ربما كانت المعلومات التالية ذات علاقة ببعضها وربما لا والأمر متروك للقارئ في نهاية الأمر ليقدر هو بنفسه مدى ما بينها من صلة. افتتح نهاية الاسبوع الماضي عرض الفيلم الجديد (العصابة رقم 1) في لندن وهو الاخير من سلسلة أفلام العصابات البريطانية ، ويحتوي من بين المشاهد الاخرى على مشهد لرجل يتعرض لرصاصة في ساقه قبل ان يتم تقطيعه ارباً ارباً وهو لايزال على قيد الحياة فيما يتم تصوير هذه العملية من زاوية نظر الضحية نفسه. وفي غضون ذلك بدأت القناة الرابعة في هيئة الاذاعة والتلفزيون البريطانية عرض مسلسل تلفزيوني جديد مستوحى من قصة فيلم (فتيل وصاعق وبرميلي بارود) وهو الفيلم الذي ساهم بخاصة في إطلاق موجة افلام العنف الحالية. وفي الاسبوع الماضي اعلنت الشرطة البريطانية ان جرائم السطو المسلح تحدث في لندن بنسبة اربع جرائم يومياً. وفي الربع الاول من العام الحالي وقعت 552 جريمة سطو مسلح في لندن اي بارتفاع قدره 40 في المئة عن المدة نفسها من العام الماضي. اما جرائم السطو على المصارف فقد ارتفعت بنسبة 81 في المئة فيما ارتفعت جرائم السطو المسلح على عربات الامن لنقل العملة بنسبة 82 في المئة. وتقول مصادر الشرطة ان هذا الازدياد قد حدث نتيجة استعداد اللصوص المسلحين للتعرض لمزيد من المخاطر مقابل غنائم اقل مما كان لدى لصوص المدرسة القديمة من استعداد لذلك. يقول مخرج مسلسل (صاعق وفتيل) التلفزيوني نك جونز: (انه عمل مرح وحافل بالمغامرات, انه عالم سكوبي دو وهو قريب من عالم جيمس بوند. هو عالم قائم بحد ذاته. انه يدور اساسا حول العصابات والصخب والانذال والاسلحة والدم والموت والمال) . اما جون شاتفورد احد كبار المحققين في شرطة لندن فيقول عن الازدياد لجرائم العنف: (نحن بحاجة لنكسب عقول وقلوب الناس, لكن نجد ان علينا التعامل مع اناس ليست لديهم لا العقول ولا القلوب) . العنف يتراجع والعنف في الأفلام السينمائية يتراجع عموما الان. فمنذ حمى شوارزينجر وستالون وويليز توصلت هوليوود لنتيجة مفادها ان هذا النوع من المواضيع قد استهلك. والمشاهدون الامريكيون اصبحوا ملولين ومضطربين من التزامن بين العنف السينمائي والعنف الحقيقي الواقعي مثل مذبحة مدرسة كولمباين الثانوية. اما في بريطانيا فقد اظهرت دراسة اجرتها الهيئة البريطانية للمصنفات السينمائية مؤخرا بان المشاهدين البريطانيين اصبحوا اكثر تساهلا مع المشاهد الحميمية في السينما إلا أنهم في المقابل اصبحوا اقل تسامحا مع مشاهد العنف. لكن يبدو ان صناعة السينما البريطانية منخفضة التمويل وفي خضم نجاح (فتيل وصاعق) وكأنها قد أعادت اكتشاف العنف كمادة جديدة لصناعة الافلام فبالاضافة الى هذين العملين المذكورين هناك ايضا افلام مثل (الألمنيوم الكريه) و(السيرك) و(الوجبات السريعة والحب) و(الشرف والطاعة) . لهجة الكوكني وتطرح قريبا افلام من مثل (الخطف) للمخرج جاي ريتشي وهو مخرج (فتيل وصاعق) ايضا وفيلم (الكدمة) . وهذه الافلام ليست بريطانية الانتاج وحسب بل هي بريطانية الهوية ايضا وغالبا ما تكون لهجة الكوكني اللندية هي المستخدمة فيما ضواحي لندن هي المكان. وريتشي تحديداً لا يقبل تقديم التنازلات مقابل التسويق العالمي. وعندما سئل عن امكانية تنقيح الحوار بحيث يناسب المشاهدين الاجانب, قال: (هذا غير ممكن ابدا, لانه سيجعل العمل يبدو غير اصيل) . على كل حال فان الامريكيين على ما يبدو معجبون بذلك. اذ ان نجاح مسلسل (صاعق وفتيل) قد أعطى ريتشي شعبية كبيرة في هوليوود, وهو ما تبلور لاحقا عندما اصبحت مادونا صديقة له. اما توم كروز فيقول: (هذا العمل مذهل) . في فيلم (البحار الانجليزي) يرسم المخرج الامريكي ستيفان سوديربره شخصية تيرنيس ستامب كرجل عصابات من لندن تحركه غريزة الانتقام يتبين بأنه اكثر براعة فيما سمي بفيلم (الساعة البرتقالية) على أنه (العنف المتطرف القديم) من الامريكيين. ويبدو ان بعض الامريكيين قد سرهم ذلك, اذ يقول الناقد الفني في صحيفة واشنطن بوست عن ارض عصابات (صاعق وفتيل) الممسوخة