عرفته تماما, كنت واثقا من ذلك, فقد درج على السكن بين دفتي كتاب, واختصار تشرده الطويل إلى روايات لم تعرف حتى الآن نهايتها, ولم يتمكن أي قارئ محنك من روايتها على مسمع أحد, فما أن يبدأ حتى يتلعثم بازدحام لا مثيل له من الشخوص والأمكنة والأحداث والتأملات والثرثرة, كل هذا على انه الدهشة قالها يوما وسمعته بكلتا أذني وحواسي الاثنتي عشرة (متى بدأت الكتابة لا أتوقف أبدا) - المعذرة هنري ميلر لم يقل ذلك.. أنا من لفق هذه العبارة بالقرب من مداري الجدي والسرطان. للمتعة مرارا, لمتعة الألم بمذاقات أكثر من أن تتسع لها ذاكرة, وللجوع أيضا مذاقه مع هنري ميلر, في جوعه ما يدفعك لأن تشتهي أن تتذوقه, أن يقرصك في شوارع باريس وبروكلين. (قال إمرسون: (تتألف الحياة مما يفكر به الإنسان طوال يومه) إذا كان هذا صحيحا, فحياتي ليست غير أمعاء ضخمة إنني لا أكتفي بالتفكير بالطعام طوال النهار بل وأحلم به ليلا) . السير على غير هدى, والإلمام جيدا بكل متطلبات إنسان سعيد يتقن الرقص على الحافة أو الهاوية, وعرضة لنوبات كآبة قد تؤدي بحيوات عمل على فرحها وبهائها وكل المقومات اللازمة لعيشٍ غير كريم, موفقا إلى أبعد حد في تحويل الإهانات, وسيل طويل من الفشل إلى صرخات مدونة للانتقام والرحمة, صرخات بذيئة وأخرى نبيلة جنبا إلى جنب ضد العالم أجمع. (الوقت هو خريف العام الثاني لوجودي في باريس, لقد أرسلت إلى هنا لسببٍ لم أسبر غوره بعد. لا أملك أية نقود, لا موارد, لا آمال, أنا أسعد إنسان على قيد الحياة. قبل عام, قبل ستة أشهر, كنت أظن أني فنان, لم أعد أفكر في هذا, فأنا فنان فعلا. كل ما كان أدبا سقط مني, ولا مزيد لكتب تكتب, فشكرا لله. فما هذا إذن؟ هذا ليس كتابا, هو تشهير, افتراء, تشويه سمعة, هذا ليس كتابا, ليس بالمعنى العادي للكلمة, لا, هو إهانة مطولة, بصقة في وجه الفن, والإنسان, والقدر, والزمن, والحب, والجمال وكل ما تريد. سأغني لك, ربما بشيء من النشاز, لكني سأغني سأغني بينما أنت تنعق, سأرقص فوق جثتك القذرة...) . الحقائق الجوهرية (إنه كتاب إنسان سعيد) يصف جورج أورويل رواية مدار السرطان وتقول أناييس نن عنها (هاهنا كتاب قد يعيد إلينا, إذا أمكن, شهيتنا إلى الحقائق الجوهرية) . بين الجوهر والسعادة. يتردد ميلر كثيرا, واثقا ان جوهر السعادة في مكان آخر, غير الذي يتذوق به السعادة الآن, فعينه دائما على سعادة من نوع آخر قد تصنع حدا لما يجهله, فاتحا الباب على مجاهيل أكثر من مبهمة. السير على غير هدى مرة أخرى, اللامبالاة, والتأسيس لما يتدفق دون أية التفاتة إلى الوراء قد تمنح القدمين بعض التوقف (أحب ما يتدفق) هذا ما قاله الأعمى العظيم ملتون. فكرت فيه هذا الصباح لدى استيقاظي وأنا أصرخ صرخة عظيمة لعينة من الفرح) . لا أحد يعرف الانجليزية أفضل مني, كان ميلر يقول ويعيد. سيل عارم من المفردات والمقاطع اللامتناهية لا تمنحك الوقت الكافي لالتقاط أنفاسك, ومن ثم هدوء بحيرة صيفية يمكن لحصاة صغيرة أن تعكر صفوها كمقدمة لفيضان لا يبقي ولا يوقفه إلا الانتقال إلى قصة أخرى أو رغبته (أي ميلر) بالكتابة عن شيء مسل آخر أو أكثر اشراقا. أحيانا قد لا يتوقف على مدى أربعين صفحة أو أكثر عن تتبع حلم يحرص على روايته بالتفصيل, والتقاط كل ما يمكن أن يفلت منه, مثل حلمه الطويل في ثلاثيته الصلب