يؤكد المثل الالماني القديم ان السخرية تثير الضحك رغم كل شيء. وهذا هو ما يستشفه كل من يقرأ اعمال الكاتب المسرحي الالماني (اوليفر بوكوسكي) فهذه الاعمال هي في الاساس اعمال درامية داكنة وحزينة على نحو رهيب ومع ذلك فهي من الاشياء التي تشعرك بالمتعة التي لا تنتهي حتى بالانتهاء منها. ان ابطال اوليفر بوكوسكي ميالون الى التخيل ويحلمون بحياة افضل كما انهم ايضا مغامرون يناضلون من اجل الوصول الى النجاح ومع ذلك فهم يواجهون الفشل والاخفاق. فهل نلومهم على ذلك ام نلوم الظروف؟ ام ان هؤلاء وبكل بساطة غير محظوظين كما يمكن ان نقول احيانا؟ وشخصيات بوكوسكي هي شخصيات ضعيفة تتعرض لانواع المعاملة القاسية ولكنها وعلى الرغم من ذلك تشعر بالقناعة اكثر من غيرها. ولأن بوكوسكي لا يرغب في ان يوجه اليه الاتهام بأنه من الكتاب المسرحيين المتحيزين لما يعرف بالموجة الجديدة التي تهتم بتسليط الضوء على الهم الاجتماعي فان بوكوسكي اصبح يفضل اطلاق اسم (كوميديا البوليفارد) او الكوميديا الجادة على اعماله وهو اسم يبتعد بها كثيرا عن المفهوم الذي يوقع الاخرين في سوء الفهم. ورغم ذلك فان هذه الاعمال ولاتزال ترتبط الى حد ما بلغة الوطن وبلغة اهل ذلك الوطن مع انها لا تتحدث بلهجة محلية. ولد اوليفر بوكوسكي في (كوبتس) في سنة 1961 ودرس الفلسفة وعلم النفس وبدأ مشروعه الكتابي في الاشهرالاخيرة لما كان يعرف بجمهورية المانيا الديمقراطية. وقد اثارت اعماله الدهشة في الاوساط النقدية نظرا للسرعة التي تميزت بها كتابته في هذه المسرحيات. ففي سنة 1998 كان بوكوسكي قد اتم كتابة 15 عملا مسرحيا اضافة الى بعض الاعمال الدرامية الاذاعية التي نالت الاعجاب. وهي أعمال وجدت كلها طريقها الى المسرح بدون استثناء, وفي العديد من الاماكن بما في ذلك فنلندا وبريطانيا وذلك رغم انشغالها بالهم المحلي. نجاح سريع من النادر ان يقرأ المرء عن مؤلف مغمور يشق طريقه الى النجاح بسرعة عالية كما فعل بوكوسكي, الكاتب المسرحي الذي لمعت شهرته في المانيا الشرقية وعلى خشبة مسارح صغيرة متواضعة, كما انه وبكل وضوح لايزال الكاتب الالماني الشرقي الذي يكتب لجمهور محدود صغير العدد في موطنه الاصلي يستطيع ان يكتشف نفسه في تلك الاعمال. وربما تكون تلك من الاسباب التي ادت الى تأخره في الحصول على التقدير الذي يستحقه كما حدث اخيرا لدى حصوله على جائزة الابداع المسرحي (مولهايم) . ولكن هل تفتقد مسرحيات بوكوسكي العالمية ومن جانب اخر ايضا هل تفتقد الصلة الوثيقة بالعناصر القومية. اليست تلك هي الاتهامات ذاتها التي وجهت الى كتاب اخرين مثل (فرانز كروتيز) او هيربرت اختنبوخ؟ ان عناوين بوكوسكي هي في حد ذاتها مثيرة للفضول. وكانت مسرحيته الاولى بعنوان (العمر النصفي للكناري) وهو عنوان لا يمت بشكل قوي الى معناه الظاهري وانما جاء ليعبر على نحو رمزي عن الاحاسيس التي حملها الناس اثناء التحول السياسي. فهو كما يبدو اسقاط موفق يربط بين عصافير الكناري التي كان يستخدمها عمال المناجم لارشادهم الى الممرات الجديدة حتى يتمكنوا من الدخول. يقول بوكوسكي نبدو جميعنا مثل طيور الكناري التي تستخدم في التجارب, تعرفون ما أعنيه, انهم يأتون (بالماك دونالدز) ويبقى بعد ذلك ان يجربوا ما اذا كانت الامور تسير على ما يرام) . روح العدوانية اما النص فهو عبارة عن (مونولوج) طويل يتفرع الى حوارات في المشهد الاخير, بينما يبدأ المشهد الاول بامرأة مسنة تجلس امام فراش زوجها الذي يحتضر تتحدث عن كل شيء.. الجيران وابنائهم وعن زملاء زوجها في العمل.. ثم يختلط بداخلها تيار الوعي حتى تصبح نفسها مليئة بالحقد على كل هؤلاء. وهو ما يجد المرء انه يمثل تعبيرا صادقا عن روح العدوانية التي اجتاحت حياة الكثيرين اثناء اضطرابات سنة 1990. وصفت الاعمال المسرحية التي تلت (العمر النصفي للكناري) بأنه عمل هزلي ساخر خيالي وغريب. وعموما فهو عمل مسرحي يبدو شبيها بمسرحيات الكاتب الايرلندي الشهير (صامويل بيكيت) خاصة تلك الاراء التي تدور حول فلسفة الحياة والكون. يصف (جورج ميهان) استاذ الفن المسرحي وهو الذي اكتشف بوكوسكي في الاساس دراما (سفر القبلة) التي رشحها لأن تكون العمل المسرحي الحديث بقوله انها تشتمل على عناصر الملاحظة الدقيقة والحزن والمشاعر النابضة الدقيقة ومشاعر العصيان والتمرد والكثافة والتهكم الى جانب احتوائها على عناصر الاحساس والبرود المشتعل والمعنى واللغة الذكية التي تصيب بالصدمة. ومع ذلك فان احدا لا يمكنه التكهن باسماء الكتاب الحقيقيين الذين تأثر بهم بوكوسكي, فثمة ما يشير الى انه قد تأثر بكتاب كبار يمكننا ان نعد منهم (بيكيت) وادوارد البي و(هورفان) ومسرحيي الستينيات في بريطانيا من امثال (ويسكر) و(اردن) بينما لا يوجد ما يشير الى انه تأثر بكتاب مثل (بريخيت) او (هنري ميلر) اللذين تأثر بهما معظم الكتاب الالمان الشرقيين. اما الكوميديا الاخلاقية فقد بقيت محور اهتمامه الى جانب تعلقه بكتابة المسرحية الفولكلورية الانتقادية اما القفزة الموفقة التي حققها بوكوسكي فقد جاءت في سنة 1993 عندما نالت مسرحيته الشهيرة (لندن لوس انجلوس) جائزة الابداع المسرحي في ذلك العام. وبعد ذلك اعيد انتاج هذا العمل 19 مرة حتى عام 1998. نهاية مأساوية تعتمد مسرحية (لندن لوس انجلوس) في ادائها على ممثلين وتنتهي احداثها على نحو مأساوي رهيب مليء بتراجيديا العبث. فبطلاها هما شخصان يحلمان بحياة افضل من الحياة التي يعيشانها ومع ذلك فهما لا يكرهان بعضهما في الاساس كما لا يكرهان عالمهما الحقيقي. وهو عمل لا يقوم في الاساس على الوعظ او تقدير الاشياء او الحنين والتفجع. وهاتان الشخصيتان الانسانيتان اللتان تمران بتجربة صعبة تجردهما من كل شيء هما في النهاية لشخصين ساذجين باستطاعتهما دخول عالم يسميه عالم العجائب الجميل دون ان يمتلكا الوعي بأنهما غير مهيأين لذلك. ورغم ان العملين المسرحيين التاليين اللذين قدمهما بوكوسكي اعتبرا من الاعمال العادية ولم يحالفهما الحظ في النجاح الا ان مسرحية (اقلب كذا اعدل