بأنها (أحد الاسباب لعدم وجود انجلترا بعد الان, اذ اصبحوا ممسوخين يحاولون تقليدنا) . وعلى مستوى اعمق وأكثر ارباكا تبرز بريطانيا المعاصرة وموضتها في هذه الموجة الجديدة من أفلام العصابات. اذ مع ان فيلم (العصابة رقم 1) يحدث في خلفية تاريخية هي الستينيات, الا ان الازياء وتحديدا الازياء غير الرسمية مطابقة لما ينتشر الان في مجلات الشباب اليوم. يقول الناقد داني ليج: (يمكن النظر لافلام العصابات الجديدة في بريطانيا باعتبارها نتيجة حتمية لنجاح المجلات الخاصة بالرجال في المملكة المتحدة التي تحفل بصور العنف والنساء) . ويمكن تتبع جذور ذلك في التقاليد البريطانية التي تلمع العنف. العصابة رقم واحد في بداية فيلم (العصابة رقم 1) يقوم البطل بخلع ملابسه الانيقة حتى لا يلوثها بالدم الذي هو على وشك ان يريقه. ودعونا نعود الى العالم الواقعي في لندن لنرى ان هذه الاناقة اللندنية المبالغة في الافلام قد أصبحت فعلا الزي الرسمي المتبع لليمين الفاشستي المتطرف في البلاد. اذ ان الفتيان الذين اتهموا بقتل ستيفان لورانس اعترفوا بوضوح انهم يشعرون بضجر كبير بتأنقهم. فيما ديفيد كوبلاند الذي اتهم قبل اسبوعين بتفجير قنبلة ضد الاسيويين في لندن قال ايضا بانه يحب التأنق والمظهر اللماع, لكن بملابس رياضية معاصرة هذه المرة. وربما كان مصطلح (البرود) هو أكثر ما يمكن ان يصف هذه الموضة الجديدة وهي النوعية التي تميز الثقافة الشبابية البريطانية الان. وفي اقل اوجهه اذى يعني (البرود) ان يكون المرء على القمة وان يظهر بالمظهر الجيد ويعرف كيف يتصرف عموماً. لكن في السياق السينمائي هذا يصبح (البرود) حالة نفسية مرضية. اذ هو يعني عدم الاكتراث بأي شيء الا بالمصلحة الشخصية وان لا يكون المرء قادراً على التعاطف مع معاناة الاخرين انها اللامبالاة الكاملة بالآخرين. ويمكن الان ان نتذكر ما قاله محقق الشرطة في بداية هذا المقال الذي تحدث عن معنى التعامل مع اناس ليست لهم عقول او قلوب, وبمعنى اخر باردين نفسياً. وعلى هذا النحو يصبح بطل (صاعق وفتيل) في قمة (البرود) وهو يقول الاتي في ذلك الحوار الهزلي الذي نال الكثير من الاعجاب: (ان خبأت اي شيء سأقتلك. واذا ما عرفت الحقيقة, وانا اعتقد انك تعرف الحقيقة, فسأقتلك. ان نسيت شيئا سأقتلك. في الحقيقة عليك بذل جهود مضنية جدا لتبقى حيا يا نك. والان هل فهمت كل ما قلته لك؟ لانك ان لم تفهم فسأقتلك) . يثير هذا المشهد الضحك لانه يعبر عن شيء فظيع بدقة حسابية وبلهجة الكوكني الثقيلة. لكن علام نضحك بالتحديد يا ترى؟ هنالك خط رفيع بين برود الشارع العادي وبرود المجرمين. الاول هو حالة نفسية تصيب المراهقين لكن الثاني هو هوس اجرامي. ان الفيلم يستغل الاول عن طريق الاحتفاء بالثاني. يقول البعض انهم بصنيعهم هذا انما يصلون بحبكة الفيلم لقمة التعقيد التي تسبق الحل وليسوا بصدد ترويج العنف, حيث يغلفوه بفانتازيا غير مؤذية. بل انهم يجادلون ايضا بان الفيلم هو شأن افلام الرسوم المتحركة بمعنى انه ليس حقيقياً. وعلى سبيل المثال في (صاعق وفتيل) على الرغم من وجود الكثير من العنف بما في ذلك معارك وحشية بالرصاص يموت كل من يشارك فيها نهاية الامر, الا انه ليس هنالك تركيز على مشاهد الدماء المتدفقة واللحم البشري الممزق الذي كان سام بيكنباه رائده في السينما الامريكية. لكن ما ننساه هو شريحة الشباب بين 18 و25 عاما وهم الشريحة الرئيسية التي يستخدمها منتجو الافلام وهناك من كل بد تأثير لا يمكن علاجه على هؤلاء تتركه سينما العنف البريطانية الجديدة. وهذه السينما مقارنة بالسينما الامريكية السوداء التي ظهرت في الثلاثينيات تفتقد للاصالة والفلسفة التي تعطي عمقا لمشاهد العنف. والمذهب الشكلي الذي استمده المخرجون البريطانيون هؤلاء من تارانتينو تحول بين ايديهم الى وسيلة لا اخلاقية وكأنها اصبحت الطريقة الوحيدة لتقديم التسلية والمتعة لمشاهديهم ونقلهم الى عالم عدمي لا شيء فيه له قيمة واي شيء مسموح بفعله. اعداد ـ جلال الخليل