الوردي. الذي لا تكفيه الساعات الأربع والعشرين من النوم لرؤيته. وهناك يخرج ميلر عن موضوعه ولا يعود, يمكن لثرثرته أن تقوده إلى ذلك يمكنه أن يتورط بأكثر من موضوع دفعة واحدة دون أن ينهي واحدا منها, مصرا على الوصول إلى أقصى الكتابة ومناطقها النائية العذراء, متواصلا مع ما تمليه حالة من الحب, القداسة, الرقة, القسوة, البذاءة, السفالة, الحزن, الفرح, في محاولة منه لاختصار هذا كله في جملة معترضة على كل شيء, مشرقة, تتسع للضوء والعتمة, أو مئة صفحة لا تعني شيئا وغالبا كل شيء. روعة ميلر لا تفارقه في أتفه كتاباته, متى أراد فإنه أعظم كاتب في أمريكا, وبعد قليل يمكنه أن يصير أعظم أسوأ كاتب في الأدب الأمريكي على حد تعبير نورمان ميلر. تنقلات دائمة تنقلات ميلر بين الغث والنفيس, من شخصية إلى أخرى من حي إلى آخر, من (شارع الأحزان المبكرة, الدائرة الرابعة والعشرين) إلى نسخة جديدة من ألف ليلة وليلة دونت نتانة العالم كحلم وردي مروع. ميلر حكواتي حقيقي بكل ما تعنيه هذه الكلمة, إذ انه أفضل من يحكي حكاية, متيحا المجال لغيره أن يحكي حكايته التي تحتوي بدورها حكايات أعداد هائلة من الأشخاص. شيء قريب جدا من متاهات ألف ليلة وليلة المتروكة عند ميلر دون نهايات سعيدة أو حزينة, المتروكة لتصوير حياة كاملة دون تشذيب أو زخرفة. تعرى ميلر بمظاهر الحياة الحديثة وأبهتها الأخاذة, وأسبغ على ميلر أخلاقية خاصة, وروحا ملوثة إن صحت الكلمة, تتوخى مسايرة عجلة الزمن الحديث المتسارعة, لكن باتجاه معاكس نهم, قادر على اختلاق جهات وأنماط عيش كفيلة بتعرية الشر والأرقام, وذلك بمصطلحاتها وأدواتها, متذوقا لها أول الأمر بطرف الخنصر استعدادا لالتهامها ولفظها كما لفظته الحياة نفسها بلا رحمة أدبا وسلوكا. (يوم تتخلى عن الروح, يصبح عندئذ كل ما يلي أكيدا مطلقا, حتى وسط العماء. ومنذ البدء لم يكن سوى العماء: سائل مائع غلفني, وتنفسته من خياشيمي. في الأعماق السحيقة, حيث يسطع القمر ثابتا ومبهما, كانت النعومة والخصب, وفوقهما التنافر والفوضى. وسرعان ما رأيت في كل شيء عكسه, نقيضه, وبين الحقيقي والزائف وجدت السخرية, المفارقة. كنت ألد أعداء نفسي) . يبقى هنري ميلر خارج من هم خارج السرب, ودعوة ملحة للاحتفاء بالرداءة بوصفها أول وآخر ما توصلت إليه البشرية. مبدع أزمنة هامشية بكامل عتادها الخالد ضد زمن القتلة. اسطورة أشد قربا إلى الخثارة, قاسية كالأظافر, مشعة كالراديوم. أب روحي غير معترف به (لجيل البيت) آلن جينبرج, جاك كرواك, بول بولز, وتشارلز بوكوفسكي وأدب البوب, يتوعده جيل البيت بالصمت ويلهث وراءه بوكوفسكي مدركا انه المعلم والمخرب في آن معا. التاريخ إلى جانبه (لقد ثبت أن التاريخ يقف إلى جانب ميلر. لقد كانت الحياة تغادر عالم الجهد الشخصي, والكحول, والجروح المأساوية, إلى تنكة زبالة المدينة الكبرى, الملأى بالرضوض, وآلام الشقيقة, والشواس, وعقاقير الكيف, وفقدان الذاكرة, والعلاقات العبثية والسرطان. وداخل مجارير الوجود حيث السرطان ينضح وكان ميلر يقفز مرحا. وكان دائما يقول: انظر, ليس من الضروري أن تموت في هذه الخثارة. يمكنك أن تستنشقها, أو تأكلها, أو تمصها, وتظل تثب فرحا استعدادا للانتقال إلى اليوم التالي, وإذا استطعنا أن نتحمل الرائحة, يكون فينا شيء لا يقدر بثمن) . بقلم: زياد عبدالله