وما دام هذا الفن يعني بشمولية التوجه.. اي بالجمهور المتعدد الاهتمامات فإن المعادلة تقوم على: المسرح والجمهور. المسرح.. يحتوي على: النص الادبي, التمثيل, الموسيقى, المنظر, الاخراج, الاضاءة, المكياج, الصوت, المؤثرات. والجمهور.. يضم شرائح اجتماعية مختلفة في اهتماماتها وتوجهاتها الثقافية في حين نجد الكتاب, او البرنامج التلفازي او الاذاعي, وحتى اللوحة. يمكن ان يتنبه لكل من هذه الموجهات جمهور محدد, متخصص في لون معين. نعم.. يبدو انه للجميع, لكن هذا الجمع يجد نفسه في كتاب محدد دون سواه, وامام اعمال فنان تشكيلي بعينه, وبرنامج يخصص جزءا من الوقت لمشاهدته والاصغاء اليه. بينما نجد في المسرح, افقا مفتوحا امام العائلة بكل افرادها وبمختلف اعمارهم واهتماماتهم.. الامر الذي يجعل منه فنا جماهيريا. هناك مسرحيات محددة, للنخبة, مثلما هناك مجلات متخصصة لقراء بعينهم. لكن ما نعنيه هنا هو المسرح, هذا الفن الذي يراد به ان يسعى بأدواته المختلفة لتحقيق هدفين: الارتقاء بالمتلقي من جهة, وتحقيق المتعة له من جهة ثانية. هذان الهدفان.. قد يقعان في صيغة من صيغ التربية.. لأن افضل وسيلة لتعليم المرء واكسابه الخبرات وفي كل المراحل العمرية هي امتاعه.. ولا يمكن لاحدنا ان يلزم نفسه بكتاب لا يجد فيه متعته. والمتعة التي ننشدها هنا.. هي المتعة الراقية, المتعة التي ترقى بالذوق فتبعده عن الكلمة العابرة والحركة المجانية, والايماءة الشاردة. هذا يعني ان لكل شيء على خشبة المسرح غرض, مهمة.. والا كان عبئا ثقيلا من الافضل الاستغناء عنه والتمتع بجمالية الفراغ, بالفضاء الحر.. ولا اجمل من قدسية الحرية. الى جانب هذا الحس.. هناك الكلمة الموحية, الدالة, والتي يمكن للحركة ان تكون بديلا عنها في المسرح. وهناك المنظر الذي يوحي بالزمان والمكان, مثلما ترافق الموسيقى والاضاءة معطيات الجملة, المفردة, الايماءة. لا يوجد شيء بريء على خشبة المسرح, مثلما (لا توجد ثمة قراءة بريئة) , كما يقول: لوي التوسير. وعندما نجد لذة في تلقينا للعرض المسرحي.. نجد له قيمة.. ولكل قيمة معناها ومغزاها, معنى ثابت في العمل نفسه, ومغزى متحرك قائم بين العمل والمتلقي يؤوله وفق ما يشاء. الا ان هذا التأويل ودلالته لابد ان يكون قائما على: (عيان ظاهر, او خبر قاهر, العقل مضمن بالدليل والدليل مضمن بالعقل, والعقل هو المستدل, والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله, ومحال كون الفرع مع عدم الاصل, او الاستدلال مع عدم الدليل, فالعيان شاهد يدل على الغيب والخبر يدل على الصدق, فمن تناول الفرع قبل احكام الاصل سفه) وفق ما ذهب اليه: الحادث بن اسد المحاسبي المتوفي سنة 243 هـ. من هنا نتبين ان مسألة الذوق والتذوق.. مسألة قائمة اساسا على خصب المتلقي, على مدى وعيه ودرايته, وجذره الثقافي, على مدى احساسه بهذه اللفظة, وهذه الايماءة, وهذا اللون, وهذه الضربة الموسيقية, هذا الصمت.. هذا الكلام. كل شيء.. لابد ان يؤدي مهمة.. لا يملأ فراغا مجردا. الذوق.. يبدأ بالحس, بادراك المرء انه يحس, بمعرفة ان: (المعاني مطروحة في الطريق) كما يقول الجاحظ, والفنان المبتكر هو الذي يجعل من تلك المعاني.. اللبنة الاولى لمعمار فنه.. وذلك من خلال ادراكه ان: (الالفاظ لا تراد لأنفسها, وانما تراد لتجعل ادلة على المعاني) وفق: عبدالقاهر الجرجاني. وما يعرضه المسرح على الخشبة, قد نجده في حياتنا اليومية.. ولكن عند نقله لابد ان نراه بصورة ابلغ من الواقع.. وليس العكس.. فإذا فعلنا العكس.. كنا ننقل.. كنا نسرق الواقع ونجيء به لنضعه امام المتلقي على الخشبة, وهو ليس ملكا لنا, انما