قال عن نفسه ذات يوم بأنه ملقح ضد الاحباط ولكنه ليس متفائلاً بسخاء ورد على من يصفه بالمشاكس بأن هذه (أي المشاكسة) أحسن لديه من الخنوع والضعف. شاعر كبير وموسوعة ثقافية وسياسية تشبعت بالفكر القومي والانساني, لا يفتأ يذكرك دائماً بأن الثقافة فعل بطيء لا يجب انتظار جناها سريعا خاصة وأننا (مع الأسف) نعيش في مجتمعات يصعد فيها دائماً نجم من له مصلحة في تجهيل الناس. لا يزال ومنذ أربعين سنة يدافع بالشعر عن انسانية الانسان في وطنه ومع ذلك يعيش مغامرة متجددة لا يعرف مستقبلها في زمن أصبح فيه العربي يضع أصابعه في أذنيه كي لايستمع إلى الشعر لأن لديه إحساساً بأن الجميع يخدعه بمن فيهم الشعراء. كلاسيكي حداثي معتدل لا يرى في كثرة النقاشات حول هذه الحداثة سوى تعبير عن قلق الانسان العربي وعن مكانته في هذا العالم. ممدوح عدوان المبدع الذي لا يزال شابا متألقا في الستين, قال لي وقبل أن أبدأ معه الحوار: رغم أن تجربة الكاتب هي في كثير من الأحيان محكومة بالأسى ولكنك يجب أن تزرع شجرة زيتون ولو كنت في الثمانين. * مسرحي, دارس, مترجم, وشاعر كبير عرف منذ أربعين سنة, أولاً: أسألك .. هل أنت متفرغ للكتابة؟ ثانياً: بعد التعامل مع كل هذه الأجناس الابداعية بالاتقان والتميز الذي عرفت به إلى أيها تميل؟ ـ كنت دائما متفرغا للكتابة, بمعنى أنني لم أكن أعمل شيئا آخر غيرها أو ما يمت إليها حتى كعمل وظيفي كنت أعمل بالصحافة, أنا في الأصل شخص لي رد فعل سريع ولاشك ان الصحافة قد استفادت من هذا كما أن رد الفعل السريع هذا نما لدي أكثر بفعل الصحافة كذلك حيث كنت أطالب بكتابة زاوية يومية وأعلق على بعض المقالات وأقوم بعمل التحرير. وغير ذلك كل هذا ولد لدي القدرة على السرعة في التعبير بما يجول في ذهني ولكن منذ أكثر من عامين قدمت استقالتي وأحلت نفسي على التقاعد بالمعنى الوظيفي كي أتفرغ نهائياً للكتابة ولكن حتى حين كنت في الوظيفة سواء كنت مترجما في وزارة الإعلام أو صحفيا في جريدة (الثورة السورية) كنت دائماً أستطيع أن أفرغ حيزا من الوقت لقراءاتي التي استمتع بها وللتعبير عن أشياء أريد كتابتها وليست ضمن العمل اليومي للجريدة. في الفنون التي مارستها اعتقد أنني شاعر وأعتقد أنني أعبر عن نفسي بالشعر بشكل جيد ولكن قد يكون هناك أمور أريد أن أبدي فيها رأياً, أعقب عليها, أو أتعارك معها في الحياة, وأجد القصيدة لا تؤدي الوظيفة المطلوبة فأحتال للوصول إلى القصيدة عبر قنوات أخرى, هذه القنوات تكون مقالا أو دراسة أو غيرها لكنها تكون على ما أظن وكما قلت لك احتيالاً للوصول إلى القصيدة الأخرى والتي هي موجودة في المسرحية أو الرواية أو غيرها. المنبع الثقافي * أسألك عن أصالة المنبع الثقافي لدى المبدع وكيف يكون لها دور في إعادة بناء المشروع النهضوي العربي في خضم التشرذم والانفلات الذي ترى؟ ـ لا شك أن كل مبدع شاء أم أبى سيعود إلى منابع ثقافته الأولى فيعطي انتاجه كلها نكهة خاصة تدل على المكان والزمان والبيئة والتاريخ. أنا لا أرى أن هذه الأصالة التي كان التعامل معها بعفوية صارت تفرض نفسها على أنها واجب يجب التعمد في اعطائه حقه, ذلك لأن الهوية والخصوصية لكل شعب من الشعوب أصبحت مهددة بالزوال أمام عولمة الثقافة والتي تعني الآن أمركة العالم سابقا. وقبل هذا الاستفحال الأمريكي الثقافي كان هناك محاولة لتغريب العالم أي جعله كله شبيهاً بأوروبا الغربية وبثقافتها, فقد كان لديهم قدرات كبيرة في تسويق أنظمتهم لأنهم كانوا هم أيضاً الدول الأقوى سياسيا واقتصادياً وبالتالي الأكثر حركة في إيصال ثقافتهم بحيث صار هناك وهم وداء لكل مثقفي العالم بأن الثقافة الحقيقية منبعها الغرب, أما الآن فهناك وهم أكثر خطورة وهو أن العقل الأمريكي المهيمن على العالم وأن من يريد أن يلحق بالعصر فعليه أن يتشبه بالعصر الأمريكي وهذا الوضع دق ناقوس الخطر ليس فقط لدى شعوب العالم الثالث ولكن أيضاً لدى الشعوب الأوروبية, وهناك صراع غير معلن إلا للمتابعين بين الدول الأوروبية والهيمنة الثقافية الأمريكية, وقد وصل الأمر إلى حدود لو فعلناها في بلداننا لاتهمنا بالتشنج والشوفونية. فرنسا مثلا تغري الناس بالتحدث بالفرنسية وتذهب إلى درجة منع مواطنيها من الحديث بالانجليزية, وهناك صراع بين بريطانيا وأمريكا حول الانجليزية البريطانية والانجليزية الأمريكية ونحن في هذا الميدان أولى أن نحس بالخطر لأننا الأضعف والمتلقين الأقل انتاجا والأقل حركة في العالم, الفرنسيون موجودن في العالم وكذلك الاسبان والألمان ... الكروات غير موجودين لذلك لا نعرف إن كانوا مثقفين أم لا ولا شك ان الصهيونية تلعب دورا آخر في الايحاء بأن ثقافات الشعوب الأخرى كلها ثقافات تافهة وسطحية ورديئة وأن من واجب هذه الشعوب لكي تتحرر أن تقتدي بالنموذج الأمريكي وأن تخلع جذورها لكي تصبح عنصرية ... يفعلون ذلك في الوقت الذي يعودون هم فيه كيهود لاحياء اللغة العبرية والاهتمام بالتوراة بينما على غيرهم أن يتخلى عن جذوره. خاصية التعبير الابداعي * هذا يقودنا إلى تساؤل آخر وهو أن بعض الدول الغربية كفرنسا التي ذكرتها تخصص جوائز لبعض المبدعين العرب والمغاربة بشكل خاص لتشجيعهم على الكتابة بلغتها بالرغم من ضحالة ما يقدمون حتى ان بعض الكتاب المتميزين بلغتهم العربية قد هجروا هذا الحرف وأخذوا ينتجون بلغات أجنبية ما رأيك في هذه العقدة أو هذا التمرد على الحرف العربي وهل تعتبر انتاجهم ذلك عربيا على اعتبار أنهم الى حد ما يتناولون هموم الوطن كمادة وهل جربت ذلك بلغتك الانجليزية مثلاً؟ ـ أنا أستطيع الكتابة بالانجليزية وقد حضرت محافل مختلفة بهذه اللغة وترجمت عنها ما يزيد على عشرين كتابا وفي العام الماضي دعيت إلى جامعة سبنسن في بريطانيا لإلقاء محاضرة عن اللغة والابداع والهوية وكان رأي أنني أحس بالسعادة والغبطة حين أعرف أن كاتبا ينتمي إلى قبيلة لا يتعدى عدد أفرادها المئتي شخص يتحدثون لغة خاصة يصر على الكتابة بهذه اللغة. أنا أعتقد أن التعبير الابداعي له خاصية لغوية وهذه الخاصية تنتمي إلى العقلية التي يتعامل المرء فيها ضمن بيئة معينة. حين تتكلم مع الآخر بلغة ما فإنك تكون قد أقمت جسرا حقيقياً بين عقلك وعقله, هذا الجسر تجتهد أن يكون متينا, فتحاول أن تقلد الآخر حتى في لهجته وإذا لم تكن تتحدث لهجته فهذا سيقود إلى اخضاع عقلك إلى عقله, وأنا أعتقد أن الانتصار