كذا) وهي عمل مسرحي هزلي مؤسس على الحوارات الفكاهية استحقت فيما بعد جائزة الشباب الالماني للابداع المسرحي التي كانت تمنح للنساء والعائلات والشباب. والعمل موجه في الاساس الى جمهور الشباب ويروي قصة حب بين شاب وفتاة يكتشف كل منهما الاخر بعد وضعه تحت الملاحظة الدقيقة. ولغة هذه المسرحية تبتعد عن المحلية وتبدو كما لو انها عمل مسرحي شامل يمكن لأي جمهور في اي مكان ان يتعاطى مع مفرداته. فهي قصة تبنى حبكتها على عنصر المفاجأة والذكاء وسرعة الحركة. وبهذا يكون مؤلفها قد نجح في اخراج عرض يمتلك خاصية الحركة ويعمل باستمرار على تكثيف الواقع وبالتالي فهو لا يفرض نفسه على وجه الحصر كفكرة. اهم المسرحيات ولاتزال مسرحية (لاشيء أكثر جمالا) في مقدمة اعمال بوكوسكي المسرحية الهامة والمسرحية (مونولوج) طويل تحتكر دور البطولة فيه امرأة خمسينية تروي حكاية حب مع رجل تعرفت عليه بواسطة اعلان في جريدة ثم التقيا ليهديهما قصيدة جميلة ويغادر للابد عندما يكتشف انها كانت سجينة او قاتلة انهت حياة زوجها الذي عاملها في الاساس بقسوة ومع ذلك فان شيئا من التعاطف السابق لم يعد ممكنا. لكن المرأة لا تنتهي لدى بوكوسكي بهذه السرعة التي ينتهي فيها الرجل من حياتها ومن خلال شعورها الجامح الذي لا تستطيع السيطرة عليه يحملها المؤلف على التفكير فيما سيكون عليه الغد. ماذا لو التقت حبيبها الشاعر صدفة؟ غير ان شيئا من ذلك لا يحدث لأنها لا تغادر منزلها. وتجسد الاعمال المسرحية التراجيدية التغير الحقيقي الذي شهده مسرح بوكوسكي في سنة 1999 (جاست) وهي مسرحية فكاهية ساخرة تتحول الى مأساة حقيقية. اما التغير فهو واحد من الاشياء التي يصمم المؤلف على عدم الاجابة عليها. واوليفر بوكوسكي هو واحد من المؤلفين الذين يرفضون الاجابة عن الاسئلة التي تدور حولهم او حول اعمالهم المسرحية ويتجنبون البروز الاعلامي فلا يمكن لاحد ان يراه في حلقات نقاش او في مقابلة تلفزيونية او اذاعية وعلى حد تعبيره فهو يكتب ما يريد ان يقوله. وهو لا يحتاج الى توضيح ما يكتبه. اما الاشخاص الذين يفضل الكتابة عنهم فهم المخادعون.. المزيفون.. الكاذبون الذين تبدو كل الاشياء المحيطة بهم وكأنها كاذبة ايضا, الناس الذين يكذبون بذكاء شديد ويشعرون بالاسى وليسوا اولئك المثقفين الذين يصلون في النهاية الى كوارث حقيقية. حقائق عن اوليفر بوكوسكي * ولد اوليفر بوكوسكي في سنة 1961 في جمهورية المانيا الديمقراطية. * يحمل بوكوسكي مؤهلا جامعيا في علم النفس الاجتماعي والدكتوراه في علوم الاجتماع من جامعة همبولدت في برلين. * عمل باحثا اجتماعيا في بداية حياته ثم تفرغ للكتابة في الصحف.. وهو احد مؤسسي مسرح (ثيترلوج) . * حصل على اجازة دراسية في اكاديمية برلين للفنون. واجازة (سنيت جرانت) لكتاب برلين. وما بين عامي 1991 ـ 1992 على لقب افضل فنان شاب. واعيد اختياره في سنة 1993. * من اعماله المسرحية الهامة ـ (لندن لوس انجلوس) (جودي باي لوسي هيلو لوسي) (جاست) (طبيعة واصدقاء) .