هو ملك للواقع, للطبيعة للمشهد الحياتي اليومي, الذي قد نقف على الضد منه او نباهي انفسنا به حسب تصوراتنا عن معطيات الموقف الذي نؤمن به ونتخذه نبراسا امامنا او صورة شوهاء, نقرف من وجودها امامنا. التذوق.. هنا قائم في الحياة, كما في الفن, ذلك ان الفن لا يخلق من عدم, ولا يلقي في فراغ.. لا وجود له في الفراغ, الفراغ من البشر في الفن يعني العزلة, مثلما يعني العدم. صحيح, ما ذهب اليه: المقري في (نفح الطيب) من ان: (الحس اقوى من العقل, ومن فقد حسا فقد عقلا) . لكن الحس نفسه ليس حالة استثنائية, فطرية, تولد مع الفرد وتنمو مع نمو حياته.. قد يكون للحس قدر ضئيل من هذا.. لكن الحس يبني ويؤثث بنود العقل, بالخزين المكتسب من المعرفة, بالوعي والموقف والارادة والخبرات والتجارب, لذلك نجد المرء المفتقد للاحساس, مفتقد في الوقت نفسه لألق العقل, لبراهينه واضاءاته. الحس.. هو البذرة البكر في التذوق الفني, في معرفة التجسيد المسرحي, في معطيات الجسور التي يقيمها مع المتلقي, وبدون الحس, لا يمكن ان نتذوق ولا ان نرقى بذائقتنا وذائقة سوانا.. ذلك اننا نكون في حالة انقطاع تامر عن الاخر, الاخر لا يعنينا, في حين قد يكون هو يعنينا تماما. بدليل انه يوجه خطابه الينا.. فلماذا لا تكون لغة الخطاب بيننا متبادلة؟ نحن نبادل الخطاب الموجه.. بالحس الذكي, بالدراية, والذائقة غير المفرغة, غير المنقطعة عن العالم, غير المستغنية اصلا عن حركة المجتمع وثقافته وسايكولوجيته. ومادام الانسان كذلك, فإنه كائن يكتسب, يراكم خبرة, يعيش افعالا وردود افعال.. مما يجعله يختزن معرفة, يختزن حسا وذائقة واستجابة. فكيف نجعل من متلقي فن العرض المسرحي, متلقيا ناجحا وموفقا. يكتسبه فن المسرح, دون ان يخسر نفسه في هذا العرض المسرحي او ذاك؟ ان المتعة, حالة متباينة بين فرد واخر, مثلما الذائقة مختلفة بين الافراد ومهمة المبدع الحقيقي, ان كان يؤمن حقا بأن له مهمة, تقوم على مسألة توليه نقل المتعة من خطابها المسلي العابر والمجرد والذي يخاطب العاطفة العاجلة الاهواء, الى خطابها الراقي وحسها المسئول وادراكها المعمق. هذا هو الاختلاف بين مسرح رديء, ومسرح راق مجتهد. المسرح الرديء يعيش على جهل المتلقي, على الامعان في تجهيله.. الفلاح فيه دائما شخصية تشكل مرتعا خصبا للجهل, مثيرا للتندد وللضحك. اما المسرح المجتهد, فإنه يحيا بتعميق ثقافة المتلقي, باضافة معلومة جديدة اليه, بالتعامل مع الانسان مهما كانت درجة ونسبة اكتسابه للثقافة. فهو يرى في الجهل, عقبة لابد من التوجه لألغاء وجودها من عزلة الفلاح الذي اورثه الاستعمار والاقطاع والفقر آفة الجهل بمعرفة العالم والاشياء. هذا المسرح يشعل له قنديل الكلمة.. يجعله على تماس مباشر مع تذوق الاشياء الجميلة في اقل تقدير. هاتان الصورتان المتضادتان للشخصية الواحدة.. كمثال.. يمكن ان نستدل من خلالهما على مديات خطاب التذوق في المسرح.. كجزء من تربية موجهة, من قيم مسئولة, من وعي مدرك.. له تماس بالموقف والحياة وارادة ان نشاء للمسرح مشيئة ان يكون وان ينجز وان يصبح منارا, مدرسة, مركز اشعاع حضاري في تعزيز قيم التذوق الفني ورفع شأن الانسان كقيمة مثلى في بناء حضارة ورقي المجتمع الذي ننشد ونطمح الى بناء وجوده بناء معرفيا محكما. ان التذوق.. احساس جمالي ومعرفي مشترك, ولا يمكن لنا ان نرقى به مالم نرق بوعي وادراك كل الفنون, باعتبار ان المسرح هو البؤرة التي تصب ومن ثم تشع من خلالها كل فاعلية المسرح النير الذي يرقى بالذائقة الفنية مثلما يرقى بالذاكرة.. وهذا ما يطمح اليه المسرحي المبتكر والمتلقي المتذوق. بقلم: حسب الله يحيى