الحقيقي للاستعمار في دول العالم الثالث هو نشر اللغة. طبعا هناك سيطرة عسكرية وهناك سيطرة اقتصادية وغيرها, وهذا كله قابل للزوال أما ما لا يزول فهو غرس اللغة, فحين تترك الشعوب الافريقية لغاتها الوطنية مثلاً وتتحدث البرتغالية أو الفرنسية او الانجليزية فهذا خطر يصعب استئصاله وأكبر دليل هو دول المغرب العربي التي عرفت الاستقلال منذ حوالي أربعين عاما أو أكثر ومع ذلك لا تزال اللغة الفرنسية متمكنة بالنسبة للناس وما زال التعبير بالعربية ضعيفاً ومتردياً إلى حد ما. أظن ان الهزيمة أصابت الهنود الحمر فقط يوم كتبوا باللغة الانجليزية, وأنا سأحس بالهزيمة الحقيقية تجاه اسرائيل يوم أعرف أن كاتباً عربياً أنجز رواية مثلاً بالعبرية ولو أن هذا الكاتب قد كتب لأحسست بالفاجعة لأن الرواية تبقى أقل اتصالا بالوجدان. إذن أنا أقول ان الفرنسيين يريدون مصارعة الأمريكان على حلبة العالم وهم منذ القرن الماضي يعتبرون أنفسهم رسل ثقافة لذلك زرعوا البعثات في كل أنحاء البلاد التي زاروها لتعليم لغتهم والدين المسيحي معا, والدين في الحقيقة لم يكن يعنيهم بقدر ما كانت تعنيهم اللغة, هذه البعثات كانت نوعا من التمهيد للاستعمار فالفرنسيون مهتمون دائماً بأن لغتهم هي لغة الآداب والحضارة والعلم, والآن ها هم يواجهون هذا التحدي الأمريكي فابتكروا أساليب جديدة لتقوية الفرنكوفونية وتعرف أنه في عام 1997 عقد مؤتمر للفرنكوفونية في فيتنام كان يبدو لنا أنه نقاش مثقفين حول اللغة حضره رؤساء جمهوريات, وهذا يدل على أنه هم سياسي أكثر منه ثقافي. والمهم أن ما يجري من تشجيع للغة الفرنسية لدى كتاب خارج فرنسا هو جزء من غزو لعقول الشعوب, وهناك شعوب نتيجة ظروف معينة ونتيجة وجود الاستعمار لأكثر قرن مثل دول المغرب يجعلها لعدة أجيال تتكلم الفرنسية ولكن الاستقلال لا يعني شيئاً إذا لم يستعد الشعب لغته. ولا شك أن ميدان الثقافة يخضع ايضا لابتزازات ولـ (بروباجاندا) رخيصة أحياناً مثلما كان يجري مع المناوئين للاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة, يهربون إلى أوروبا وأمريكا فيمنحون الجوائز .. من بينها حتى جوائز نوبل, وأنت تقرأ بعض هؤلاء فتجد أسلوبه رديئاً ولا تحمل كتاباته سوى تفاهات لا معنى لها .. أيضاً هناك في الفرنكوفونية من يلجأون إلى الأسلوب نفسه مع كتاب ينالون الجوائز لمجرد أنهم يكتبون بالفرنسية. ومنذ مدة نال اثنان من لبنان جوائز كبيرة من منظمة الفرنكوفونية لم نسمع بهما في سوريا أو لبنان كشاعرين معروفين وحين تابعنا التفاصيل علمنا أنهما قدما خدمات كبيرة لفرنسا وللغة الفرنسية. سياسة لا ثقافة * حكاية الهرولة في السنين الأخيرة لم يهدأ ضجيجها, من أدونيس إلى لطفي الخولي وغيرهما .. كيف يرى ممدوح عدوان الصورة, وبرأيك كيف يجب أن تكون حيث أني سمعتك تقول بأنه لا توجد ثقافة صهيونية تخيفك؟ ـ الذين يحاولون الاحتكاك أو التقرب من العدو الصهيوني من المثقفين لا يقومون بفعل ثقافي ولكن بفعل سياسي, والموضوع الدائر حول مسألة التطبيع إذا أردنا أن نتفحصه بدقة, إنه ليس معركة ثقافية على الاطلاق بل هو تقويض من آخر للعقل العربي من أجل القبول بالوجود الاسرائيلي, ولقد نجح التقارب الأمريكي الصهيوني في زرع عقدة عند أبناء الشعب العربي أو عند بعضهم وهي أنك إذا أردت أن تكون حضاريا يجب أن تقتدي بالنموذج الأمريكي أولاً وفي الوقت ذاته يجب أن تلغي عداءك مع أعدائك التقليديين, فنجد أن كاتباً عربياً ذا أهمية يلين في موقفه من الصهيونية ولايزال متشددا في موقفه من الحداثة أو التقليدية في مجتمعه .. إذن هذا تنازل سياسي باسم الثقافة ولا يكون لهذا التنازل قيمة إذا لم يكن صاحبه ذا اسم كبير, وتأخذ المسألة أبعادا تبدو حضارية منها جمعيات داعية للسلام ومنها أناس تدعو للتعايش وآخرين غير حاقدين ... وغير ذلك وأنا لا أرى في الحقد هيمنة, بل بالعكس فعندما لا أحقد وأنا أتعرض لكل هذا الظلم فهذا يعني أنني مطعون في انسانيتي, حين أهان وأذل خلال قرن كامل وأتعرض لمجازر وهزائم وتشريد وغربة طوال نصف قرن ثم يأتي من يقول لي يجب أن تكون متسامحاً والق سلاحك .. أنا أرى أن هؤلاء الذين يجاملون العدو وهم يطمعون في بريق من الخارج يلمعهم كناس متمردين على العرب. وكلمة عربي تعني المتخلف والمتحجر في أوساط الغربيين وتعني الخروج عن دائرة الأحقاد والتسامي عليها وقبول الصهيونية. يعني أن كل هويتك في العالم لا تعني شيئا إذا لم تكن قادراً على الايحاء بأنك تقبل اليهودي أو الصهيوني وأنك تتسامح معه بكل ما فعله من مجازر وبكل ما أخذه من أرضك. أما المسألة الثقافية فهي فعلاً غير مخيفة أولا فليكن لدى الاسرائيليين ثقافة .. لا تستطيع الثقافة أن تدمرنا, ما يستطيع ذلك هو الإعلام. أن يكون لديهم شعر ورواية ومسرح هذا لا يخيف علما بأن ما لديهم هو أقل من الوسط, إنه متدن كثيرا ولا يؤثر والذين يقيمون في اسرائيل يتطلعون إلى نموذج الكتابة العربية إذا استطاعوا التخلص من نموذج الكتابة الأوروبية التي جاءوا بها, فمشكلة الهوية الثقافية مشكلتهم هم وليست مشكلتنا نحن فنحن ثقافتنا واضحة, فهي موجودة ومتجذرة, إننا ومنذ طفولتنا نستظهر درس قراءة فيه قصيدة عمرها 1400 عام بكل بساطة وعفوية ونقرأ القرآن والحديث ونقرأ امرؤ القيس والمتنبي ونقرأ نهج البلاغة, فنحن ماضون, موجودون ولا يجب أن نقلق, أما القلق عندي هو مقولة: إنك إذا أردت أن تكون حضاريا يجب أن تتخلى عن هويتك. الحلول الرخيصة * جدار الابداع في الوطن العربي اصبح قصيراً أو مائلاً كما يقال, كل من هب ودب يقفز فوقه, مما أدى إلى كارثة ذوقية طالت كل الفنون وأنت الأستاذ في معهد الفنون المسرحية ماذا تقول لطلابك حتى يقوموا بدورهم في تجليس هذا الجدار؟ ـ لقد أصبح كما قلت كل من هب ودب يتجرأ على الثقافة ويسمح لنفسه بإصدار الأحكام, يحكم على المسرح مثلا وهو يجهله ويحكم على الشعر وعلى الرواية وعلى الغناء وعلى كل فن بدعوى ان الفن جمالي موظف لإسعاد الجماهير أو لرفع ذوقها وبالتالي فإنه يحق لأي فرد من هذه الجماهير أن يملك حق التقييم والنقد حتى لو كان أمياً جاهلاً طالما أن الأمر غير موجه اليه. أرى أن الأمواج العاتية التي تمر بالحياة الثقافية العربية مع ما يصحبها من حداثة مزيفة أصبحت تطغى على كل أصيل يساعدها في ذلك وسائل اتصال متطورة تقدمها السلطات العربية, وهذا طبعا مقصود لإبعاد الثقافة