ما الحالة المسرحية في الامارات اليوم؟ عدد كبير من الفرق موزعة على المدن, احياناً في كل مدينة اكثر من فرقة. عدد كبير من الاعضاء المسجلين في هذه الفرق كجمعيات (عمومية) وانشطتهم في الغالب منحصرة بين ما يسمى بـ (الانتخابات) والاعمال الادارية. عدد قليل نشط, مهموم, يبذل الكثير من وقته وجهده ليقدم عملاً مسرحياً, واحداً او اكثر, في السنة. مهرجان مسرحي محلي تنظمه دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة, وهو عيد المسرحيين السنوي, فيه يجتمعون وينشغل بهم الاعلام, وربما الناس, لمدة اسبوع وبعدها يعودون الى (الاختفاء) . مهرجانات مسرحية عربية (يقل عددها كل فترة) تشارك بها فرق مسرحية على الاغلب تميزت في مهرجان الشارقة. تتبع الفرق المسرحية ادارياً لوزراء العمل, فهي جمعيات ذات نفع عام, وتتبع لوزارة الاعلام, حيث قسم المسرح تجمد مادياً ومعنوياً منذ عقود. فيما عدا دائرة الثقافة بالشارقة, لا توجد مؤسسة ثقافية اخرى تبدي اهتماماً واضحاً ومتواصلاً بالفن المسرحي. وفي الصحافة المسرح ممزق بين صفحات المنوعات, وما يسمى بـ (الصفحات الثقافية) حيث يكتب محررون (شموليون) (اي يكتب في التشكيل والادب والغناء والسينما... الخ, مقالات و(تغطيات) سريعة غالباً ما تزدهر في المناسبات, كمهرجان الشارقة المسرحي... في بقية وسائل الاعلام: لا نكاد نلمح اي انشغال بالفن المسرحي... رغم كثرة عدد المعاهد والجامعات اخيراً, الا انه لا يوجد معهد مسرحي واضح المعالم الى الآن. يبدو ان البعثات الى المعاهد في الخارج توقفت منذ مدة... هذا التوصيف السريع لـ (الحالة المسرحية) ليس جديداً, فالمسرحيون في كل فرصة تسمح لهم يقولونه ويقولون اكثر منه, ومطالباتهم بتغيير (السلبي) منه لم تتوقف ولم تتوان منذ مطلع الثمانينيات, ولربما وصل اكثرهم الى قناعة: ان الامور اذا لم تصبح اكثر سوءاً, فان تحسنها امر مستحيل, وما يسمى بحالة اليأس هذه يتجاوزها المسرحي عموماً كلما رأى خشبة ووقف عليها, اذ هناك فحسب (ترد الروح) اليه, وما ان يتركها حتى تتناهشه الظنون حول مدى فعالية وجدوى ما يفعل؟ اذن ما نقوله هنا ليس جديداً, وانطلاقاً من هذا سنحاول أن نعيد ترتيب قائمة المشكلات, التي نراها اساسية, فالتغيير على العموم يبدأ من وعي المسرحيين بحقيقة مشكلاتهم اولاً, ومن قدرتهم على التكاتف للدفاع عن (فنهم المسرحي) ثانياً. ولدينا الآن جمعية للمسرحين, وهي مسئولة بالدرجة الاولى عن تحديد المشكلات التي تتحكم بالعملية المسرحية في البلد, واعادة بعث الحوار والمناقشة حولها, ومن ثم قبل كل ذلك بحاجة الى تحرك ملموس, وعلى كل الجبهات, تطرح الاوليات والعمل على تحقيق ما امكن. انه بالطبع لكي تدافع عن المسرحي, عليك ان تدافع عنه كفنان, ولكي تعمل على تطوير المسرحي, عليك ان ترى وتحدد وضع المسرح كفن في مجتمعك. اول هذه المشكلات برأينا: غياب الفن المسرحي عن المنهاج المدرسي والاكاديمي. ان الجمهور المسرحي لا يتكون فقط في قاعات المسرح, بل وفي قاعات الدرس بالمدرسة او الجامعة. هناك يتعرف افراد المجتمع على الفن المسرحي, اهميته للانسان والمجتمع, على تاريخ هذا الفن, وعلى تاريخه في مجتمعهم, وعلى جمالياته, وغياب التدريس العام (حتى نميزه عن المختص) للفنون وتاريخها من المنهاج يؤثر تأثيراً سلبياً على الوعي الجمالي للناشئة. وعلى العموم فان جل المناهج العربية تقصى تاريخ الفنون من المنهاج المدرسي او الجامعي, رغم المسئولية التي من المفروض ان يمارسها الانسان تجاه (سمعه وبصره وفؤاده) , ورغم ان تنمية الحواس شرط اساسي في تكوين الفرد. لا شك ان غياب تاريخ الفنون عن المنهاج المدرسي مؤثر اساسي في عدم تشكل جمهور مسرحي