أول عربي يقوم بتصميم عملة أوراق مالية.. وأول أستاذ يتولى تدريس مادة طباعة البنكنوت في إحدى الجامعات العربية, وصاحب الفضل في تخريج جيل كامل من مصممي أوراق البنكنوت.. وأول عربي يتفوق على مصممين كبار من جميع أنحاء العالم في فن تصميم الأوراق المالية, ويفوز بجائزة مدينة (ميونيخ) الألمانية في بداية السبعينيات.. إنه المصمم الفنان عباس الشيخ, وفي حواره لـ(البيان) فتح لنا قلبه وخزانة أسراره. وهو يقول: لقد نبعت الفكرة بعد العدوان الثلاثي على مصر مباشرة, فقد اكتشفنا أننا تحررنا من سيطرة المستعمر الإنجليزي, بعد الجلاء عن مصر سنة ,1952 لكننا لم نتخلص من سيطرة إنجلترا على قطاع حيوي للغاية في اقتصادنا الوطني بطباعة أوراق البنكنوت المصرية في بريطانيا.. ومن هنا فكرت حكومة الثورة في إقامة مطبعة في مصر, وقام البنك المركزي بإقامة مطبعة لأوراق البنكنوت في الهرم, وتم إسناد مهمة إدارتها وتدريب العمالة المصرية فيها لشركة ألمانية, أما مصممو أوراق البنكنوت الذين كانوا يعملون في مصر في ذلك الوقت, فقد كانوا أربعة من الأجانب, وكانوا لا يسمحون لأحد من المصريين بالاطلاع على عملهم أو التعرف على أسرار المهنة, ولذلك قررت الحكومة المصرية الاستغناء عن خدماتهم وتدريب أحد المصريين للقيام بهذا العمل.. وكنت أنا هذا الشخص. ويواصل عباس الشيخ: بعد إنشاء مطبعة الأهرام, أرسلتني الحكومة في بعثة إلى ألمانيا لدراسة فن تصميم النقود في أحد المعاهد هناك, وبعد عودتي من ألمانيا انتقلت من مصلحة المساحة التي كنت أعمل بها في ذلك الوقت, للعمل في البنك المركزي كمدير لدار طباعة البنكنوت, وقمت بتصميم أول ورقة مالية من فئة الخمسة وعشرين قرشا, ثم من فئة الجنيه والخمسة والعشرة جنيهات, وكان الوجه الواحد في العملة يستغرق تصميمه ثلاثة شهور كاملة, وكل فئة مالية, تختلف عن الفئة الأخرى سواء في أسلوب تصميمها أو في الوقت الذي تستغرقه, فكلما ارتفعت قيمة العملة, كلما زادت مساحة الوقت الذي تستغرقه في التصميم والتنفيذ, كما كانت عجينة الورق تختلف هي الأخرى باختلاف قيمة الورقة المالية, وكنا ـ ومازلنا ـ نستورد هذه العجائن من الخارج. ويضيف الشيخ: تختلف الالوان التي تستخدم في تصميم الاوراق النقدية عن الالوان الاخرى.. فاللون الأخضر على سبيل المثال, وهو اللون الذي يتكون من خلط اللونين الأصفر والأزرق بنسب معينة, يختلف من فئة الجنيه عنه في فئة الخمسة جنيهات, وهناك نسب خاصة من كل لون بمعايير وموازين حساسة يستعان بها, والأمر في النهاية يعود للمصمم, لأن هذه النسب تزيد من صعوبة التزوير. لكن.. كيف يستطيع الشخص العادي التفرقة بين العملة السليمة والمزيفة؟ يقول الشيخ: يمكن معرفة العملة المزيفة عن طريق اللمس, فالمفروض أن تحس بالخشونة وأن تتحسس بأصابعك ورقة العملة من المنتصف, لأنها تعمل بالحفر على الصلب وسواء كان يدويا أو باستخدام التقنية الحديثة, وحفار الصلب يمتلك من الحساسية في يديه ما يمكنه من صنع 100 خط من الصلب بنفس درجة العمق, وهي مسألة ضرورية للغاية, لأنه لو اختلف العمق, لاختلفت بالتالي كمية الحبر الذي تستوعبه.. وحفار الصلب عملة نادرة, ويتم تدريبه منذ الصغر, ويعتزل في سن الخامسة والعشرين على الأكثر, نظرا لأنه يبدأ بعد هذا السن في فقدان حساسية يديه وعينيه وأعصابه, وهناك دول أوروبية كثيرة, ليس فيها حفار صلب واحد. وقد حاولت تدريب بعض الشباب المصريين على هذه الحرفة الدقيقة للغاية, واخترتهم من بين طلبتي في كلية الفنون التطبيقية التي أدرس فيها مادة طباعة البنكنوت منذ سنوات, لكنني فشلت في هذه المهمة, لأن حفار الصلب مثل راقص الباليه لابد من تدريبه بداية من سن صغيرة للغاية, ولذلك فإنهم يلجأون في السنوات الأخيرة إلى استخدام الحفر الكيميائي والكمبيوتر, لكن الفرق بينه وبين الصلب, كالفرق بين السماء والأرض. ورقة البنكنوت الصحيحة, وهي لا تسمح أبدا, لأنها جزء من صلب الورقة نفسها, ولا يمكن تزييفها أو تقليدها. وحول رأيه في شكل وتصميم ونوعية العملات الورقية الجديدة؟ يقول الشيخ: أنا أصاب بحالة من الحزن الشديد مع كل ورقة بنكنوت جديدة يقومون بطرحها في الأسواق, فقد تحولت فكرة اتجاهنا لعمل مطبعة للأوراق المالية, والاعتماد على أنفسنا في طبع البنكنوت الخاص بنا, من فكرة حضارية جميلة, إلى مجرد عمل والسلام.. وإذا قارنت بين عملة الخمسة وعشرين قرشا أو الجنيه التي رسمتها أنا وقمت بتصميمها, وتلك الموجودة الآن, ستجد فارقا كبيرا, ناتج عن تعيين رجل إداري وليس فنانا على رأس إدارة البنكنوت في بلدنا.. إنهم يسترخصون ويشترون أوراق من أنواع رخيصة ورديئة, ولا يعلمون أن عملة البلد هي واجهتها أمام العالم. ورغم عمله في مجال التدريس الا ان الفنان عباس الشيخ ينتابه حزن ما حينما نسمعه يقول: لقد أحالوني إلى المعاش, حين بلغت السن القانونية, فقالوا لي مع السلامة, وبدأوا يعتمدون على الكمبيوتر, وأنا أمارس الرسم وأقيم بعض المعارض, وقمت بتخريج جيل جديد كامل من مصممي أوراق البنكنوت, وشاركت بهم وبأعمالهم في معرض دولي أذهل العالم. ولكن الا تشكل مهنة تصميم النقود اغراء ما؟ الحمد لله, لم يحدث ذلك أبدا.. ولم أتعرض لأي محاولة لإغوائي أو إغرائي, وأذكر أنني كنت حين أسافر إلى أي دولة أوروبية, لم يكن يتم تفتيشي سوى في الغرف الحصينة, ولم أكن أتعامل مع مفتش جمارك أو جوازات أو أي شيء من هذا القبيل, وكانوا يمنعونني من الجلوس في أماكن معينة, ويراقبونني في أي مكان أذهب إليه, أما العمال الذين كانوا يشتركون معي في رسم وطبع البنكنوت, فكان كل واحد منهم يقوم بمهمة صغيرة ومحددة, وكنت أنا المايسترو الذي يعرف سر اللعبة كلها. وحصل الفنان عباس الشيخ على عدة جوائز في تصميم طوابع البريد والنحت وتصميم العملات الورقية, لكن أهم جائزة حصل عليها كانت عام 1990م, في مسابقة لتصميم العملات الورقية في مدينة (ميونيخ) وشارك فيها مصممون كبار من جميع أنحاء العالم, وتفوق عليهم جميعا ليحصد الجائزة الأولى, عن مجمل التصميمات لفئات مختلفة من العملة. القاهرة ـ محمد رفعت