الجادة التي تجعل الانسان يتساءل عن وضعه بقلق, تريد السلطات من جماهيرها أن تتحول إلى قطيع متلق رعية لا يرعاها راع, وأما هذا الوضع ليس لدى المثقف الجاد سوى الاستمرار في جدلية حقه وألا ييأس أو يتعب وأن يظل مصراً على فعل الشيء الصحيح حتى لو كان وحده. أنا أتعامل مع طلابي بطريقة خاصة, أعلمهم كتابة المسرح ولا أعطيهم وصفات من كتاب, أحرض أذهانهم على التفكير في كيفية سبر أعماق الشخصيات للقصة التي أتناولها معهم وتنمية الصراع داخلها وأحذرهم دائماً بضرورة الابتعاد عن الحلول الرخيصة. الحل الرخيص هو الحل الذي نراه في تلك الفنون التي أشرت إليها بالسؤال.. أعطيك مثالاً: امرأة عشقت رجلاً غير زوجها, فالحل السهل الرخيص هو أن تدينها أخلاقيا أو اجتماعيا, وحين تبررها فهناك أيضاً حل رخيص لتبريرها, يكون زوجها نحيلاً أو شرساً أو غربياً وله كرش كبير ويتجشأ .. وماذا تفعل إذا كان الزوج لطيفاً ودمثاً وجميلاً وامرأته كانت أيضاً جميلة وظريفة وكانا متحابين .. ثم أحبت رجلاً آخر. أنا أصعب الموضوع كي أجبر الطالب على التفكير بأسباب تضطره للغوص في الأعماق الانسانية لكي يكتشف الشخص. فعندما نتجه قليلا في تحريض عقل الطالب على التفكير في أعماق العلاقات الانسانية, في العودة إلى الغرائز الأولى وليس بقبول القوانين العرفية السائدة نكون قد بنينا في الجذور قاعدة صلبة لا يسهل زعزعتها أو هدمها, ولا شك أن هذا عمل دقيق وطويل المدى يحتاج إلى جهود متعددة وفي ميادين متعددة, وبلدان متعددة. إذن فالمسألة ليست بعلاقتي مع الطلاب بل في علاقتي أنا أيضاً بالفن وبالقيم كنموذج. * قالت منذ فترة الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي: إن الكاتب العربي أصبح اليوم مهتما بالكتابة وليس بما يكتب أي أن الكتابة أصبحت لدى الجهلاء تهمة تستحق العقاب, فأنصاف الأميين لم يقرأوا المبدع ولم يفهموه وهو معرض للموت من طرفهم لأنه اختلف عنهم وليس لأنه اختلف معهم وكما تعلم فإن بعضاً من المبدعين العرب قد لاذوا بالغرب كنوع من الحماية من القمع العربي (الذي قد يكون رسمياً) .. صورة كهذه كيف تنظر إليها؟ ـ أريد أولاً أن أعقب على كلام أحلام فبالإضافة إلى أن الكاتب أصبح يهتم بالكتابة فقد أصبح أيضاً يشكك في سلامة عقله لأنه ما زال مهتماً بهذا الأمر, وفي ذات الوقت هناك أناس تركض وراء المصالح, وراء التجارة والمكاسب ووراء المنفعة والعمولات, فبالنسبة إليهم أن من يجلس على طاولة يكتب به مس من الجنون, كنت دائما أكتب مرحبا بهذا النوع من الجنون ولي كتاب اسمه (دفاع عن الجنون), ولاشك أن من يهتمون بالجنون متهمون ليس فقط من قبل السلطات بل ايضا من طرف شرائح كثيرة من الناس الجهلة وأظن أن القمع الذي يمارسه الجهل بالأوساط الشعبية وكذلك التعصب المصاحب له هو أكثر قسوة من القمع الذي تمارسه السلطات العربية لكن في النهاية يلتقي القمعان في ثقل واحد يرزح تحته الكاتب لكي يبعدوه عن كل تفكير جاد في الواقع وعن كل تحليل حقيقي وكل محاولة لفهم ما يجري في هذا الواقع, إما أن تجبره السلطات على قبول تفسير ما يجري أو يريد الجهلة تغيير عقله لكي لا يفهم شيئا على الاطلاق ويسلم أمره