نوعي, مما يسمح للتلفزيون وغيره في فرض انماط من المسرح التجاري والاستهلاكي على الذائقة. ان الذائقة مسئولية جماعية وحساسة وهي في مهب الريح الآن. غير هذا تغيب المعاهد والاقسام المختصة التي تدرس الفن المسرحي وكما قلت. ان لم تكن انعدمت ـ البعثات الخارجية لدراسة المسرح, ولا ادري كيف تتصور جمعية المسرحيين حال المسرح اذا لم يحقن المجتمع المسرحي بعدد من خريجي المسرح كل فترة يجددون روحه وآماله وفنياته وجمالياته. على الاقل على هذه الجمعية العمل على اعادة دورة الحياة للبعثات الخارجية وتشجيع اعضائها على الابتعاث. مع العلم ان المتحمسين لدراسة المسرح في الداخل او الخارج يقلون ويتلاشون خاصة اذا ما فكروا انه لا يوجد مستقبل مهني مضمون لهم بعد تخرجهم. كل هذا هو مسئولية من؟ ذلك هو السؤال ولكن هل بالامكان تجنب الخوض في مثل هذه المشكلة؟ بمعنى كيف بالامكان التفكير بمسرح يتطور ونوعي بوجود مثل هذه المشكلة. ثاني المشكلات: قانون الجمعيات ذات النفع العام. اشرنا من قبل الى ان الفرق المسرحية تتبع من جهة وزارة العمل ومن جهة اخرى وزارة الاعلام, وتعامل دائماً كجمعيات (ذات نفع عام) وبرأينا الشخصي فان هذا القانون لا يصلح اطلاقاً, بل ولا يناسب العملية المسرحية. ان الفريق المسرحي يحتاج الى الفعالية والديناميكية والحركة اكثر مما هو بحاجة الى الحالة الروتينية المستقرة التي ينتجها هذا القانون. وبالفعل لقد حوّل هذا القانون الفرق المسرحية الى مبان واشخاص اداريون اكثر مما هم مسرحيون والى صراع على كراسي الادارة. اقول لقد حوّل هذا القانون الفرق الى مثل هذا الوضع واسوأ. بل ان بعض الفرق, ومن منطلق انها (جمعيات ذات نفع عام) تقيم محاضرات في الصحة والدين وتصدر مجلات (ثقافية) , وتضم امسيات شعرية وغنائية... اي انها تفعل كل شيء الا المسرح. ان الفرق المسرحية بحاجة الى قانون اداري آخر ينظم اهدافها وفعاليتها وعلى المسرحيين ـ وعلى الاخص جمعيتهم ـ المطالبة به. بل ومن الاجدر بهم المشاركة بفعالية في صياغته. ولعل مثل هذا القانون قد يعيد الحركة في قسم المسرح بوزارة الاعلام والثقافة, ويخرج العملية المسرحية من وضعها الراكد الحالي. لقد انتج مثل هذا الوضع القانوني مظاهر سلبية في الحياة المسرحية في الامارات ساهمت كثيراً, في تعثره, ان لم اقل تأخره, منها مثلاً المخرج الموظف من قبل قسم المسرح والتابع اداريا لمجلس ادارة الفرقة, فكيف يكون مخرجاً مسرحياً مبدعاً وهو موظف مستقر تحت رحمة اداري على الاغلب يطمح الى الظهور الاعلامي وتنتابه فعاليات (السلطة) وحتى ولو على كرسي محطم في فرقة مسرحية مفلسة في الساحل الشرقي. هاتان المشكلتان رئيسيتان, كما ان الكثير من المشاكل الاخرى ما هي الا تجليات من تجلياتهما: فغياب الجمهور والنقد وحال الكتابة المسرحية وقلة الدعم المادي, وضعف التكوين الفني والثقافي للمسرحي والتفاوت بين مسرحي المدن الكبرى والمدن ـ القرى وفعالية فرق مسرحية في فترة وركودها في فترة اخرى تذبذب المستوى الفني من عمل الى آخر, وحالة اللجان الثقافية في الفرق المسرحية لبعض الفرق المسرحية, وتحول بعض الفرق الى (مسارح) قطاع خاص (ذات نفع عام) !! وموسمية الاعمال المسرحية وغيرها... هي من مضاعفات وضع قانوني وثقافي قائم على المشكلتين المطروحتين. ويبدو ان الوقوف عندها وقفة جدية تغير كثيراً من (الحال المسرحي) السائد ذلك الذي مرّ عليه اكثر من عقدين يطرح المشكلات ذاتها و(يلوكها) ... بين اليأس والامل... وبين الجهد الكبير المبذول من بعض المسرحيين و(القليل) من التغير على مستوى ترسخ المسرح كفن في المجتمع, كما و(القليل) من التغير على صعيد وضعية المسرحي كفنان. بقلم: احمد راشد ثاني