاط الايجابية التي تحسب لها خطواتها بالتشجيع والدعم الاعلامي ونظر المؤسسات الاعلامية لها على انها ثروات قومية ينبغي الحفاظ عليها. وفي هذا المجال يثور التساؤل بل ويتردد في اذهان الكثيرين فحواه: هل التلفزيون هو اقصى مرحلة تبلغها الاوبرا على صعيد التطور والانتشار؟ ومهما كان الجواب فلا شك ان التلفزيون يؤدي دورا مهما ورئيسيا في نشرها وفي توصيلها الى اكبر عدد ممكن من المشاهدين. فمع بدء البث التلفزيوني في عام 1962 بدأ تقديم عروض عديدة من حفلات الاوبرا التايوانية لكنها لم تحقق للاوبرا الانتشار المطلوب نظرا لقلة اجهزة التلفاز الموجودة, آنذاك في الجزيرة حيث بقيت الاذاعة في المرحلة الاولى من بدء البث التلفزيوني الاداة الافضل لنشر الاوبرا والتعرف على اسرارها. وفي مرحلة لاحقة بدأت الاوبرا تغزو العديد من البيوت بعد زيادة اعداد التلفاز وانتشارها في الجزيرة. وبدأ التلفاز يقدم عروضا لحفلات حيث احياها مغنو الاوبرا ومع الوقت صار هؤلاء نجوما تلفزيونيين مشهورة مثل الممثل الاوبرالي يانج لي هوا. ومع انتهاء احتكار التلفزيون في العام 1969 وتأسيس شركة تلفزيون الصين بدأت الاوبرا تأخذ منعطفاً جديدا فبعد ان كان التلفاز يكتفي بعرض حفلات الاوبرا صار يقوم بانتاج حلقات منها بصورة يومية ما عدا ايام السبت وتمتد لحوالي ساعة. اي قاموا بتحويل الاوبرا التقليدية الى دراما تلفزيونية عبارة عن سلسلة حلقات اسبوعية كل ستة حلقات منها تشكل قصة واحدة. ونظراً للاقبال منقطع النظير على مشاهدة هذه الحلقات قامت الفرق الاوبرالية الاربع بالاندماج في فرقة واحدة وبدأت صناعة الاوبرا كقطاع اقتصادي مهم. وصلت الالات الموسيقية الالكترونية محل الالات التقليدية مثل سان هساين اي الكمان والبيبا اي الفلون, واصبح المخرج يعتمد على المؤثرات الخاصة بصورة رئيسة وقام الشعراء باعادة صياغة كلمات الاوبرا بروحية جديدة ومعاصرة تمنح الاوبرا مزيدا من العمق والمعنى. وقد بدأت النصوص ايضا تكتب بروحية جديدة وصار العمل التلفزيوني اكثر تعقيدا وتخصصا ويتطلب تضافر عناصر عديدة مثل المخرج والمنتج والكاتب وخبراء الماكياج والازياء والاضاءة والمؤثرات الخاصة. وحتى الممثلين صار لابد من زيادة اعدادهم فبعد ان كان عشرون ممثلا ليجسدوا مشهدا حربيا في اوبرا مسرحية صارت هناك حاجة الى المئات كي يجسدوا المشهد نفسه. واعتبر البعض انتقال الاوبرا من المسرح الى التلفزيون تراجعا لها او ضياعا لروحيتها الاصلية وان ممثلي الاوبرا الذين يؤدون في الهواء الطلق هم الاكثر تعبيرا من روحية الاوبرا التايوانية الاصلية, لكن ممثلة اوبرالية مشهورة ترى ان التحديث ضروري في الاوبرا كي تواكب العصر وان جمهور التلفزيون هو غير جمهور المسرح ويتطلب اداء خاصا فتجسد رحلة من شانغهاي الى بكين يمكن ان يتم من خلال خطوات محدودة على المسرح ولكننها في التلفزيون بحاجة لان تجسده بصورة اخرى كي يأتي بصورة مقنعة.