إلى المقدور والغائب, ولأنه مقدور سيصبح بقدرة قادر بأيدي حفنة من المبدعين المتاجرين بالدين, وهؤلاء أمام كتلة الجهل القائمة يكتسبون صفة من التقديس بالضبط. بالتأكيد من الصعب والمحزن أن يبقى الكاتب الأعزل الذي لا يملك إلا قلمه وبضعة كلمات يثرثرها هنا وهناك لاشك أن وضعه مأساوي وأن هناك ما يبرر لوصفه بالمجنون من خلال عناده وإصراره على قول الكلمة والعزاء الوحيد أن المصلحين كلهم كانوا كذلك وكل شيء في هذا العالم يشكو من أميته, فنرفع شعار (ما أحلى الجنون) إذا كنا نتهم بذلك هذا لا يهم, وليحتفظوا بعقولهم المتشبثة بالقذارة والانحطاط والتخلف والخضوع للأجنبي ويتركوا لنا جنوننا المتشبث بالابداع والباحث عن الهوية لتأكيد الرضا عن الذات فقط, هل أرى أملاً. بالتأكيد, فإذا وجد في كل بلد من بلداننا عشرون شخصاً فقط من هذا النوع فأنا أرى الأمل كبيراً. جمهور الشعر * أعود بك إلى الهم الشعري, شعر دون جماهير, وحتى دون قاعدة نسبية من القراء .. أمسيات تتكرر فيها نفس الوجوه (على قلتها) بعض المتزمتين الذين ينكرون على النص الحداثي تواصله الجميل يرجعون هذا السبب إلى النصوص التي أثقلت بالغموض ويقولون بأنه لن يعود للشعر جماهيره إلا بعد أن ينتهي الصراع الحاصل (الأصالة) ضد التغرب .. رأي ممدوح عدوان الشاعر المخضرم في هذه الأقوال؟ ـ لنبدأ من النقطة الأخيرة, لا شك أن هناك تيارين خاطئان, الأول بحجة الأصالة يدافع عن التخلف والانغلاق والثاني بحجة التحضر يدافع عن انخلاع الجذور وفقدان الهوية, هذان التياران موجودان فعلاً, أعود إلى بداية سؤالك, أنا أرى أن الشعر لا يجب أن يعزل لأنه غير مفهوم أو لأنه لا يحقق تواصلا, الشعر يعزل لأنه شعر سواء كان غامضاً أو واضحاً ... وطبيعة الشعر كما تعرف نخبوي, نوعي, فيه شيء من خصوصية الشاعر. وأرى أنه من الطبيعي أن يكون للشعر جمهور قليل, وحين يصبح له جمهور كبير أشك بالموقف وأرى أن الناس يلتقون حول هذا الشاعر لسبب آخر غير الشعر. أعطيك مثالاً .. جمهور نزار قباني ليس جمهورا للشعر بل هو جمهور للفضيحة وللشائعة. ابحث في الحياة العامة تجد أن نسبة (95%) يقرأون نزار ولا يقرأن الشعر الآخر سيئا كان أو جيداً, وبرأيي أن من لا يقرأ المتنبي أو شكسبير ليس قارئاً للشعر بل مكبوت يبحث عن الغريزة والاثارة أو مكبوت سياسيا يبحث عن فضيحة سياسية, لذلك فأنا كما قلت لك أشك في أن الشعر الذي تكون جماهيره كبيرة يكون لديه جاذبية أخرى لشيء غير الشعر فيه, وأنا ترجمت مؤخراً كتاباً بـ (أوكتافيو باشا) الشاعر المكسيكي الحاصل على جائزة نوبل يقول فيه: (الشعر كان دائما للأقلية وهناك إيحاء دائم بأنه سينقرض) وقد كان في القرن التاسع عشر كلام مثل ما يتداول اليوم عن فقدان جماهيرية الشعر وأنت ترى أن كبار الشعراء الانجليز والفرنسيين والأمريكيين يطبع الواحد منهم (2000) نسخة ويبيع منها (50) في أحسن الأحوال وقد كان دائما هناك عصابة اسمها عصابة الشعر تتوارث الاهتمام به بشكل تآمري عبر كل العصور ولدى كل الشعوب, وليس بالضرورة أن يرث ابنك الشعر إذا كنت شاعراً أنت تحب الشعر وهناك شخص آخر من قرية بعيدة عن قريتك يحبه, تجتمعان ويضاف إليكما من يهوي هذا الفن, .. وهكذا تتكون العصابة بالمعنى الايجابي, وصحيح أن هذه العصابة هي أقلية, لكنها موجودة في كل زمان ومكان دائماً توحي الأقلية بأنها على وشك الاندثار لكنها بقدرة ما في الشعر لا تندثر. رومانسية العواطف والوهم * الرومانسية الشعرية العربية ووضعية الذات في الثقافي والابداعي العربي ماذا بقي منها كمدرسة, هل هي مثلاً زمن ثقافي ووجداني مضى؟ ـ أرى أن هناك نوعين من الرومانسية, رومانسية بمعنى التعامل مع العواطف والسنة الطبيعية وكذلك التعامل مع الطبيعة والانسجام فيها, وهذا شيء لا يموت ورومانسية بمعنى التعامل مع الوهم وهذه هي التي تموت, أما بالنسبة للشعر فمثلاً عندما وصلوا إلى القمر قالوا مات الشعر, ولما حدثت حرب الخليج قالوا مات الشعر مات نوع من الشعر أو ماتت نظرة هي غير صحيحة بالنسبة للشعر, وهذه النظرة مفادها أن الشعر هو الخيال البعيد عن الواقع كالقلق بأحلام مثالية لا معنى لها لكني شخصياً أرى أن الرومانسية لابد منها وليس هناك شعر دون رومانسية, إذا جردت الشاعر منها معنى ذلك انك جعلته ينظر للأشياء كما هي وحين تقرأ الأشياء كما هي سيسيطر التجار على العالم, يجب أن يكون هناك من يرى في الأشياء بعدا آخر وبريقاً آخر. ما الفارق يا ترى عندما تمسك وعاء من القرن العاشر فترى فيه تاريخا ونكهة وتريد أن تهتم به لكي تفهم ذلك التاريخ ويمسكه شخص آخر بواقعية فيقول لك إن هذا وعاء مصنوع من فخار يساوي قيمة (200) دولار, فهذا هو الفرق بين الشعر الرومانسي وبين غيره وهذا معناه أن هناك من يعرفون الشعر ولا يعرفون القيمة, فالشاعر يا صديقي ممن يعرفون القيمة. * يقال لنا هذه الأيام .. وفي هذه المسيرة الحزينة بأن الجندي الوحيد المتبقي لدينا هو المثقف أخيراً كما ترى اعترفوا له .. فمن دمشق آخر خيمات العرب كيف يصف لنا ممدوح عدوان حال هذا الجندي هناك؟ ـ لا شك أنه بعد خيبة السياسيين والاقتصاديين والعسكريين والحزبيين وأصحاب (البروباجاندا) وأصحاب الشعارات أن الاحتياطي الوحيد الذي بقي هو المثقف الذي لم يتغير, وبقاؤه على موقعه وتعلق الناس به لا يعني أنه هو الباقي الوحيد, ولم يكن من الممكن أن تصبح له قيمة لو انه تعامل مع المسائل الجوهرية الموجودة في نفوس الناس باستخفاف كباقي الفئات الأخرى التي ذكرتها لك لو فعل مثلهم لفقد قيمته في المجتمع. عندما نقول إن للمثقف قيمة في الحياة لا لشيء سوى لأنه يتعامل مع أشياء موجودة في حياة الناس, أنه يرى وينبه ويقول, وحين يلتف الناس حوله فهم يلتفون على حامل هم موجود في أعماقهم وهو وحده من يحرضهم على الدفاع عن قيم معينة في الحياة. ببساطة عندما يبحث كل الناس عن الشعر حسب مثالنا السابق ووجد شخص يذكر بالقيمة فيكتشف هؤلاء الناس أنه فعلاً كانت هناك قيمة يهملونها وجيد من هذا المثقف أنه ذكرهم بها. في دمشق لم يعط المثقف ظهره للجدار بإمكانه أن يبتعد قليلاً لأن ظهره محمي من هذه الناحية بالذات, ونحن رغم أننا نعتز بهذا الموقف إلا أننا نظل حذرين من التعامل مع السلطة لأن للسلطة منطقها وهذا المنطق قد يكون خطيراً, ومع ذلك فهذا الموقف نعتبره عظيماً ونحن متفائلون به باستمرار. حوار ـ محمد حسين طلبي